09-أغسطس-2023
غرافيتي لـ بانسكي

غرافيتي لـ بانسكي

كانت الأخبار السيئة، في ذلك اليوم، تسجل ذروة جديدة: علماء المناخ يقولون إن موجة الحر الشديدة التي تغمرنا ما هي إلا البداية وإن القادم أكثر فظاعة، لدرجة أن استمرار الحياة سيغدو موضع شك في بقاع كثيرة من العالم، ومنها منطقتنا بالطبع.

مسؤول أممي رفيع يصرح بأن خطر اندلاع حرب نووية لم يعد مستبعدًا، ما يعني أن نهاية العالم باتت وشيكة. والنار، في أكثر من بلد في الجوار، تزداد استعارًا وراحت تحرق المدن والقرى وتحول ملايين البشر إلى لاجئين في بلدان مترعة أصلًا باللاجئين.

والمصالحة بين قوى منطقتنا المتصارعة بدت مجرد هدنة قصيرة هشة، وأقرب إلى المزاح السمج. وفي بلادنا المنكوبة كانت الأسعار تعيش أوج هذيانها، والانهيار ينذر بما هو أسوأ، وتأوهات الجوعى تصم الآذان.

كنا نحس بأننا نخترع لأنفسنا عالمًا موازيًا منفصلًا تمامًا عن الواقع المحيط بنا، أو أننا مجرد أطفال يتلهون بألعابهم فيما العالم يحترق من حولهم 

 

وفي ذلك اليوم بالضبط، جلسنا ـ خمسة من النساء والرجال ـ في مكتب بلا كهرباء ولا مياه صالحة للشرب، وخلف فناجين قهوة مصنوعة من شيء ما لا يمت إلى البن بصلة، وعلب سجائر ليس فيها أثر للتبغ.. والهدف هو التحضير للعدد الأول من مجلة ثقافية فنية، كان قد اقترحها مجنون ووافق عليها حمقى.

كنا مرتبكين وخجلين من أنفسنا ونحن نستعرض العناوين المقترحة: "التعالق الأجناسي".. علاقة السينما بالرواية، الحداثة وما بعد الحداثة، انحسار النقد الأدبي التطبيقي، اتجاهات الدراما التلفزيونية السورية، أثر صناعة الدراما على البيئة، حوار مع ممثل نجم (كان قد أتقن في أكثر من عمل دور البلطجي)، أفضل خمس إطلالات لنجمات الدراما العربية.

كنا نحس بأننا نخترع لأنفسنا عالمًا موازيًا منفصلًا تمامًا عن الواقع المحيط بنا، أو أننا مجرد أطفال يتلهون بألعابهم فيما العالم يحترق من حولهم.

اقترح أحدنا مخرجًا: "هل تذكرون الفرقة الطريفة التي ظلت تعزف الموسيقى حتى اللحظة الأخيرة على ظهر السفينة، فيما التيتانيك تغرق والناس يلاقون حتفهم الواحد بعد الآخر؟"، وعندما بدا أننا لم نفهم المغزى ولم نهتد إلى مكمن العزاء في هذا المثال، أضاف: "يا له من مشهد ملحمي، ويا له من دور بطولي أن تظل تفعل ما تحب حتى اللحظة الأخيرة من حياتك، بل ومن حياة الكون برمته"، ولما رأى أن مزاجنا لا يتيح لنا أن نكون ملحميين وأبطالًا، ادعى ببساطة أنه كان يمزح.

آخر انطلق في مرافعة لاهثة عن أهمية الثقافة، الأدب والفن، في حياة الشعوب.. "إنها خزان الإنسانية الذي لا ينضب، وحصنها الأخير، ولقد شهد التاريخ الكثير من المحن والمآسي، وقيل أكثر من مرة إن العالم ينتهي، وقد انتهت تلك المآسي والمحن، وبقي الأدب والفن، وسيبقيان إلى الأبد". ولقد اكتشف المتحدث أن عقولنا المنهكة المبلبلة لم تكن تؤهلنا لأخذ عبر من التاريخ، فغير مجرى كلامه وراح يلعن هذه القهوة الرديئة وهذه السجائر التي بطعم الروث.

ثالث امتلك حسًا أكثر واقعية، فاقترح أن "نجعل مجلتنا مرآة للواقع، واقعنا، أن نربط بين موضوعاتنا وبين هموم الناس وهواجسهم، أن نبرز ماذا يستطيع الأدب والفن أن يقولا في ظل مزاج النهايات هذا".

ادعينا جميعًا حماسًا لهذا الاقتراح، وكان كل واحد فينا يعرف أن الآخرين يعرفون بأنه يعرف بأن هذا العزاء أكثر هشاشة من أن يصمد حتى نصل بيوتنا.

ومع ذلك أصدرنا العدد بعد أيام. فقد تواطأنا ضمنًا، ودون كلمة واحدة، على أن يكون لدينا مجلة ثم نبحث لها عن تبرير فيما بعد.