27-سبتمبر-2023
ماريو بارغاس يوسا ورواية سفاح براغ (الترا صوت)

ماريو بارغاس يوسا ورواية سفاح براغ (الترا صوت)

هذه ترجمة لمقال الكاتب والروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا في صحيفة "الباييس" (EL PAÍS) الإسبانية، حول رواية "سفاح براغ" للكاتب الفرنسي لوران بيني.

ويوسا، كما هو معروف، حائز على جائزة نوبل للآداب لعام 2010، ومن أعماله: "حفلة التيس"، و"حرب نهاية العالم"، و"حلم السلتي"، و"زمن عصيب"، و"امتداح الخالة".


لم أقرأ رواية فازت بجائزة "غونكور" منذ ما لا يقل عن ثلاثة عقود. في الستينيات، عندما كنت أعمل في الإذاعة والتلفزيون الفرنسي، كنت مجبرًا على قراءتها، إذ كان علينا تخصيص برنامج لها يُدعى "La littérature en débats"، حيث كنت وخورخي إدواردز وكارلوس سيمبرون وجان سوبيرفيل، نراجع أسبوعيًا الأحداث الأدبية الفرنسية. وإما أن ذاكرتي لم تسعفني، أو أن تلك الروايات كانت ضعيفة للغاية، حتى أنّني لا أتذكر أي واحدة من السبع التي علّقت عليها في تلك السنوات.

في المقابل، أنا على يقين من أنني سأتذكر بوضوح ولبقية حياتي رواية الغونكور التي قرأتها للتو، وتحمل عنوان "HHhH"، وهي الرواية الأولى للكاتب والأستاذ الفرنسي لوران بيني، البالغ من العمر 39 سنة. لن أقول إنه عمل روائي عظيم، لكنه كتاب رائع. وعنوانها الغامض هو اختصار لعبارة يُزعم أنها كانت تقال في ألمانيا النازية: ”Himmlers Hirn heisst Heydrich” (عقل هيملر يدعى هايدرتش).

جرّ مقتل هايدريش أعمالًا انتقامية لا يمكن وصفها، مثل إبادة جميع سكان بلدة ليديس عن بكرة أبيهم، وتعذيب وقتل مئات العائلات السلوفاكية والتشيكية

إنّ الاستعادة التاريخية لحياة وعصر رئيس الغستابو، راينهارد هايدريش، واستحداث وحدات "الإس إس"، وكذلك التخطيط لعملية الاغتيال التي نفذتها المقاومة التشيكوسلوفاكية وأنهت بها حياة "سفاح براغ" (الذي كان يُلقب أيضًا بـ"الوحش الأشقر")، كانت مثالية. ويظهر جليًا البحث المستفيض والدقة المتناهية التي تقف وراء هذا العمل، والتي تدفع الكاتب إلى تحذير القارئ في كل مرة يشعر فيها بالإغراء – ولا يمكنه مقاومة هذا الإغراء – لتضخيم أو تلوين بعض الحقائق، أو لملء بعض الفراغات بالأوهام، أو تغيير ظروف معينة لزيادة فعالية القصة.

وهذا هو الجانب الأكثر روائية في الكتاب، والتعليقات التي يتوقف فيها السرد ليروي كيف نشأ افتتانه بالشخصية، والحالات العاطفية التي عاشها على مر السنوات التي استغرقها العمل، والقصص الصغيرة التي عاشها أثناء البحث والكتابة. ويروي كل ذلك بأسلوب جذاب وأنيق، لكن في النهاية، هذه مجرد صفة ثانوية مقارنة بإعادة البناء الهائلة للأعمال الوحشية التي ارتكبها هايدريش، الذي كان فعلًا الذراع الأيمن لهيملر وأحد كبار القادة النازيين، والأكثر تقديرًا من هتلر نفسه.

ومع ذلك، فإن "السفاح" و"الوحش" وغيرها من الألقاب الوحشية ليست كافية لوصف القسوة المذهلة لذلك الشر الذي تجسّد في راينهارد هايدريش وهو يرتقي صفوف القوات النازية، إلى أن عيّنه هتلر حاميًا على المقاطعات التابعة لرايخ بوهيميا ومورافيا. كان رينهارد ابن موسيقار متوسط، وتلقّى تعليمًا جيدًا في مدرسة جيدة للبنين، لكنه كان يتعرض للتنمر من زملائه الذين كانوا ينعتونه باليهودي، وهو الاتهام الذي دمّر فيما بعد حياته المهنية في البحرية. ربما كان اندماجه المبكّر في قوات "الأس أس"، عندما كان هذا الكيان النخبوي النازي في طور التأسيس، هو الطريقة التي استخدمها لوضع حد لتلك الشكوك التي كانت تحيط بنقاوة عرقه الآري والتي كان من الممكن أن تدمّر مستقبله السياسي.

ويعود الفضل لموهبته التنظيمية وافتقاره المطلق إلى وازع الضمير، بأن أصبحت قوات الأمن الخاصة الآلية الأكثر فعالية لتنفيذ النظام النازي بين المجتمع الألماني بأسره، وقوات الصاعقة التي دمرّت التجارات اليهودية، وقتلت المنشقين والمنتقدين، وزرعت الرعب في النقابات المستقلة، أو القوى السياسية المتمردة. وبمجرد بدء الحرب، كان رأس الحربة الاستراتيجية لإخضاع الأجناس الدُنيا وإبادتها.

في "مؤتمر وانسي" الشهير، الذي عقد في 20 كانون الثاني/ يناير 1942، كان هايدريتش، بمساعدة أدولف آيخمان، هو الذي قدّم بالتفصيل مشروع الحل النهائي، الذي يقضي بالإبادة الجماعية لليهود – إبادة 11 مليون شخص – باستخدام تقنيات حديثة مثل غرف الغاز، بدلًا من الاستمرار في الإبادة بالرصاص وبواسطة مجموعات صغيرة، الأمر الذي أتعب وحدات القتل المتنقلة النازية جسديًا ونفسيًا.

يُقال إنه عندما شهد هيملر لأول مرة عمليات الإبادة الجماعية للرجال والنساء والأطفال، كانت الصدمة كبيرة لدرجة أنه فقد وعيه. لكن هايدريتش كان محصّنًا من مثل هذا الضعف، فقد حضر هذه العمليات بورقة وقلم في يده، وراح يدوّن ما يمكن تحسينه من حيث عدد الضحايا وسرعة القتل أو سحق الجثث. كان باردًا وأنيقًا، زوجًا وأبًا صالحًا، متعطشًا للتكريمات والثروات المادية. وبعد مرور بضعة أشهر فقط على توليه منصب الحامي، تفاخر بأنه نجح في تطهير تشيكوسلوفاكيا من المخربين والمقاومين، وشرع بالفعل في عملية "أرينة" التشيكيين والسلوفاك. كان هتلر سعيدًا جدًا به، وكثيرًا ما يدعوه إلى برلين لإجراء محادثات خاصة.

في هذه اللحظة بالذات، قررت الحكومة التشيكية في المنفى في لندن، برئاسة بينش، شن عملية "أنثروبويد"، لإغتيال سفاح براغ، بهدف رفع معنويات المقاومة الداخلية المنهارة، وليرى العالم أن تشيكوسلوفاكيا لم تستسلم بالكامل للمحتل. من بين جميع المتطوعين الذين تقدموا، اختير شابان متواضعان وبسيطان من الريف، السلوفاكي جوزيف غابتشيك والتشيكي جان كوبيتش.

تلقّى كلاهما تدريبًا في الريف الإنجليزي على يد القادة العسكريين في المنفى، وتم إنزالهما بالمظلة. وهناك، سيعيشان لعدة أشهر في مخابئ مؤقتة، بمساعدة مجموعات صغيرة من المقاومين، وسيعملان على جمع المعلومات اللازمة لشن هجوم ناجح، حيث يعرف كل من غابتشيك وكوبيتش أن فرصهما في البقاء على قيد الحياة ضئيلة جدًا.

تتميز الصفحات التي خصصها بيني لسرد الهجوم، وما حدث بعد ذلك من مطاردة مسعورة لمُنَفّذَيه من قبل جحافل تقتل وتعذّب وترحّل الآلاف من الأبرياء، بإتقان أدبي عظيم. فاللغة أنيقة وشفافة، تتجنب كل شراسة، وتبدو وكأنها تختفي خلف ما يُروى، مخلّفةً انطباعًا منومًا على القارئ، يجعله يشعر بأنه انتقل في المكان والزمان إلى موقع الأحداث المروية، وانزلق حرفيًا في الأعماق المتّقدة لهذين الشابين اللذان ينتظران وصول سيارة ضحيتهما المكشوفة، والأحداث غير المتوقعة التي تطرأ في اللحظة الأخيرة لتغيّر خططهما، المسدس الذي تعطّل، والقنبلة التي تفجر جزءًا فقط من السيارة، ومطاردة السائق. تتمتع جميع التفاصيل بقوة مقنعة تجعلها تترسخ بشكل لا يمحى في ذاكرة القارئ.

والغريب أن يظل كتاب لوران بيني، بعد هذه الفوهة، قادرًا على جعل قرائه يعيشون تجربة متشنجة جديدة، من خلال سرد ما حدث في الأيام التي تلت الهجوم الذي أنهى حياة هايدريش. ثمة شيء من التراجيديا اليونانية والإثارة البديعة في تلك الصفحات التي تتضاعف فيها مجموعة التشيكيين الوطنيين الذين يعملون لإخفاء المنفذين، مدركين تمامًا أنهم بفعلهم هذا يعرضون أنفسهم للموت الحتمي أيضًا، إلى غاية المشهد الأخير، حيث يشي يهوذا، المدعو كاريل تشوردا، بغابتشيك وكوبيتش وخمسة من زملائهم من أعضاء المقاومة، فيواجه هؤلاء 800 عنصر من قوات الأس أس، على مدار خمس ساعات في سرداب كنيسة، قبل أن ينتحروا لتجنب الوقوع في الأسر.

الاستعادة التاريخية لحياة راينهارد هايدريش "سفاح براغ" والتخطيط لعملية الاغتيال التي نفذتها المقاومة التشيكوسلوفاكية وأنهت بها حياته، كانت مثالية في الرواية

جرّ مقتل هايدريش أعمالًا انتقامية لا يمكن وصفها، مثل إبادة جميع سكان بلدة ليديس عن بكرة أبيهم، وتعذيب وقتل مئات العائلات السلوفاكية والتشيكية. ولكنها أظهرت للعالم أيضًا ما رفض كثيرون الاعتراف به حتى في عام 1942، وهو الطبيعة الحقيقية للنازية ووحشيتها وتعطّشها للدماء. وفي تشيكوسلوفاكيا ذاتها، وعلى الرغم من الرعب الذي شهدته الأسابيع والأشهر التي أعقبت عملية "أنثروبويد"، كان موت هايدريش سببًا في إبقاء الاعتقاد بأن الرايخ الثالث، ومع كل قوته، لم يكن جيشًا لا يقهر، حيًّا.

إنّ كتابًا جيّدًا مثل هذا الكتاب سيظل في وجدان القارئ، مثل دودة صغيرة تقلق راحتنا بتلك الأسئلة المزعجة: كيف كان ممكنًا لنجاسة بشرية مثل راينهارد هايدريتش أن تُوجد؟ كيف كان من الممكن وجود نظام يتيح لأفراد مثله أن يزدهروا فيه، ويصلوا إلى أعلى المناصب، ويصبحوا أسيادًا مطلقين على ملايين الناس؟ ما الذي ينبغي علينا فعله حتى لا يتكرر مثل هذا العار مرة أخرى؟