"لن ألبس الميدعة".. آخر جولات المساواة بين الجنسين في تونس!

تلميذات تونسيات بالميدعة زهرية اللون (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 لا يقتصر الحديث عن المساواة بين الجنسين في تونس على مبادرة رئيس الجمهورية للمساواة في الميراث بين الجنسين التي تحدث عنها مؤخرًا، ولا على إعلان وزير العدل إلغاء مرسوم حول زواج التونسية المسلمة بغير المسلم، بل وقد بلغت أصداؤه المعاهد الثانوية التونسية حينما أعلنت تلميذات المعهد النموذجي ببنزرت رفض ارتداء الميدعة (تسمية اللباس المدرسي في تونس) ضمن حملة بعنوان "مانيش لابستها" (لن ألبسها). حيث يطالبن بفرض ارتدائها على الذكور والإناث دون تمييز أو التخلّي عنها نهائيًا، دون فرضها على الإناث فقط، وهو ذات المطلب الذي أطلقته تلميذات ناشطات على مواقع التواصل الاجتماعي لتطبيقه في مختلف معاهد البلاد.

أعلنت تلميذات أحد المعاهد التونسية رفض ارتداء اللباس المدرسي مطالبات بفرض ارتدائه على الذكور والإناث دون تمييز أو التخلي عنه

 

وسرت العادة في تونس على فرض ارتداء الميدعة على التلاميذ ذكورًا وإناثًا في المرحلة الابتدائية وجزئيًا في المرحلة الإعدادية في حين جرى العمل على فرضها على الإناث دون الذكور في المرحلة الثانوية. وسبق وأن وعدت وزارة التربية السنوات الماضية بفرض ارتداء الميدعة على الجميع دون تمييز، وهو ما لم يتحقق بداية السنة الدراسية الحالية، ليظلّ الجدل متواصلاً وسط انضمام جمعيات مدنية على غرار رابطة الدفاع عن اللائكية والحريات لحملة دفع الوزارة لإنهاء حالة التمييز بين الطلبة من الذكور والإناث.

 

وينضوي الجدل حول الميدعة في تونس على جوانب عديدة أولّها دور وزارة التربية التونسية ومنها الدّولة في توفير مستلزمات مناخ تربوي سليم، حيث لا توفر المدارس الهندام المدرسي لتلاميذها، كما لا تفرض تصميمًا موحّدًا عدا بعض المدارس والمعاهد النموذجية. حيث يوجد قبل الحديث عن المساواة بين الجنسين، حديث آخر حول المساواة في عمومها وذلك بغض النظر عن الوضعية الاجتماعية للتلاميذ. ويؤرق حديث "المساواة" هذا عديد أولياء الأمور حينما تصبح الميدعة الرثّة والأخرى الأنيقة معيارًا للتمييز بين التلاميذ. إضافة إلى أن عديد التلاميذ خاصة في المرحلة الابتدائية يبدؤون بتلمّس الفوارق الاجتماعية مع أصدقائهم، وهو ما قد يخلف أثرًا كامنًا في نفسيتهم.

تصبح الميدعة، الرثة أو الأنيقة، في أحيان كثيرة معيارًا للتمييز بين التلاميذ في المدارس التونسية وهو ما يثير أرق عديد الأولياء

أما بخصوص المساواة بين الجنسين، يتبادر السؤال، لماذا تفرض المعاهد الثانوية الميدعة على الإناث دون الذكور؟ لا يوجد تبرير رسمي لوزارة التربية، أما القيّمون في المعاهد الذين يراقبون احترام قواعد الدراسة، والذين يمنعون التلميذات من الالتحاق بأقسامهنّ، فغالبًا لا يقدّمون تبريرًا عدا تطبيق القواعد. غير أن التبرير الخفيّ هو فرض "الاحتشام" على التلميذات وتلافي استعراض المفاتن في ساحات المعاهد، وهو تبرير جدير بالاعتبار لدى قطاع واسع من المهتمّين بالشأن التّربوي انطلاقًا من لزوم الخضوع لنواميس الحرم الدراسي، غير أنه يظلّ قاصرًا على فرض ارتداء الزي المدرسي على الإناث دون الذكور.

اقرأ/ي أيضًا: هل صار المجال العام في مصر معاديًا للمحجبات؟!

فالدعوة للمساواة بين التلميذ والتلميذة في هذا الجانب ليست من باب الترف الحقوقي كما يعتقد البعض، بل هي من صميم معنى التربية بما تفرضه من تطبيق مظاهر المساواة التي تسعى المدرسة ذاتها في مناهجها لترسيخها للتلاميذ. فإن كان فرض الزي المدرسي يمثل استثناء مبرّرًا لحرية اللباس وهو أحد أهم الحريات الفردية، فإنه يجب تعميمه على جميع التلاميذ دون تمييز على أساس الجنس.

كما أن ذات المبرّرات التي تؤسس لفرض الميدعة للتلميذات، حسب البعض، تؤسس كذلك لإلزامها على التلاميذ خاصة وأن جزءًا كبيرًا منهم إما يرتدون ملابس غير ملائمة للوسط المدرسي، وإما يتنافسون فيما بينهم في استعراض آخر صيحات الموضة.

ويظلّ الدستور حاضنًا مؤسسًا دائمًا لمفهوم المساواة، فإن كان يفرض على الدولة تكافؤ الفرص بين المرأة والرجل في مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات، فإنه من باب أولى وأحرى على هذه الدولة أن تضمن المساواة في فرض الزي المدرسي دون تمييز بين التلميذ والتلميذة.

وبالنهاية، تظلّ المساواة مبدأ يجب تكريسه في كل المجالات والميادين والأوساط دون استثناء بما في ذلك داخل المدارس والمعاهد والتي هي حاضنة تربية الأجيال القادمة وتنشئتها على معاني المساواة وعدم التمييز.

تلاميذ المعهد النموذجي ببنزرت في احتجاج مطالبين بزي مدرسي موحد (فيسبوك: الصفحة الخاصة بالمعهد)

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

الصيف الجزائري.. بين دعوات تقييد اللباس والسباحة عراة

المغرب.. عندما يكون اللباس مبررًا للتحرش الجنسي