24-سبتمبر-2023
لتحقيق الغاية بأقل كلف مالية، عمدت الشركة إلى استغلال قدرات بشرية في دولٍ فقيرة عدة لمعاجلة وتصفية البيانات

تواجه شركات الذكاء الاصطناعي تهمًا باستغلال العمالة التقنية الرخيصة في دول نامية (Getty)

كل يوم يردنا خبر جديد مرتبط بتقنيات الذكاء الاصطناعي وتوظيفاته في شتّى المجالات والقطاعات والذي تقف خلفه كبرى الشركات العالمية. الإنجازات العلمية والقدرات التي تمنحها تطبيقات الذكاء الاصطناعي والنتائج المبهرة ذات صلة اعتقدناها سابقاً مجرّد نوع من أنواع أفلام الخيال أو Science Fiction لم نتوقعها يوماً في عالمنا الواقعي. وفي الحقيقة ما نغفل عنه أنه يقف وراء كل هذا الإنجاز والتطور العلمي والتكنولوجي ملايين العمّال الفقراء الذين يتم استغلالهم ويتقاضون أجوراً زهيدة ومُجحفة.

لتحقيق الغاية بأقل كلف مالية، عمدت الشركة إلى استغلال قدرات بشرية في دولٍ فقيرة عدة لمعاجلة وتصفية البيانات

خلال الأشهر الماضية ازدادت شعبية ChatGPT، وأعجب الملايين من الأشخاص بمهارات الكتابة المُتقدمة التي يتمتع بها التطبيق كما تم توظيف الأخير ضمن مُختلف المجالات، بدءًا من كتابة المقالات الإخبارية وحتى الأغاني وغيرها من إنتاج المحتوى.

أخفق الروبوت في عدّة مجالات ولم يكن دائما بليغاً. غالباً ما أنتج سابقه GPT-3، نصوصًا متحيزة جنسيًا وعنيفة وعنصرية، لأن النموذج تم تدريبه على مجموعة بيانات تم استخلاصها من مليارات صفحات الإنترنت. لتطوير نسخة أدق وأحدث وخالية من الشوائب احتاجت OpenAI إلى طريقة لتصفية كل اللغات السامة من مجموعة البيانات الخاصة بها بسرعة. تصبح النماذج الرياضية التي تقوم عليها أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً من خلال تحليل مجموعات البيانات الكبيرة، والتي يجب أن تكون دقيقة ومقروءة حتى تكون مفيدة. البيانات منخفضة الجودة تنتج ذكاءً اصطناعيًا منخفض الجودة. لذلك، وبنقرة تلو الأخرى، يقوم جيش غير مُنظّم إلى حد كبير من البشر بتحويل البيانات الأولية إلى مواد خام للذكاء الاصطناعي.

لتحقيق الغاية بأقل كلف مالية، عمدت الشركة إلى استغلال قدرات بشرية في دولٍ فقيرة عدة لمعاجلة وتصفية البيانات، إذ أفاد تحقيق أجرته مجلة تايم أنّ شركة OpenAI المالكة لـ ChatGPT، دفعت للعمال الكينيين أقل من دولارين في الساعة لتصفية عشرات الآلاف من الأسطر النصية للمساعدة في جعل برنامج الدردشة الآلي الخاص بها أكثر أمانًا للاستخدام.

لتحقيق الغاية بأقل كلف مالية، عمدت الشركة إلى استغلال قدرات بشرية في دولٍ فقيرة عدة لمعاجلة وتصفية البيانات

وحول استفادة الشركات التكنولوجية الكبرى والعملاقة وبشكل مكثف من العمالة الرخيصة في البلدان النامية أمام التقدم الكبير جدا في الذكاء الاصطناعي والمجال التكنولوجي عموماً تشير د. نور نعيم وهي أكاديمية وباحثة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، لألترا صوت أنه "في العديد من الدول النامية تستخدم شركات التكنولوجيا العملاقة العمال بأجور منخفضة دون أي مراعاة حتى لتبعات هذا الجهد البشري الذي يبذله هؤلاء العمال على أجسادهم وعلى بنيتهم الجسدية حيث يعاني هؤلاء العمال في الأساس في تلك المناطق من ظروف معيشية صعبة وأجور غير كافية ما يجعلهم ضحية سريعة لاستغلال مربح للشركات" وتوضح نعيم أن "تطور الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا واستخدامه في تقليل سميّة البيانات يزيد من الضغط على العمال ويتسبب لهم بمشاكل نفسية وجسدية إذ يتم استغلال هؤلاء لساعات طويلة من العمل المكثف والتعرض المباشر لكمية بيانات ضخمة تحتوي على كمية ضخمة من المواد الإباحية، السمّية، العنصرية، الإرهاب التحيّز وغيرها ما أدى بهؤلاء بحسب التحقيقات التي سمعنا به، في بعض الأحيان إلى محاولة التفكير بالانتحار أو انهاء حياتهم أو حتى مشاكل نفسية انعكست على حياتهم الأسرية خصوصاً العاملين في تنقية تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي".

وبحسب تحقيق مجلة التايم يتم تكليف العمال بتصنيف وتصفية البيانات السامة من مجموعة بيانات التدريب الخاصة بـ ChatGPT. وأجبروا على قراءة التفاصيل الرسومية للمحتوى غير الملائم والصادم (يوصف أحيانًا بأنه المحتوى غير الملائم لمكان العمل، أو NSFW) مثل الاعتداء الجنسي على الأطفال، والبهيمية، والقتل، والانتحار، والتعذيب، وإيذاء النفس، وسفاح القربى، حسبما ذكرت مجلة تايم، دون أي مراعاة من قبل الشركات المُشغّلة للمحتوى الذي يتم تفريغه وآثاره وانعكاساته النفسية والمعنوية عليهم.

مع تصاعد حاجة شركات الذكاء الاصطناعي للقدرات البشرية اتسعت دائرة انتشار استغلال الفقراء ضمن العديد من دول العالم النامي من كينيا إلى الفيليبين وغيرهما. في نهاية شهر أغسطس/آب الماضي نشرت صحيفة The Washington Post الأمريكية تقريراً عن قضية مماثلة لما حدث في كينيا. ففي مقاهي الإنترنت القذرة، أو المساحات المكتبية المزدحمة، أو في المنزل، يقومون بتعليق كميات كبيرة من البيانات التي تحتاجها الشركات الأمريكية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. يفرق العمال بين المشاة وأشجار النخيل في مقاطع الفيديو المستخدمة لتطوير خوارزميات القيادة الآلية؛ ويقومون بتسمية الصور حتى يتمكن الذكاء الاصطناعي من إنشاء تمثيلات للسياسيين والمشاهير؛ يقومون بتحرير أجزاء من النص للتأكد من أن نماذج اللغة مثل ChatGPT لا تنتج هراء بحسب تقرير الأخيرة. يقوم أكثر من مليوني شخص في الفلبين بهذا النوع من "العمل الجماعي"، وفقًا لتقديرات حكومية غير رسمية.

ويذكر التقرير أن ما لا يقل عن 10 آلاف من هؤلاء العمال يؤدّون هذا العمل على منصة تدعى Remotasks، تملكها شركة ناشئة قيمتها 7 مليارات دولار في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا Scale AI والتي تدفع للموظفين أجوراً منخفضة للغاية، وفي أحيانٍ كثيرة تؤجّل المدفوعات أو توقفها بصفةٍ دوريةٍ، ولا توفر إلا القليل من القنوات المتاحة أمام العمال للاستنجاد والشكوى وطلب المساعدة، وذلك وفقاً للمقابلات التي أُجريت مع العمال واستنادا للرسائل الداخلية للشركة وسجلات المدفوعات والقوائم المالية ذات الصلة.

وتقول نعيم حول علاقة استغلال العمالة وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط أو في الدول النامية تحديداً "إننا نتحدث عن صرخة صامتة تستحق الانتباه". وتتابع " تواجه هذه المناطق المشكلة بشكل أوضح بكثير من غيرها، مثلا هناك تقرير جديد خرج عن الفلبين حيث يتم استغلال المساجين الذين يقبعون داخل أروقة السجون للعمل على تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي بمقابل مادي زهيد يصل إلى واحد ونصف يورو بالساعة. يتم الاستفادة من حاجة هؤلاء سواء كانت مادية أو حتى حاجتهم لتطوير قدراتهم وإمكانياتهم لمواءمة ما هو خارج السجن، بتدريب وتنقية عمل جبار جدا يعني هذا العمل الذي يقومون به إذا تحدثنا عن فئات أخرى من البشر فهم سيتقاضون أضعاف مضاعفة تصل إلى مئة بالمئة أو مئتين بالمئة مما يحصل عليه هؤلاء في الدول النامية أو الفقيرة أو أصحاب الفئات الهشة أو من هم داخل السجون. بنفس هذا المشهد نجد في آسيا، أفريقيا أوغندا والهند حتى كينيا هناك العديد من الوقائع التي تم تثبيتها لاستغلال العمالة وتأثير التكنولوجيا الحديثة عليهم حيث تعاني هذه الدول من غياب قوانين رادعة لحماية العمال وهناك تجاهل كبير لحقوقهم وبالتالي كانوا صيد ثمين لكبرى شركات التكنولوجيا للعمل على استغلالهم وتمكين الشركات بالكوادر الرخيصة دون أي مراعاة لأي أبعاد نفسية أو جسدية عليهم".

يُنظر غالباً إلى الذكاء الاصطناعي على أنّه تعلّم آلي خالٍ من الإنسان، وفي حقيقة المشهد فإن هذه التكنولوجيا تعتمد على جهود كثيفة تبذلها القوى العاملة المنتشرة في معظم أنحاء الجنوب العالمي وغالبًا ما تكون عرضة للاستغلال

وتلفت نعيم إلى نقطة أساسية "من يدعي أن هذه المسألة قابلة للاندثار كون الذكاء الاصطناعي سيتقدم وبالتالي الحاجة للعنصر البشري ستقل فهو كمن يضحك على نفسه. بالعكس هذه الخدعة التي يتم تداولها على ألسنة المدراء وأصحاب الشركات تخفي في الحقيقة القضية المؤلمة التي نسلط الضوء عليها اليوم فكلما تقدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي كلما زاد الجيش الذي يعمل في الخفاء على تنقية وتدريب وتقليل سميّة بيانات أنظمة الذكاء الاصطناعي العملاقة ولعل شات جي بي تي وعمال كينيا الذين يتقاضون دولارين أكبر دليل على ذلك".

يُنظر غالباً إلى الذكاء الاصطناعي على أنّه تعلّم آلي خالٍ من الإنسان، وفي حقيقة المشهد فإن هذه التكنولوجيا تعتمد على جهود كثيفة تبذلها القوى العاملة المنتشرة في معظم أنحاء الجنوب العالمي وغالبًا ما تكون عرضة للاستغلال.