لماذا يحب الناس الأبطال الخارقين وأفلامهم؟ (2-2)

لماذا يحب الناس الأبطال الخارقين وأفلامهم؟ (2-2)

لقطة من فيلم Justice League

تحدثنا في الجزء الأول عن أسباب حبنا للأبطال الخارقين، وأن هذا امتداد طبيعي لتعلقنا بقصص الأميرات وأساطير الطفولة، وكيف أن التقنيات الحديثة المتوافرة حاليًا شجعت الكتاب والعاملين في صناعة مثل هذه القصص والأفلام على الإبداع والانطلاق بخيالهم لأقصى مدى، وما دعم هذا بكل تأكيد هو الأرباح والمشاهدات العالية والجماهيرية التي تحظى بها هذه القصص والأفلام.

وفي هذا الجزء نستكمل باقي الأسباب العشرة التي تجعلنا نحب ونتعلق بشخصيات نعرف جيدًا أنها لا تمس الواقع بصلة، مثل باتمان، وسبايدر مان، والرجل الأخضر، وغيرهم الكثيرين. 

العامل السادس: التجديد والمواكبة
مع مرور السنوات تختلف معطيات الأمور، تذهب أجيال وتأتي أجيال أخرى وبما أن قصص الأبطال الخارقين يصل عمر بعضها إلى أكثر من 75 عامًا فلا بد من تجديد القصص بشكل مستمر ومواكبة التغيرات والأحداث المعاصرة، لكي تستطيع تلك القصص أن تصمد أمام الأجيال المختلفة، خصوصًا أن كل جيل يرى الأمور بمنظور مختلف عن الجيل الذي يسبقه، وأيضًا عن الأجيال اللاحقة.

في فيلم The Batman vs. Dracula يواجه باتمان دراكولا مصاص الدماء الأشهر على الإطلاق، بعد أن قام بتحويل الجوكر إلى مصاص دماء

كمثال على هذا التجديد، نجد الشخصيات المحيطة بباتمان في المسلسل الشهير الذي بدأ في فترة الستينات يتصرفون بشكل قريب من حركة "الهيبيز" الاحتجاجية التي ظهرت في ذلك العصر ويمتد هذا الأمر إلى ملابسهم أيضًا، أما في التسعينات وما بعدها فقد اتخذت الشخصيات بعدًا أكثر ظلامية ليكون لائقًا بمنظور مختلف لجيل جديد يرى الشخصية ﻷول مرة، وحينما تولى كريستوفر نولان مهمة إخراج 3 أفلام عن باتمان حرص على إعطاء الشخصيات أبعادًا مرتبطة بالواقع السياسي المعاصر في العالم، حيث ينتشر التفاوت الطبقي بين الأغنياء والفقراء، مما يسبب مناخًا خصبًا للجريمة.

لم يكن نولان أول من جدد في قصص الأبطال الخارقين ليطرح أسئلة فلسفية، ولن يكون الأخير أيضًا، فزاك سنايدر الذي أخرج فيلمًا عن سوبرمان وتبعه بفيلم Batman V Superman جعل فيه سوبرمان يخوض صراعًا ضد باتمان طرح أسئلة عديدة حول مفهوم الخير والشر وهل يمكن للبشر أن يثقوا بمن يفوقهم قوة أم لا؟

وهل السلطة المطلقة مفسدة مطلقة أم يمكن وجود ضمانات تحول بين تحول البطل الخارق لطاغية معادٍ للبشرية؟ وهي أسئلة يراها البعض ملائمة للأجيال الجديدة وقد لا تعجب البعض بالتأكيد، ولكن كل هذه الاختلافات في طرح نفس الشخصيات هو شيء خليق بأن يقضي على أي إمكانية لإصابة المشاهدين بالملل حينما يشاهدون نفس الشخصيات الخيالية مجددًا ومجددًا دون أي اختلاف.

العامل السابع: العوالم الموازية
تقوم نظرية العوالم الموازية على افتراضية بسيطة للغاية، وهي أنك في هذا العالم تعاني من مشاكل معينة ولكن هناك عالم آخر موازٍ تمامًا لهذا العالم لا تعاني فيه من هذه المشاكل رغم تشابه كل شيء آخر! وهنالك عالم ثالث ورابع وخامس أيضًا أنت موجود بها جميعًا، وفي كل عالم من هذه العوالم أنت مختلف!

ففي العالم الأول أنت فقير معدم، وفي الثاني أنت أغنى أغنياء الأرض، وفي الثالث أنت طاغية شرير، وفي الرابع أنت تقود ثورة ضد الطغيان، وهكذا إلى مالا نهاية! هذه النظرية ليس لها إثبات بالطبع وهي مجرد خيال علمي ولكن هذا الخيال كان مادة خصبة للغاية للمؤلفين لكي يقوموا بخلق عوالم موازية متعددة تخرج منها آلاف القصص عن الأبطال الخارقين في هذه العوالم الموازية لتناسب الأذواق والأعمار المختلفة.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Spider-Man: Homecoming": بيتر باركر كما لم تره من قبل

ففي فيلم Justice League: Crisis on Two Earths تأتي نسخة طيبة من ليكس لوثر عدو سوبرمان اللدود إلى الأرض، لتطلب منه ومن باقي الأبطال الخارقين مساعدتهم ضد النسخ الشريرة منهم في عالم آخر موازِ وكوكب أرض آخر، حيث الأوضاع هناك معكوسة، فلوثر والجوكر أخيار بينما توجد نسخة شريرة من سوبرمان وباتمان وغيرهم.

وفي فيلم The Batman vs. Dracula يواجه باتمان دراكولا مصاص الدماء الأشهر على الإطلاق، الذي ينفذ مخططًا للسيطرة على المدينة بعد أن قام بتحويل الجوكر إلى مصاص دماء مثله. وفي فيلم The Dark Knight Returns نجد باتمان في عالم مواز مستقبلي بعد أن كبر في السن وتقاعد ولكن الظروف تدفعه للعودة.

وفي فيلم The LEGO Batman Movie نجد الصراع بين باتمان وأعدائه مخففًا بصورة كبيرة ليناسب المشاهدين من كل الأعمار، وهكذا قصص العوالم الموازية لا تنتهي والقصص المصورة مليئة بالكثير منها ممن لم يحول بعد إلى أفلام، كالقصة الشهيرة التي يتعرض فيها بروس واين نفسه للقتل بدل والديه فيتحول والده إلى باتمان بينما تصاب أمه بالجنون لتتحول إلى الجوكر، وهو عالم مواز يختلف تمامًا عن العالم الأصلي الذي تدور فيه الأحداث.

العامل الثامن - تنوع الأبطال
"الفن مرآة الشعوب" مقولة قديمة ثبت صحتها إلى حد كبير، فلا شك أن الناس تريد أن ترى شيئًا يمثلها على الشاشة وإلا لن تتعاطف مع الأبطال مطلقًا، وبالإضافة للصراعات البشرية والتضحيات العاطفية وثنائية الخير والشر وكل هذه الأحداث الدرامية، فإن عامل تنوع الأبطال يناسب الاختلافات بين البشر أحد أهم عوامل جذب المشاهدين من مختلف الثقافات والأعمار والخلفيات إلى قصص الأبطال الخارقين.

من يحب قصص الخيال العلمي سيعجب بشخصيات "المتحولون"، وX-Men، والرجل العنكبوت، ومن يحب الشخصيات الواقعية سيحب باتمان والسهم الأخضر، والرجل الحديدي، وبالطبع هؤلاء ليسوا متشابهين وكذلك المشاهدون.

من يحب الخيال العلمي سيعجب بشخصيات المتحولون، وX-Men، ومن يحب الشخصيات الواقعية سيحب باتمان والسهم الأخضر، والرجل  الحديدي

لم تجد من يشبهك بعد من الأبطال الخارقين؟ حسنا ما رأيك في ديدبول Deadpool، ذلك البطل الخارق الذي يختلف تمامًا عن الآخرين لكونه لا يهتم بإنقاذ العالم من الأصل ودائم السخرية من كل القيم الأخلاقية فهو خير ممثل للفلسفة العدمية وقيم ما بعد الحداثة، التي تميل للتشكيك في كل شيء والتي أصبحت سائدة في قناعات الكثيرين.

أما النساء فلهن نصيب كبير أيضًا فالحركات النسوية احتفت مؤخرًا بخروج أول فيلم عن المرأة العجيبة Wonder Woman إلى النور، احتفاءً لم يخلُ من اعتراضات حادة من بعض الأصوات حتى داخل الغرب، لكون الممثلة التي تقوم بالدور كانت مجندة بجيش الاحتلال الإسرائيلي وقت غزو لبنان، ولها تصريحات موثقة تؤيد قصف غزة مما جعل البعض يرى أن تجسيد هذه الممثلة لهذا الدور مخالف للقيم التي يفترض أن تمثلها شخصية المرأة العجيبة في نفوس معجبيها.

ليست هذه أول شخصية نسوية لبطلة خارقة ولن تكون الأخيرة فهناك باقي قاتلة مصاصي الدماء Buffy The Vampire Slayer التي ابتكرها جوس ويدن لأجل كسر الصورة النمطية في أفلام الرعب عن "الفتاة الشقراء البلهاء الضحية دائمًا"، وهناك شخصيات مساعدة لباتمان وسوبرمان مثل بات جيرل، وسوبر جيرل، وغيرهن الكثيرات أمثلة عن تنوع الأبطال الخارقين ليناسبوا فئات مختلفة من المشاهدين حتى يظلوا منجذبين إلى تلك القصص وتجسيداتها السينمائية دائمًا.

العامل التاسع: إعادة كتابة التاريخ
لا شك أن لهذا الأمر أبعادًا سياسية وثقافية، فمعظم القصص المصورة التي تناولت أبطالًا خارقين خرجت من الولايات المتحدة، وعمر تلك البلاد قصير مقارنة بأمم أخرى، فهي تفتقر بشكل واضح لتاريخ عريق فكان لا بد من تاريخ خيالي ليملأ هذا الفراغ.

وهكذا صار الأمر إذًن فتجد كابتن أمريكا والمرأة العجيبة يحاربان في الحرب العالمية! وتجد باتمان والرجل الحديدي والسهم الأخضر يقومون بدور الرأسمالي الطيب، الذي يسعى إلى مساعدة الأخرين بدلًا من تدمير باقي المجتمع لمصلحة تحقيقه المزيد من الأرباح.

اقرأ/ي أيضًا: 5 من أجمل أفلام توم هانكس عليك مشاهدتها

إذن هل إعادة كتابة التاريخ هذه مجرد دعاية للسياسات الأمريكية لإيهام الرأي العام العالمي الذي يشاهد هذه الأفلام بأن أمريكا تسعى لخير باقي البشر؟ -وهو عكس ما يحدث على أرض الواقع تمامًا!- أم هي محاولة اعتذار لباقي العالم عبر تخيل ما كان يجب أن يكون من خلال اللجوء إلى عالم الخيال بعد أن غرق الواقع في مستنقع من فساد تلك السياسات.

وكأن لسان حال صانعي تلك الأفلام يقول "كنا نتمنى أن يحدث هذا في الواقع ولكنه لم يحدث ﻷن الأمر يحتاج إلى خارقين ليتصفوا بهذه الدرجة من الخير". هذا سؤال ليس من السهل إجابته ولكن الأكيد أن الموضوع يتعلق بالرؤية الشخصية لصانعي الفيلم عن السياسات الأمريكية تجاه العالم.

العامل العاشر: الرمزية

كجزء من تنوع الشخصيات المقدمة في تلك الأعمال وكجزء من الواقعية وأحد أسباب تعاطف المشاهدين معها، فقد جعل مبتكري تلك الشخصيات كل منها يرمز إلى مشاعر عميقة في نفوس البشر، وهذا ينطبق على الشخصيات الخيرة والشريرة في نفس الوقت.

لو كان باتمان يرمز لتجاوز الإنسان أزمة نفسية كبرى مرت به، فالجوكر يرمز إلى العكس، كون ما مر به من أزمات قد دفعه لحافة الجنون

فإذا كان باتمان يرمز إلى تجاوز الإنسان لأزمة نفسية كبرى مرت به وتغلبه عليها، فإن الجوكر عدوه اللدود يرمز إلى العكس تمامًا كون ما مر به من أزمات قد دفعه لحافة الجنون -وهما خياران متلازمان عند البشر جميعًا إما الاستسلام للأزمات أو التغلب عليها- أما شخصية ذي الوجهين فهي رمز لما يمكن أن يحدث للإنسان المثالي حين يفقد السيطرة على أزماته -تمامًا مثل باتمان والجوكر- ولكن بشكل لا يجعله قادرًا على الانحياز لقرار حاسم في إحدى الجهتين، أما ليكس لوثر والبطريق فهما يرمزان إلى ما تفعله ثنائية السلطة والثروة المطلقتين بالإنسان حين يحوزهما -وهو أيضًا رمز نفسي لأحد أسباب صراعهما مع كل من سوبرمان وباتمان بالترتيب.

كل هذه الرمزيات تجعل من تركيبة الخير والشر أمرًا معقدًا داخل نفسية كل إنسان، وتجعل المشاهد يرى حتى الشخصيات الشريرة على إنها بشر لأن بداخلها نفس الأزمات التي قد يكون مر بها، ويرى المشاهد أيضًا عواقب الاختيارات المختلفة لكل هذه الشخصيات.

وفي النهاية، فهناك عوامل أخرى كثيرة لا حصر لها كرغبة الناس في تعلم بعض الدروس الأخلاقية من تلك القصص، ولكن بشكل غير مباشر أو بحبهم للنهايات السعيدة بانتصار الخير على الشر -وهو أمر لا يحدث دائمًا- كتعويض عن هزائمهم الشخصية، أو حتى العامة فيجدون متنفسًا لذلك في تلك الأفلام، أو رغبة منهم في عيش لحظات طفولتهم مرة أخرى حيث كانت الأمور بسيطة، وهي كلها عوامل تصب في مصلحة استمرار تلك الصناعة، صناعة أفلام ومسلسلات وقصص الأبطال الخارقين التي ستظل ناجحة إلى فترة لا يعلم أحد بعد متى ستنتهي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا نحتاج أن نشاهد فيلم براد بيت الجديد "War Machine"؟

فيلم Beauty and The Beast: وردة ديزني الحمراء