كوميديا السينما المصرية.. نظرة على أجيال من الضحك

كوميديا السينما المصرية.. نظرة على أجيال من الضحك

الممثل الكوميدي حسن فايق صاحب واحدة من اكثر الضحكات تميزًا

من الصعب تلخيص مسألة الضحك، أو حتى محاولة الإمساك بسرّه، والأصعب من ذلك الوقوف على تفكيك يتيح فهم ميكانيزم الأفلام الكوميدية. لذلك، لابد من بعض التنظير والاستنتاج النظري قبل الدخول إلى أرض السينما ومضحكيها.

الضحك ظاهرة إنسانية مستقلة لا صلة لها بباقي صور النشاط الإنساني، كما يرى الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون في كتابه المهم "الضحك"، والضحك هو الخاصية التي تميز الإنسان عن باقي الكائنات، كما يقول فرنسي آخر هو فرانسو رابليه.

سمير غانم لايزال قادر على إسالة الضحك في أي لحظة، بعكس عادل إمام الذي تحوّل إلى ماكينة كوميديا عاطلة

لذا فإن مفردات ذلك الفعل المميز تتفاوت من إنسان إلى آخر، حسب قوة الضحك ومساحته وعمقه وتأثيره على النفس، ولكن يبقى أن الإنسان مخلوق ضاحك بطبعه، ليس فقط في أنه يقوم بفعل الضحك، بل لأنه هو نفسه يصير موضوعًا للضحك.

والضحك ينشأ في أناس مجتمعين (من هنا جاءت أهمية السينما والمسرح في هذا الصدد)، يتجهون بانتباههم إلى واحد منهم، بعد أن أخرسوا عاطفتهم وتركوا العمل للعقل وحده (من هنا أيضًا تأتي أهمية إتقان تشكيل وتوليد عملية الضحك).

والضحك أيضًا مرتبط بالمزاج والمزاح، يتطلب طرفين، مازح وآخر ضحية المزاح، والضحية هذا لابد أن يمتلك أدوات غير متكاملة تستدعي من الطرف الأول تناوله بالسخرية والمزاح، أو يتناول البيئة المضحكة التي تواجد فيها (من هنا تجيء أهمية تداعيات المواقف والمحاكاة لما نرتكبه في حياتنا من اخطاء أو حماقات تثير الاستنكار الجالب للسخرية والتنكيت).

اقرأ/ي أيضًا: 10 أفلام كوميدية مصرية ارتبطت مشاهدتها بالأعياد والإجازات

والفكاهة يراها الجميع رسالة اجتماعية، مقصود منها إنتاج الضحك أو الابتسام، خاصة إذا جاءت من أزمات المواقف، ولا تُفرض قسرًا على السياق، وهي خاصية متعلقة بحدث أو نشاط أو موقف أو تعبير يستحضر الحسّ المضحك، لذلك تتطلّب خيالًا واسعًا ونشطًا من المرء المتفكِّه، وهذا الشخص، بالضرورة، لابد له من تملك الحس الفكاهي أو الدعابي ليكون قادرًا على إنتاج الفكاهة أو البهجة، وهو ما يتوافر في الكاتب الكوميدي والممثل الكوميدي ورسام الكاريكاتير. بالطبع ليس بالضرورة أن يكون هؤلاء أكثر الناس استمتاعًا بالضحك، فأحيانًا ما يتحوّل الأمر عندهم إلى "عمل يهدف لإسعاد الآخرين".

وبعيدًا عن النظريات الفلسفية والاجتماعية والنفسية الكثيرة الزاخر بها تراثنا العربي والإنساني حول الجوانب المتعلقة بالفكاهة والضحك، نصل مباشرة إلى العوامل الثلاثة الأساسية التي تولِّد الفكاهة، وهي: الشخص، والعملية، ثم الناتج.

الضحك يتطلب طرفين، مازح وآخر ضحية المزاح، والضحية لابد أن يمتلك أدوات غير متكاملة تستدعي من الطرف الأول تناوله بالسخرية والمزاح

وفي سياق حديثنا هذا الذي يخص الفن السينمائي بالأساس، والذي بدوره يعتمد على "نجومية" صانع الضحك؛ نجد أنفسنا طوعًا أو كرهًا أمام تجربة "الشخص" الذي يؤدي بدوره للعملية الفنية، ومن ثم للناتج أو المحصلة النهائية التي نراها على الشاشة. لذلك يقال إن الممثل الكوميدي ليس كالآخرين، ولكنه أيضًا كالآخرين تمامًا، مثلما يقول الناقد الفرنسي أندريه فيلييه في كتابه "الممثل الكوميدي".

وهذه هي مشكلة السينما المصرية الحقيقية منذ عرفت طريق الأفلام الكوميدية من بداية صناعتها في عشرينيات القرن الماضي وحتى الآن. مع الاعتبار أن الأفلام الكوميدية بالذات كانت نسبتها قليلة في الإنتاج السنوي العام، قد يصل إلى عشرة أو خمسة عشر في المائة، بينما تصل النسبة حاليًا إلى سبعين وثمانين في المائة، مما يعني أن نسبة أبطال هذه الأفلام زادت بمقدار حوالي الستين ضعفًا عما عرفته السينما في مصر منذ نشأتها وحتى نهاية السبعينيات أو نهاية القرن العشرين.

أجيال المضحكين
مرة أخرى يثور السؤال: هل الكوميديا اختلفت على شاشة السينما المصرية من الماضي إلى الحاضر؟ وإلى أي مدى كان هذا الاختلاف؟ وهل هو سلبي أم إيجابي؟ هي أسئلة كثيرة ومتشعبة، وقد تحتاج إلى دراسات مطولة يتضمنها دفتا كتاب أو أكثر.

ولكن ما يهمنا هنا هو هذا التفاوت في أجيال المضحكين على مرّ تاريخ أقدم سينمات المنطقة العربية، والذين مرّوا بعدة مراحل مهمة بدأت بـ علي الكسار ونجيب الريحاني وشرفنطح، ثم إسماعيل ياسين وعبد السلام النابلسي ومجموعتهم المميزة أمثال ستيفان روستي وعبد المنعم إبراهيم وعبد الفتاح القصري ورياض القصبجي وغيرهم (سنعود إليهم في مقال منفصل).

ثم جيل فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي ومجموعة "ساعة لقلبك"، وحتى جيل عادل إمام وسعيد صالح وأحمد راتب، ثم جيل محمد هنيدي وعلاء ولي الدين وأحمد آدم وهاني رمزي، والجيل التالي محمد سعد وأحمد حلمي ورفاقهما، وصولًا إلى جيل أحمد مكي والثلاثي شيكو وأحمد فهمي وهشام ماجد.

ودون مواربة أو محاولة لإنصاف أحد على حساب آخر، لابد من الإشارة إلى أن كل جيل فانتازي أو هزلي أو راق اهتم بطبيعة المواطن المصري البسيط، والذي كان من ذكاء كل الأجيال التوجه إليه في الأساس، لأنه يشكّل الغالبية العظمى من شعب مصر الضاحك بطبعه، ومن ثم هو أساس المادة الكوميدية، بفضل قفشاته وتعليقاته على أحداث يومه العادية والمختلفة فيه، وارتجاليته الفائقة في السخرية، حتى من نفسه.

من هنا أدرك "الصنّاع" من الوهلة الأولى خطورة المسألة، وهم يتوجهون بصناعتهم لإحداث الشعور بالبهجة والسعادة، فصالوا وجالوا معتمدين على مواهبهم الفطرية، أو ما يسمى علميًا بـ"ميكانيزمات الضحك" المتولدة فيهم، والمتأثرة بالمجتمع الذي نشأوا فيه، وعاشوا مثلًا التفاوت الطبقي الصارخ وحكم الاحتلال وحكم الملكية، فضلًا عن الليبرالية الخافتة التي اختبرها المجتمع قبل انقلاب "الضباط الأحرار" في 1952.

لذا جاءت الفكاهة عندهم بمنزلة الفعل التصحيحي التصويبي للعيوب الاجتماعية، وبالتالي لم يعرف هذا الجيل الفكاهة اللفظية أو الخشونة إلا فيما يراه إحالة أو مرجعية مرتبطة بالوقائع والأحداث (مثال على ذلك "قلشات" إسماعيل ياسين في بعض أفلامه قبل أن يسود "القلش" حوارات المصريين اليومية في أيامنا الحالية).

ثم جاء جيل ما بعد "الثورة"، وبرز فيه فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي ومحمد عوض وبقية مجموعة "ساعة لقلبك"، وقدّموا ميكانيزمًا آخر، الطريف فيه اعتماده على صلب عملية الـ "كوميديا ديلارتي" أيضًا، مثل التكرار والقلب (أو عكس الأدوار) وتداخل السلاسل وحلقات الأحداث، وقد تأثروا في ذلك بمسرح الفودفيل الفرنسي على نحو خاص، ونجحوا فيما تتطلبته المرحلة التي عاصروها.

ثم جاء عصر الانفتاح الاقتصادي قبل منتصف التسعينيات ليفرض ميكانيزمًا آخر يحمل تعليقًا ونقدًا اجتماعيًا لما ساد المجتمع من تسليع كل شيء، برز فيه عادل إمام وحده الذي توافر فيه شكل شعبي أقرب إلى منظومة "الأراجوز" في الساحة الشعبية.

وهنا لابد من توضيح أهمية هذا التمثيل الناقد للأوضاع حتى لا يساء فهم الكلمة، فالأراجوز الذي عرفه اليونانيون القدماء من قبل الميلاد وظلّ حتى القرن العشرين، ويؤلف له كبار الكتاب والموسيقيين عمالًا مهمة، كان هو المحرك العقلي للشعوب من خلال القالب الفكاهي الشعبي، باستخدام تكنيك له محتوى خاص، يبدو في ظاهره أنه يهرّج، ويضمر في رسائله المواجهة بالنقد الشرس وبالسخرية والهجاء من أجل الدفاع عن القيم الأساسية للمجتمع، بالحركات تارة وبخطوط الحوار اللاذع تارة أخرى، وهو اتجاه برز فيه شارلي شابلن بحركاته الآلية إبان السينما الصامتة ومصَّرَه عادل إمام في شكل البطل الشعبي الذي يرتدي الجينز ويدخن السجائر الرخيصة ويمارس الفهلوة ويتصرف بصبيانية ومغامرة الروح الحرة بلا أية قيود حتى ولو كانت سلطوية.

إلى جانب الظل العالي لعادل إمام، توارت أسماء أحمد راتب وسعيد صالح وسمير غانم، وهذا الأخير هو الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة، ولا يزال إلى الآن يفعل ما يجيد فعله دائمًا في تحقيق "دخول مفاجئ" قادر على إسالة الضحك في أي لحظة، بعكس عادل إمام الذي تحوّل إلى ماكينة كوميديا عاطلة لا تسعفها الضحكات المصطنعة ولا السيناريوهات الجاهزة.

فودفيل قديم
وجاء محمد هنيدي وجيله لينقل الميكانيزم في الاتجاه اللفظي، الذي تتطلبه مرحلة "التنفيس" والصراخ التي سادت المجتمع على مشارف هوامش الحرية التي افتقدها النااس لعقود مختلفة، وتوارى الاهتمام بالموقف والحدث، وعادت مدرسة الفودفيل القديمة تطلّ من جديد ولكن بسلوب عصري يلائم الأوضاع الجديدة.

والتحم معهم محمد سعد في نفس الميكانيزم، حتى لو زاد عليهم بكوميديا العاهات والتشوهات، إلا أنها شكّلت حالة نشاط صاخب، ساعده جسده المرن على فعلها للمزيد من تدفق الضحك، وإن حمل بعض الخشونة والإزعاج. ويتوقف أحمد حلمي في منطقة خاصة، يحوّل فيها الفكاهة والضحك إلى منزلة الامتداد الأخلاقي والنفسي، والجمع بين ثنائية الغريزة والعقل، بالاعتماد على المحاكاة التهكمية أكثر من الاعتماد على النكتة والحركة الضاحكة. والتهكم هو بمنزلة الإخفاء للنكتة أو المزاح خلف الجدية، لذلك يكثر الارتباك أو التشوش للبطل في مواجهة الآخرين، الذين يتظاهر أمامهم بأنه يشاركهم بينما هو يخالفهم وهكذا.

إلى أين؟
غير أن الأمور تغيّرت كثيرًا في العقد الأخير، مع ظهور نوع مختلف من الكوميديا القائمة على توليفة من المفارقات الفانتازية وسذاجة الحبكة بطريقة تذكرنا ببدايات السينما، لكن بتتبيل الخلطة بنكهة جنسية فاقعة كافية كي يرفع العمل الفني الشعار السحري "للكبار فقط".

يقف أحمد حلمي في منطقة خاصة، حيث الفكاهة امتداد أخلاقي ونفسي، وذلك بالاعتماد  على المحاكاة التهكمية أكثر من الاعتماد على النكتة

ربما هو العيش في فترة مضطربة من التاريخ المصري، وتأثيراته في كسر قيود وعبور حواجز رقابية ومجتمعية ترسّبت عبر عقود من الكبت، الرمزي والمادي، هو ما جعل الكوميديا تتجه إلى ذلك المنحى اللاذع بفجاجة والمبطن كذلك بنقد مجاني وعشوائي للأخلاق السائدة لـ "الشعب المصري المتدين بطبعه".

لكن ربما يكون السبب الأساسي في ذلك التحوّل الكبير الذي شهدته الكوميديا المصرية بشكل عام، هو ما أصبح يمارسه الصنّاع من رقابة ذاتية تحاول تجنب أي موضوعات يمكن لها إثارة قلق أو ضيق السلطة الحاكمة.

اقرأ/ي أيضًا: أكثر من 6 أفلام بين الكوميدي والأكشن تتنافس في عيد الأضحى

فالمتابع للنشاط الكوميدي سينمائيًا (وتلفزيونيًا أيضًا) سيعثر على أعمال انتقدت بشكل بالغ وساخر للغاية أساطير الدولة الأمنية وقصص المخابرات الملحمية التي شبّت عليها أجيال، لكن مع تلاشي الأمل تدريجيًا في إحراز أي تقدم على الصعيد السياسي ورأب الصدع المجتمعي، معطوفًا على القبضة الأمنية المشددة والمتربصة بأي صوت مخالف، كانت النتيجة تفرّغ كتاب الكوميديا للتقليب في الدفاتر القديمة والعودة بحكايات الخناقات بين الرجال والنساء وسخافات التنميط والسخرية الحالفة بكمية معتبرة من العنصرية وإزدراء الآخر.

ويظل الاستنساخ عن الغير أو التلفيق هو أزمة الكوميديا في مصر، ينجو صنّاعها بوضع الكوميديا في إطار فكرة واضحة وموضوع له معنى، لكن استسهال اللجوء إلى الأصل الأجنبي لا يزال عيبًا كاشفًا ومؤشرًا على حالة فقر إبداعي لا تتوافق مع الحسّ الفكاهي الذي يُعرَّف المصريون على أساسه.

في انتظار النساء
أخيرًا، لا نستطيع إغفال الحضور النسائي غير البعيد عن صناعة وتوليد الضحك، مثلما برز في صناعة السينما نفسها. فقد حظيت السينما المصرية بالعديد من الفنانات اللائي تميزن بخفة الظل وأدائهن الكوميدي، عشقهن الجمهور واحترم فنهن وصار لهن بصمة مميزة داخل الأفلام، بصرف النظر عن عدم تصدّر أسمهائهن أفيش البطولة، مثل زينات صدقي وماري منيب وسعاد مكاوي وفردوس محمد، رغم البكائيات و"الصعبانيات" التي شهدتها أدوارهن.

كل جيل من الكوميديانات المصريين كان من الذكاء أن يهتم بالمواطن المصري البسيط، لأنه يشكل الغالبية العظمى من شعب مصر الضاحك بطبعه

حتى أن بعض الجمل التي كن ينطقن بها لاتزال تتردد على ألسنة الناس. وتوالت الأجيال نسائيًا بظهور إسعاد يونس وهالة فاخر وسعاد نصر في فترة "أفلام المقاولات"، ثم مجموعة الكوميديانات اللائي لم يستطعن تثبيت أسمائهن في هذا المجال، مثل نشوى مصطفى وياسمين عبد العزيز ومي عز الدين وبشرى وغيرهن.

ليبقى الانتظار معلقًا لسنوات، حتى ظهور دنيا سمير غانم التي وجدت نفسها في منطقة الكوميديا بديلًا عن مشاريع أخرى في الغناء، ثم سطوع نجم شقيقتها الصغرى، إيمي، ليصبحا بمثابة نور خافت وسط ظلام واسع، بفضل حسهما الفكاهي وتنوع أداءاتهم وتحصّلهم على مقومات تعبيرية في مجالي الغناء والرقص.

ويظل الأمل معقودًا على الشقيقتين في إذكاء وهج كوميديا نسائية تستكمل رصيدًا مميزًا من الشخصيات، حتى لا يكون الأمر حكرًا على الرجال وحدهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "The Boss Baby".. بين رأسمالية الشركات وترابط العائلات

أفضل 10 أفلام كوميدية في تاريخ السينما وفقًا لاستبيان هيئة الإذاعة البريطانية