ماكرون وأردوغان.. التجارب السياسية الجديدة

ماكرون وأردوغان.. التجارب السياسية الجديدة

ماذا تخفي التجربة السياسية الجديدة لفرنسا؟ (صول لويب/أ.ف.ب)

"فرنسا إلى الأمام"، هو الشعار البراق الذي أوصل إيمانويل ماكرون إلى سدة الرئاسة كأصغر رئيس في تاريخ الجمهورية الفرنسية، أعرق جمهورية في العالم، موجهاً صفعة للشعبوية والتطرف اللذين يكتسحان الغرب بذريعة الخوف من التطرف الإسلامي وارتفاع عدد المهاجرين.

تتشابه تجربة ماكرون مع أردوغان في كسرهما احتكار السلطة من الأطراف الكلاسيكية، الجيش في تركيا أو الأحزاب التقليدية الفرنسية

قبل انتهاء الجولة الحاسمة من الانتخابات يوم الأحد الماضي كان الحديث عن كون المرشحيّن ماكرون ومارين لوبان لا يلبيّان طموح الشارع الفرنسي بل وأن فرنسا وُضعت أمام خيارين أحلاهما مر، لكن الشارع الفرنسي أكد وعيه لاختيار الأفضل بينهما، وهنا تبدو النظرة سوداوية نوعاً ما أمام حدث تاريخي يتمثل بكسر احتكار الأحزاب التقليدية للسلطة في فرنسا ووصول حركة قوامها الشباب إلى أروقة الأليزيه وهذا يذكرنا بالحدث التاريخي الذي شهدته تركيا منذ حوالي 15 عامًا مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة وعلى رأسه الرئيس الحالي للجمهورية التركية رجب طيب أردوغان، الذي نجح في تحويل نظام الحكم في البلاد إلى نظام رئاسي ما يسمح له ولحزبه بالاستمرار في السلطة لسنوات قادمة.

اقرأ/ي أيضًا:  الصحف الفرنسية والأوروبية تحتفي بفوز ماكرون

السؤال الذي أود طرحه في حقيقة الأمر هل ستدفع حركة "إلى الأمام" فرنسا إلى الأمام فعلاً وهل سينجح ماكرون بوضع تجربة سياسية تكفل لحزبه البقاء لسنوات في السلطة؟ واقعياً الإمكانيات موجودة في حال انتصرت الحركة في الانتخابات التشريعية ولكن هل الرغبة موجودة؟

لقد حمل الظهور الأول للرئيس الجديد الكثير من الثقة فلقد اصطحب زوجته التي تكبره بـ 24 عاماً وهي أولى محاولات ماكرون للتمرد والتوجه نحو نهج جديد في الحياة، الفتى أحب زوجته بريجيت تورينو ماكرون وهي ابنة عائلة فرنسية مرموقة من مدينة أميان في سن 15 وارتبطا رسميًا عندما كان في سن 18 وأعلنا زواجهما في عام 2007 علمًا وأن أكبر أبناء زوجته من زوجها السابق يكبره بسنتين، وكانت أهم عبارات ماكرون للفرنسيين "سوف أحتاجكم مراراً"، مشيراً للانتخابات التشريعية المزمعة في الشهر القادم.

هناك دلالات كبيرة لوصول هذا الشاب الذي لم يتجاوز الأربعين للسلطة في واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والعسكرية في العالم وهي دلالات يتشابه فيها مع التجربة التركية لحزب العدالة والتنمية في مقدمتها كسر احتكار السلطة الكلاسيكية في البلد، فكما كسر سياسيون شباب أتراك احتكار الجيش للسلطة لمدة 80 عامًا، كسر ماكرون احتكار الأحزاب التقليدية للسلطة في فرنسا.

أيضًا يتشابه الطرفان بحداثة أحزابهما على الساحة وذلك يدل على مدى تعطش الشعب الفرنسي إلى شكل جديد من الحكم كما كان يتعطش الأتراك إلى الدولة المدنية القائمة حاليًا في بلادهم، ويتعدى ماكرون هذه التشابهات التي يمكن تسميتها بـ"الصدف التاريخية" ليكون الشخص الذي يمتلك فرصة التغيير في القرار الدولي وذلك يأتي من المكانة المرموقة عالميًا لفرنسا، وهو كما قيل عنه "انعكاس الطبقة المثقفة في فرنسا" كذلك سمي بـ"ابن طبقة النخبة" ويتميز ماكرون أيضًا بقدومه من عالم الاقتصاد والأعمال ما يجعله يدرك حقيقة دور الاقتصاد في العملية السياسية.

يتميز ماكرون بقدومه من عالم الاقتصاد والأعمال ما يجعله يدرك حقيقة دور الاقتصاد في العملية السياسية

في الشهور الماضية كان العالم متخوفًا فعلياً من وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة وهو يميني متطرف استغل الحزب الجمهوري الأمريكي للوصول إلى البيت الأبيض وسمح وصوله بارتفاع الشعبوية في الغرب وكان الرهان في فرنسا على كسر ذلك، وهذا ما حدث فعلًا، والسؤال الآن "ما هو المنتظر من الرئيس الشاب؟"

اقرأ/ي أيضًا:  كيف تؤثر "السوشيال ميديا" في الانتخابات الفرنسية؟

ينتظر الفرنسيون من ماكرون زيادة في كفالة الحريات، وتعزيز التعايش المنقطع النظير في المجتمع الفرنسي والذي تشوبه الكثير من الانتهاكات العرقية والدينية، التعامل بمساواة مع جميع الفرنسيين، وبكل تأكيد ينتظرون من ماكرون الإيفاء بوعوده ورغم أن ذلك مرتبط بنتائج الانتخابات التشريعية لكن في الحقيقة لا يتوقع أن يعرقل اليمين أو اليسار في فرنسا عمل الرئيس في حال حصد أحدهما على الأغلبية البرلمانية مع الضربة القاصمة التي تلقاها اليمين المتطرف، والتي كانت متوقعة حيث لم يكن هناك أي داع للمخاوف التي تجسدت في وصول لوبان للسلطة، كما كان واضحًا أنها الحلقة الأضعف بين الجميع وربما يمكن القول إن وصولها للجولة الثانية كان بحد ذاته مفاجأة.

في حال تحقق كل ما سبق سيكون من الجائز جداً مقارنة حركة "إلى الأمام" في فرنسا بحزب "العدالة والتنمية" في تركيا وهذا سوف يضع العالم بأكمله أمام تجربة جديدة في إدارة الدول، ولكن سيبقى وصول الشباب إلى السلطة هو الدافع الإيجابي الأبرز في هاتين التجربتين، ولاسيما أنه كان أحد أهم المحركات التي قامت من أجلها ثورات الربيع العربي في المنطقة. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

ماكرون الظاهرة.. وأفول الأحزاب التقليدية

ماكرون.. الدخيل الفرنسي الذي سوف يصبح رئيسًا