ما مستقبل اقتصاد أفغانستان بعد سيطرة حركة طالبان؟

ما مستقبل اقتصاد أفغانستان بعد سيطرة حركة طالبان؟

يعاني الاقتصاد الأفغاني العديد من التحديات البنيوية (Getty)

ألتراصوت- فريق الترجمة

في الوقت الذي تسعى فيه حركة طالبان الأفغانية بحذر وتأهب شديدين إلى التحوّل لمرحلة جدية من الحكم وتشكيل إدارة حكومية في البلاد، تقف أفغانستان أمام مستقبل غامض تزداد فيه مخاطر الانهيار المالي والاقتصادي الكامل، بعد عقدين من الوجود الأمريكي والأجنبي الذي لم يكترث لبناء اقتصاد محلي مستدام، بعيدًا عن الاعتماد على المساعدات الأجنبية المباشرة التي تمثّل تقريبًا نصف الاقتصاد الشرعي لدولة أفغانستان.

يبدو مصير اقتصاد أفغانستان مرهونًا بكيفية تعامل المجتمع الدولي مع حركة طالبان واعترافه بشرعية سلطتها في البلاد 

مصير اقتصاد أفغانستان مرهون ببضعة قرارات مرتقبة من إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن وعدد من الدول الكبرى الأخرى، ولاسيما فيما يتعلق بالاعتراف بطالبان وبشرعيّة أية حكومة سيعلنون عنها. أما حاليًا، فإن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي قد بادروا بالفعل إلى وقف التدفقات المالية إلى أفغانستان، ما قد يعني عمليًا بدء عمليّة تضييق الخناق على طالبان والحيلولة دون انخراطها في النظام المالي العالمي. ووفق هذا المقال المترجم بتصرف عن نيويورك تايمز، فإن الصدمة المرتقبة تهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد التي رزحت طويلًا تحت ويلات الحرب.

وقد بدأت إرهاصات هذه الأزمة مبكرًا، حيث تراجعت قيمة العملة الأفغانية إلى أدنى مستوياتها، وهو ما يهدد بحصول تضخم مباشر في أسعار السلع الأساسية في البلاد كما حذّر آخر حاكم للبنك المركزي الأفغاني، أجمل أحمدي. كما قررت الولايات المتحدة، التي ضخّت في أفغانستان خلال العقدين الماضيين حوالي تريليون دولار أمريكي، منع طالبان من الاستفادة من مخصصات أفغانستان من الاحتياطات الأجنبية، والتي تقدر بحوالي 9.4 مليار دولار أمريكي. أما صندوق النقد الدولي، فقد أعلن عن تعليقه لتنفيذ برنامج كان سيتمّ بموجبه تقديم 400 مليون دولار أمريكي لأفغانستان على شكل احتياطات طارئة.

جاستن ساندفر، أحد الباحثين في مركز التنمية الدولية، يقول في حديث مع نيويورك تايمز إن الأثر المحتمل لهذه الإجراءات على المدى القصير قد يكون كارثيًا. "نحن أمام وضع مهدّد بانهيار العملية ونشوء أزمة مالية قد تكون مؤلمة للغاية لعموم الناس".


يعاني الاقتصاد الأفغاني العديد من التحديات البنيوية (Getty)

ومن المعلوم أن الاقتصاد الأفغاني يعاني بالأصل من العديد من التحديات الخطيرة، مع تراجع ملحوظ في اهتمام المجتمع الدولي بتقديم المساعدة والدعم، حتى قبل أن يتمّ الأمر لطالبان وتعلن سيطرتها على البلاد إبّان الانسحاب الأمريكي.

فالتخفيض التدريجي في عدد القوات الأمريكية المتواجدة في أفغانستان خلال العام الماضي، وخروج عدد من المتعاقدين الحكوميين الذين أسهمت أنشطتهم في توسيع القاعدة الضريبية في أفغانستان، قد أدى إلى توجيه ضربة إلى الاقتصاد المحلي، بالتزامن مع الآثار المدمّرة لجائحة كوفيد-19. ووفق مكتب أبحاث الكونغرس (CRS)، فإن 90 بالمئة من الأفغان يعيشون على أقل من دولارين (2 دولار أمريكي) يوميًا، وحذر الخبراء في المركز من أن غياب الدعم الأمريكي سيعني المزيد من التراجع لأحد أفقر وأصغر اقتصادات العالم.

في نهاية العام 2020، وفي اجتماع للمانحين في جنيف، تم التعهد بتقديم 12 مليار دولار على شكل مساعدات لأفغانستان خلال أربع سنوات، بتراجع بنسبة 20 بالمئة عن المبلغ الذي تقدم تقديمه في السنوات الأربعة السابقة. وقد فرضت بعض وكالات الإغاثة شروطًا جديدة لتسليم المساعدات المالية، تتعلق بالوضع الإنساني القائم واحترام حقوق الإنسان والمرأة، والتقدم الحاصل على صعيد مباحثات السلام بين الحكومة وطالبان.

كما تتصاعد التخوفات بشأن نقص الغذاء والمستلزمات الأساسية، كما يخشى أن يتسبب الجفاف في البلاد بمفاقمة الأزمة وخلق كارثة إنسانية.

فوفق آخر تحديث للبنك الدولي حول أفغانستان، جرت الإشارة إلى أن انسحاب القوات الأمريكية وخفض المساعدات الدولية لأفغانستان وقوات الأمن فيها سيؤدي إلى سلسلة من الآثار غير المتوقعة على الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي. وجاء في التقرير: "الفسحة المالية ستكون ضيقة للغاية في سياق ضعف أداء الإيرادات وتراجع المنح الدولية".  كما حذّر التقرير من تزايد العجز في ميزانية أفغانستان، مع تعمّق أزمة الديون وعدم قدرتها على سدادها، وذلك بسبب اعتمادها الكبير على المنح الأجنبية، في ظل انخفاض نشاطها الاقتصادي وعدم اعتماده على التصدير.

بول كاداريو، مسؤول سابق في البنك الدولي، أشار إلى أنّ أحد الجوانب الأساسية في استمرار تدفق المنح الخارجية سيعتمد على مستوى الثقة بقدرة واستعداد حركة طالبن على الالتزام بمشاريع البنية التحتية التي تموّلها هذه الأطراف، والحفاظ على الخدمات العامة التي تساعد على خلق اقتصاد فعال. إلا أنّه يبقى من غير الواضح، بحسب ما أفاد كاداريو، ما إذا كانت طالبان ستسمح باستمرار العمل على مشاريع تتعلق بالصحة العامة والتعليم، وتفعيل المؤسسات الحيوية المتعلقة بالضرائب وأنشطة الأعمال المصرفية.

وقد أوضح تقرير صادر عن الأمم المتحدة في حزيران/يونيو الماضي، أن حركة طالبان تفتقر إلى الموثوقية الاقتصادية والمالية، نظرًا لاعتمادها بشكل كبير على أنشطة غير مشروعة، مثل تهريب المخدرات وإنتاج الخشخاش، والابتزاز، والخطف لأغراض تحصيل مبالغ عبر الفدية وغيرها من الأنشطة. ويقدر حجم إيرادات الحركة من هذه الأنشطة بين 300 مليون و1.6 مليار دولار سنويًا.

طالبان ومستقبل الأموال الأفغانية

من ابرز القضايا العالقة إثارة للجدل هو مستقبل الأموال الأفغانية التي تتحفظ عليها الولايات المتحدة، وما إذا كانت ستسمح بنقلها إلى حكومة تسيطر عليها حركة طالبان، ولاسيما أنّ أي تحرّك من هذا القبيل سيثير عاصفة من الانتقادات ضدّ بايدن من خصومه الجمهوريين. فقد بادر عدد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين بالفعل لدفع الحكومة الأمريكية بمنع حصول طالبان على مساعدات مالية عاجلة من طرف صندوق النقد الدولي. كما قدّم عدد من النواب الجمهوريين مذكرة إلى المفتش العام الخاص لإعادة الإعمار في أفغانستان، لسؤاله عن قانونيّة أية مساعدات يتم تقديمها لأفغانستان، وما إذا كانت تصبّ في خدمة المصالح الأمريكية.

الولايات المتحدة والتلويح بسلاح العقوبات؟

أعلنت الإدارة الأمريكية مؤخرًا على لسان عددٍ من كبار المسؤولين في البيت الأبيض بأنها تراقب عن كثب تصرفات حركة طالبان على الأرض، وأنّه من المبكّر تحديد موقف الولايات المتحدة من شرعية الحكومة التي ستعلن عنها طالبان.


قد تفرض الإدارة الأمريكية عقوبات اقتصادية على أفغانستان (Getty)

وتعدّ العقوبات الاقتصادية سلاحًا مؤثرًا تلوّح به الولايات المتحدة وغيرها ضدّ طالبان، وهي إستراتيجية تم الاعتماد عليها بشكل مكثف لتضييق الخناق المالي على الحركة، وإعاقة قدرة قادتها على الحركة والسفر. وقد طالبت حركة طالبان إبان المفاوضات مع الإدارة الأمريكية السابقة، بمراجعة العقوبات الأمريكية ضدّها وإنهائها، إلا أن التطورات الأخيرة التي انتهت بإسقاط الحكومة الأفغانية وسيطرة الحركة على البلاد قد ضاءلت من فرص رفع العقوبات عنها.

ومن المتوقع أن ينجم عن العقوبات الاقتصادية في حال فرضها على أفغانستان تحت حكم طالبان آثار قاسية على المدنيين، تفوق ما تعانيه دول أخرى تحت العقوبات، مثل إيران، والتي تمتلك اقتصادًا أكثر تطورًا من الاقتصاد الأفغاني، وطورت القدرة على مراوغة العقوبات الأمريكية والاستمرار في تصدير النفط بكميات ضخمة يوميًا.

سيكون للعقوبات الاقتصادية على أفغانستان آثار وخيمة تهدد بخلق أزمة إنسانية بين المدنيين 

كما يفرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عقوبات على حركة طالبان، ما يزيد من صعوبة إنهائها حتى لو رغبت دول كبرى مثل الصين وروسيا في التعامل التجاري مع أفغانستان الجديدة. كما ستواجه منظمات الإغاثة والمؤسسات غير الحكومية صعوبات بالغة تحول دون عملها في باكستان في ظل استمرار العقوبات.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

نيويورك تايمز: 3 ادعاءات مضلّلة في خطاب بايدن عن الانسحاب من أفغانستان

 مقتل 12 أفغانيًا منذ بدء عمليات الإجلاء من كابول وتعقيدات مستمرة