28-فبراير-2022

لوحة لـ مقبول فدا حسين/ الهند

ننشر هنا جزءًا من الفصل الأول من ترجمة كتاب البلغارية الأمريكية ماريا پوپوڤا "وحده الحالم يصحو"، الصادر مؤخرًا عن دار روايات.


هكذا أتصوَّر الأمر:

عالِمُ رياضيات نحيل في منتصف العمر، ذو عقل مُحلِّق، وقلب مخذول، وبَشَرَة تالفة، مطروحٌ على مقعد عربة خلفي في بَرْدِ ينايرَ ألمانيٍّ يخترق العظم. منذ صباه وهو ينقش في كتب العائلة وألبوم صور الأصدقاء شعارَه الشخصي الذي اقتبسه من قصيدة للشاعر القديم پِيرسيوس: "يا هموم الإنسان، كم يبدو كلُّ شيء عبثًا!" لقد احتمل مآسي شخصية تفوق كلَّ احتمال. إنه الآن يعدو على براح القرية المرمري الثلجي يحدوه أمل متزعزع في درء مأساة أخرى: بعد أربعة أيام على عيد الميلاد ويومين على يوم ميلاده الرابع والأربعين أبلغته رسالة من شقيقته بأنَّ أمَّهما الأرملة تواجه حُكمًا بالشعوذة؛ حقيقة يُحمِّل نفسه مسؤوليتها.

لقد كتب أوَّل عمل في الخيال العلمي في العالم؛ حكايةً رمزيَّةً ذكيَّةً سبقت النموذج الكوپرنيكي الجدلي للكون، تصف آثار الجاذبية قبل عقود على صياغة نيوتن إيَّاها في قانون، وتُصوِّر تركيب الكلام قبل الحواسيب بقرون، وتُبشِّر بالسفر في الفضاء قبل ثلاثمئة عام من الهبوط على سطح القمر. إنَّ القصة التي ابتغى بها مواجهة الخرافة بالعلم عبر الرمز والاستعارة استدعاءً للفكر الناقد، أفضت، عوضًا عن ذلك، إلى اتهام أمِّه العجوز الأمِّيَّة اتهامًا متطرِّفًا. 

العام عام 1617. اسمه يوهانس كِپلر، لعلَّه أشدُّ البشر نحسًا في العالم، لعلَّه أعظم عالِمٍ عاش على وجه الأرض. إنه يقطنُ عالَمًا الرَّبُّ فيه أقوى من الطبيعة، والشيطانُ حقيقيٌّ وكُلِّيُّ الوجود أكثر من الجاذبية. في كلِّ مكان حوله يعتقد الناس أنَّ الشمس تدور حول الأرض كلَّ أربع وعشرين ساعة، يضعها في حركة دائرية كاملة خالقٌ كُلِّيُّ القدرة، وأمَّا القلَّة التي تجرؤ على مساندة الفكرة القائلة بأنَّ الأرض تدور حول محورها في الحين الذي تدور فيه حول الشمس فتعتقد أنَّ الأرض تتحرَّك في مدار دائري كامل. سوف يدحض كِپلر كلا الاعتقادَيْن، ويصوغ كلمة "مدار"، ويستخرج المرمر الذي ستُنحَت منه الفيزياء الكلاسيكية. سيكون أوَّلَ عالِم فلكي يُطوِّر طريقة علمية تتنبَّأ بالخسوف والكسوف، وأوَّلَ من يربط علم الفلك الرياضي بالواقع المادي –أوَّل عالِم في الفيزياء الفلكية– عبر إثبات أنَّ القُوى المادية تُحرِّك الأجرام السماوية في شكل قُطوع ناقصة قابلة للحساب. سيُنجِزُ ذلك كلَّه وهو يرسم خارطة البُرُوج، مؤيِّدًا الخلق التلقائي لأنواع جديدة من الحيوانات تبزغ من البِرَك وتَنِزُّ من لحاء الشجر، ومؤمنًا بأنَّ الأرض نفسها جسدٌ نُفِخت فيه الرُّوح، له نظام هضم، ويعاني الأسقام، ويستنشق ويزفر مثل كائن حي. بعد ثلاثة قرون، ستُعيد عالمةُ الأحياء البحرية والكاتبةُ ريتشل كارسن تخيُّلَ نسخة من هذه الرؤية منسوجةً من العلم وعاريةً من المسحة الصوفية وهي تجعل من "علم البيئة" كلمتين مألوفتين.

حياةُ كِپلر شهادةٌ على ما يفعله العلم في الواقع مثلما تفعل في النفس تجربةُ پلوتارخ الفكرية المعروفة بـ"سفينة ثِيسيْس." في القصة الإغريقية الرمزية القديمة يبحر ثيسيْس –الملك الذي أسَّس أثينا– منتصرًا عائدًا إلى المدينة العظيمة بعد أن ذبح الوحش الأسطوري ماينوتور في كرِيت. ألفَ عامٍ، بقيت سفينته نُصُبًا تذكاريًّا حيًّا في ميناء أثينا، وكانت تبحر إلى كريت كلَّ عام لتعيد تمثيل الرحلة المنتصرة. وحينما أخذ الوقت يبلي السفينة، استُبدِلت أجزاؤها واحدًا تلو الآخر – ألواح جديدة، مجاذيف جديدة، أشرعة جديدة – إلى أن لم يتبقَّ منها جزء أصلي. پلوتارخ يسأل: هل كانت السفينةُ إذًا، السفينةَ نفسها؟ ليس ثمَّة من نفسٍ ساكنة راسخة. طَوال الحياة، تتطوَّر عاداتنا ومعتقداتنا وأفكارنا إلى أبعد من الإدراك. بيئاتنا المادية والاجتماعية تتغيَّر. تقريبًا يُستبدَل سائر خلايانا. ومع ذلك نبقى لأنفسنا "من" "نكون" "نحن".

لذا في العلوم: شيئًا فشيئًا، تعيد اكتشافاتُنا تشكيلَ فهمِنا للواقع. يُكشَف لنا هذا الواقع في أجزاء فحسب. كلَّما أدركنا وحلَّلنا مزيدًا من الأجزاء، أصبحت الفسيفساء التي نصنعها منها أكثر نبضًا بالحياة. بيْد أنها ما زالت فسيفساء، تمثيلًا ناقصًا وغير مكتمل، مهما كان جميلًا وخاضعًا لتبدُّل لا ينتهي. بعد كِپلر بثلاثة قرون، سيعتلي لورد كِلڤن المنصة في جمعية العلوم البريطانية في عام 1900 ويعلن: "لا شيء جديدًا ليُكتَشف في الفيزياء الآن. كلُّ ما يبقى المزيد والمزيد من القياس الدقيق." في اللحظة ذاتها في زيورِخ، يطوِّر الشَّابُّ ألبرت آينشتاين الأفكار التي ستلتقي في فكرته الثَّوريَّة المتعلقة بالزَّمكان، محوِّلًا على نحوٍ غير قابل للنقض فهمَنا الأساسي للواقع.

حتى أقدم العرَّافين لا يستطيع مدَّ بصره إلى أبعد من الممكن في أفق زمانه، إلا أنَّ الأفق يتحوَّل مع كل ثورة إضافية كلَّما خرج العقل البشري لينعم النظر في الطبيعة ثم عاد إلى الداخل مستنطقًا هباتها. إننا ننخَل العالم عبر مُنْخُل هذه اليقينيات، وتشدُّ الطبيعةُ والثقافةُ وثاقَنَا إليهما، ولكن بين حين وآخر –سواءٌ من قبيل المصادفة أو بجهدٍ واعٍ– يرتخي السلك وتتسلَّل بذرة الثورة.

كانت بداية افتتان كِپلر بنموذج مركزية الشمس عندما كان طالبًا في جامعة تُوبِنغَن اللوثرية بعد نصف قرن على نشر كوپرنيكوس نظريته. كِپلر ذو الاثنين والعشرين عامًا كتب وهو يدرس للانضمام إلى رجال الكهنوت بحثًا عن القمر يهدف إلى توضيح الزَّعم الكوپرنيكي بأنَّ الأرض تتحرَّك في آنٍ واحد حول محورها وحول الشمس. زميلُ صفٍّ يُدعى كرِستوف بِزولد –طالب قانون في الجامعة– أُخِذ كثيرًا بورقة كِپلر عن القمر واقترح مناقشة عامة. الجامعة نقضتها فورًا. بعد سنوات عدَّة، سيكتب غاليليو إلى كِپلر بأنه كان نفسه مؤمنًا بالنظام الكوپرنيكي "أعوامًا عديدة"، ومع ذلك لم يجرؤ على تأييده علنًا ولن يفعل طيلة أكثرَ من ثلاثين عامًا.

جعلت أفكارُ كِپلر الرَّاديكاليَّة منه غير أهل للثقة لمنبر الوعظ. إثر تخرُّجه نُفِي إلى الجانب الآخر من البلاد ليُدرِّس الرياضيات في معهد لوثري في غراز. غير أنَّه كان سعيدًا، فقد رأى نفسه، عقلًا وجسدًا، منصرفًا إلى البحث. سيكتب في ما بعد: "لقد أخذت عن أمي تكويني الجسدي الذي يلائم البحث أكثر من ضروب الحياة الأخرى." بعد ثلاثة قرون، سيلاحظ والت ويتمَن كم العقلُ مدينٌ للجسد: "إلى أيِّ حدٍّ تقف المَعِدَةُ خلف جمع من المواهب والأخلاق وتقدِّم شيئًا من صوتٍ راجح!".

بينما وجد كِپلر جسده أداة للبحث، كانت هناك أجساد أخرى حوله تُستغَلُّ كأدوات للخُرافة. في غراز شهد رَقْيَ نساء شَوَابَّ اعتُقِد أنهن مسكونات بالشياطين؛ مشاهد درامية متجهِّمة ينظِّمها الملك ورجاله من الكهنوت. رأى أبخرة فاتحة اللون تنبعث من بطن امرأة وخنافس سوداء لامعة تزحف خارجة من فم أخرى. رأى براعة لاعبي الدُّمى وهم يحرِّكون العامَّة ويمسرحون المعتقدات لانتزاع السُّلطة، فقد كانت الكنيسة آنئذ وسيلة الإعلام الجماهيرية، ولم تكن وسائل الإعلام الجماهيرية تتورَّع عن اللجوء إلى الدِّعاية، تمامًا كما هو شأنها اليوم.

مع تصاعد الاضطهاد الديني –سرعان ما سيفضي إلى اندلاع حرب الثلاثين عامًا، أشنع حرب دينية في تاريخ القارَّة– باتت الحياة في غراز غير صالحة للعيش. أُكرِه البروتستانتيون على الزواج بطريقة الطقوس الكاثوليكية وعلى تعميد أبنائهم ككاثوليكيين. دُوهِمت المنازل، وصُودِرت الكتب المهرطقة وأُتلِفت. حينما ماتت ابنة كِپلر الرضيعة غُرِّم بسبب تهرُّبه من رجال الدين الكاثوليك ولم يُسمَح له بدفن طفلته إلا بعد أن دفع الضريبة. كان وقت الهجرة قد حان، تجربة باهظة الثمن وشاقَّة للعائلة، بيْد أنَّ كِپلر كان يعلم أنَّ الثمن إذا بقي سيكون أبهظ:

إنني لا أعُدُّ ضياع الأملاك أخطر من ضياع فرصة تحقيق ذلك الذي قدَّرَتُه لي الطبيعةُ والمهنة.    

العودة إلى توبنغن للالتحاق بمهنة رجال الكهنوت كانت أمرًا مستحيلًا:    

لا يمكنني مطلقًا أن أعذِّب نفسي بقلق وجزع أشدَّ مما أنا عليه الآن، وضميري على هذه الحال، إن قُيِّدتُّ في ذلك المجال من النشاط.

بدلًا من ذلك، أعاد كِپلر النظر في أمر رآه في البدء مجرَّد إطراء متملِّق لسمعته العلمية المتنامية: دعوة لزيارة الفلكي الدنماركي تِيخو براهي في بوهيميا، الذي كان قد عُيِّن توًّا عالم رياضيات ملكيًّا للإمبراطور الروماني المقدَّس.

قام كِپلر برحلة الخمسمئة كيلومتر الشَّاقَّة إلى براغ. في الرابع من شباط/ فبراير عام 1600، رحَّب به الدنماركي الشهير ترحيبًا حارًّا في القلعة حيث كان يحصي المجرَّات، وشارباه البرتقاليان يكادان يتوهجان لُطفًا. وفي أثناء الشهرين اللذين قضاهما كِپلر هناك ضيفًا ومتدرِّبًا، أُعجِب تيخو أيَّما إعجاب ببراعة الفلكي الشاب النظرية حتى إنه سمح له بأن يحلِّل المشاهدات السماوية التي كان يحرسها بانتباه من جميع العلماء الآخرين، ثم عرض عليه عملًا دائمًا. وافق كِپلر شاكرًا وسافر عائدًا إلى غراز ليصطحب عائلته، وقد وصل إلى عالَم متراجع وحتى أكثر تمزُّقًا بالاضطهاد الديني. حينما رفضت عائلة كِپلر التَّحوُّل إلى الكاثوليكية نُفِيت من المدينة، ولم تعُد هجرتها إلى براغ اختيارية مع كل ما يستلزمه ذلك من حرمان. بعد أن استقر المقام بكِپلر وعائلته في حياتهم الجديدة في بوهيميا بوقتٍ قصير، انفتح المصراعُ مرَّة أخرى بين المصادفة والاختيار وطغى على الظروف تغيُّر مفاجئ آخر: تيخو فارق الحياة بغتةً في سنِّ الرابعة والخمسين. بعد ذلك بيومين، عُيِّن كِپلر خلفًا له بصفته عالم رياضيات ملكيًّا وقد ورث بيانات تيخو. في السنوات القادمة سيعتمدها كثيرًا في ابتكار قوانينه الثلاثة في حركة الكواكب التي ستُحدِث ثورة في الفهم البشري للكون.

كم ثورةً يُحدثها دولاب الثقافة قبل أن تنطلق حقيقة جديدة عن الواقع؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

المحاورة ما بعد الأخيرة بين آخيل وهكتور

عزيزي فنسنت.. ما زال للحياة تتمة!