لماذا كرهت إسرائيل موسيقى ريتشارد فاغنر؟

لماذا كرهت إسرائيل موسيقى ريتشارد فاغنر؟

ريتشارد فاغنر (ويكيبيديا)

لم يكن فاغنر موسيقارًا فقط، وإنما كان أيضًا شاعرًا وكاتبًا، وكان يتحدث عن نفسه بصفة شاعر الموسيقى، بل وتدخل في مختلف المواضيع الاجتماعية والسياسية والفلسفية، وعكست مقطوعاته الموسيقية أفكاره عن الحياة والعالم والقدر والفلسفة. كان تلميذًا للفيلسوف آرثر شوبنهاور وصديقًا للفيلسوف فريدريك نيتشه. ولد الأوبرالي في مدينة لايبزيغ في ألمانيا عام 1813، وتوفي في البندقية عام 1883.

قد يكون فاغنر أهم نموذج شخصي وإيديولوجي لأدولف هتلر، لكن هل يمكن للمرء أن يجعله مسؤولًا عن استخدام هتلر موسيقاه؟

في القرن الثامن عشر، اتهمت أوبرا الشحاذين التي ألفها جون غاي بأنها مسؤولة عن زيادة السرقات في الطرق العامة، وذلك لأن قاطع الطريق ماكهيث تم تصويره في هذه الأوبرا باعتباره بطلًا. وهناك تاريخ طويل من الاتهامات الموجهة الى الأوبرات التي ألفها فاغنر، والتي وصمت بأنها ذات عواقب ضارة على المجتمع، وحتى عليه هو نفسه، إذ كان يتصف بالتعاظم بشكل كاد يصل به إلى مشارف المرض النفسي.

فاغنر وموسيقى الموت؟

كان يخشى أن يؤدي احتمال التعبير عن أفكاره ومشاعره من خلال أعماله الى تهديد حياة محبيه. فقد كتب خطابًا إلى حبيبته ماتيلده فيزنيدونك يقول فيه "إن شخصية تريستان هذا يتحول الى شيء مخيف، يا له من فصل ذلك الفصل الأخير! إنني أخشى أن تمنع هذه الأوبرا ما لم يتحول الأمر كله الى نوع من المحاكاة التهكمية من خلال الإنتاج الرديء. أشكال الأداء المتواضع هي فقط بإمكانها أن تنقذني. أما أشكال الأداء كاملة الجودة فمن المؤكذ أن تدفع الناس إلى الجنون. إنني لا أتخيل حدوث أي شيء آخر".

اقرأ/ي أيضًا: 3 أسباب جعلت ريتشارد فاغنر أقل شهرة من سواه.. منها إعجاب هتلر به

مات الممثل الذي قام بغناء دور تريستان في هذه الأوبرا بعد أول عرض لها بوقت قصير، وقد كان حينها يهذي بعبادته لفاغنر. واعتبر فاغنر أن عمله هذا مسؤولًا عن ذلك الموت. هناك نقد يوجه إلى موسيقاه باعتبارها تحمل الشر ولها آثار اجتماعية مدمرة. وكتب الناقد برايان ماجي، عام 1969، يقول: "موسيقى فاغنر تتحدث بفصاحة بالغة القوة عن رغبات الزنا بالمحارم، وعن النزعة الجنسية غير المقيدة، وعن الكراهية والحقد، وعن الجانب المظلم من الحياة".

لا بد وأن هذه الموسيقى لها جاذبيتها الخاصة عند الأفراد غير المتزنين، كذلك المصابين بحالات من جنون العظمة. نجد أن أدولف هتلر عشق هذه الموسيقى، ويرى البعض أن هذه الموسيقى قد وفرت الطاقة الدافعة للحركة النازية، وحتى اليوم ما زالت موسيقى فاغنر محرمة في إسرائيل.

موسيقى فاغنر تابو في إسرائيل؟

ليس هناك أي حظر رسمي في إسرائيل على موسيقى فاغنر، لكن معظم المحطات الإذاعية لديها سياسات ضد عزف ألحانه، خاصة تلك المفضلة عند أدولف هتلر. إحدى المحطات في إسرائيل تلقت شكاوى من المستمعين بعد عزف ألحانه مما اضطرها لإصدار اعتذار بعد ذلك. وقال متحدث باسم هيئة الاذاعة العامة الإسرائيلية في بيان "مثل هذا البث سيثير ألمًا بين الناجين من الهولوكوست في جمهورنا". وتضمن بيان المحطة "أخطأ المحرر الموسيقي في اختياره الفني للعب القطعة".

يرى معارضو موسيقى فاغنر في إسرائيل أن السماح بعرض ألحانه سيكون بمثابة نسيان ذاكرة المشاعر التي تمت كتابة الموسيقى بها. ففي كتابه "اليهودية في الموسيقى"، يتحدث فاغنر عن الطهارة العرقية ومعاداته للسامية ويذكر فيه أن اليهودي غير قادر على التعبير الفني، ويصف اليهود "بالضمير الشرير لحضارتنا الحديثة". وغالبًا ما كان هناك نقاش حول كتابات فاغنر وتأثيرها على الحركة الاشتراكية الوطنية وأفكار هتلر نفسه. كانت أوبرات فاغنر وكتاباته تدور حول العناصر الموضوعية التي لها علاقة بالقومية الألمانية وفضائل ومزايا الشعب الألماني.

منذ عدة عقود كان هناك حظر غير رسمي على العروض الحية لفاغنر في إسرائيل. ويعود تاريخ المحرمات إلى عام 1938، عندما طلب أحد أعضاء مجلس إدارة أوركسترا إسرائيل، من الموسيقار أرتورو توسكانيني إزالة ألحان فاغنر من برنامج الأوركسترا. لم يعتقد توسكانيني، وهو الملتزم بمناهضة الفاشية، أن فاغنر احتوى على أي شيء كرسالة جوهرية الى النازية، وإلا لما كان قد عزف موسيقى فاغنر في أمريكا خلال الحرب العالمية الثانية، لكن توسكانيني وافق في هذه الحالة.

حاول الموسيقيون بشكل دوري لعب فاغنر في إسرائيل، ففي حفل إسرائيلي في فيلهارمونيك في عام 1981، كان من المفروض عزف أوبرا تريستان لفاغنر، لكن أحد الحضور صعد الى المسرح وخلع كنزته وصرخ قائلًا: "اعزف فاغنر على جثتي". وفي حفل موسيقي في جامعة تل أبيب كان من المقرر عزف لحن من ألحان فاغنر وحدثت حملة إعلامية ضد هذا الحفل، فتم نقله الى فندق هيلتون.

هل من العدل اختزال فاغنر؟

قد يكون فاغنر أهم نموذج شخصي وإيديولوجي لأدولف هتلر، لكن هل يمكن للمرء أن يجعله مسؤولًا عن استخدام هتلر وإساءة استخدام موسيقاه وآرائه حول العالم؟ هناك موسييقيون إسرائيليون يؤدون أوبرات فاغنر ويجوبون فيها العالم ويقولون "بالرغم من كون آرائه مريعة، لكن ذلك لا يعني تجنب فنه وإهماله فموسيقاه عظيمة وخالدة. الموسيقى منذ لحظة إنتاجها تصبح ملكًا للبشرية".

يقول الكاتب أليكس روس: "إذا سألت الشخص العادي عن فاغنر، فسوف تسمع أنه فضولي، عصبي، وأي شيء يصدر عنه بمثابة ضوضاء عالية، وأنه كان الملحن المفضل لهتلر". ويضيف: "لا يمكن تلخيص الفنان الذي أطلق خيال بودلير، ومالارميه، وبروست، وجويس، ومان، وكاثير، وكاندينسكي، وإيزادورا دونكان، وآيزنشتاين، ونيتشه، إضافة الى مئات المبدعين. نعم، كانت لديه آراء متطرفة، لكنه كان أيضًا سيد اللحظات الإنسانية الداخلية". ويضيف أنه يجب الأخذ بالاعتبار عداء فاغنر للسامية في عصره وبيئته ككل حيث كان العداء لليهود في أشده.

يشير روكس الى أن هتلر أحب فاغنر في سن مبكرة، وألهمته أوبراته إلى الحلم بمستقبل سياسي. ويفترض أن جدالات فاغنر أثرت أيضًا على هتلر عندما شق طريقه كمحلل يميني، لكن لا يوجد أية إشارة صريحة في مجموعة كاملة من أقوال وكتابات وخطابات هتلر منقولة عن فاغنر فيما خص اليهود. وفي رأيه فإنه إذا كان فاغنر جزءًا لا يتجزأ من تشكيل معاداة السامية لهتلر، فإنه يجب الحصول على المزيد من الأدلة الحقيقية. ويذكر روكس أنه كما عزفت موسيقى الجنازة في سيغفريد لفاغنر في وفاة هتلر، فقد عزفت في وفاة فلاديمير لينين أيضًا.

عدم تقبل عزف موسيقى فاغنر في إسرائيل لا يعود لكونه معاديًا للسامية، بل بسبب استغلال النازية لموسيقاه وتوظيفها في حركتهم تاريخيًا

عدم تقبل عزف موسيقى فاغنر في إسرائيل لا يعود لكونه معاديًا للسامية، بل بسبب استغلال النازية لموسيقاه وتوظيفها في حركتهم تاريخيًا. ويشير روكس الى أن سياسة فاغنر تباعدت عن هتلر في كثير من الأحيان أكثر مما تقاربت.  فاغنر كان فوضويًا، معاديًا لمعظم مظاهر الدولة الحديثة. وقام بالوعظ ضد النزعة العسكرية وتنبأ بالخوف من حروب الإبادة الجماعية، ودعا لإصلاح اجتماعي والغاء امتيازات طبقة النبلاء والإقطاعيين. وأي تصنيف أيديولوجي لفاغنر، سواء في اليمين أو اليسار أو الوسط، يتضمن اقتباسًا انتقائيًا ونمطيًا. فتناقضات فاغنر لا تعد ولا تحصى. وهذا لا يعني أن هتلر لم يتغذ من موسيقى فاغنر، لكن ذلك ليس كافيًا لتحميل فاغنر مسؤولية الهولوكوست.

اقرأ/ي أيضًا: لحن فاغنر

كان هتلر واحدًا من شباب افتتنوا بفاغنر في مطلع القرن العشرين. كان بعضهم متطرفين معادين للسامية، وبعضهم الآخر هم الاشتراكيون والشيوعيون والديمقراطيون والنسويون، ورسل الحب الحر وداعمو حقوق المثليين المبكرون، والمتصوفون وجماعات أخرى لا يمكن عدها.

لا يجب أن نستمع الآن الى موسيقى فاغنر من خلال آذان أدولف هتلر، خاصة إذا علمنا أن هناك جمعية للموسيقى في إسرائيل تدعم موسيقاه وتسعى لكسر الحصار والمنع الاجتماعي المفروض على هذه الموسيقى، وأن الدعم المالي اليهودي لفاغنر في مشواره الفني كان من أثرياء اليهود، مع الإشارة الى أن ثيودور هرتزل مؤسس الصهيونية كان متأثرًا بموسيقى فاغنر أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا:

ضد الأنوار.. الأصول الفكرية للشرور النازية

"عن الحب والموت".. باتريك زوسكيند في مطبخ الشيطان