قراءة في نتائج انتخابات المجلس الأعلى للقضاء بتونس

قراءة في نتائج انتخابات المجلس الأعلى للقضاء بتونس

بلغت نسبة المشاركة في أول انتخابات للمجلس الأعلى للقضاء 46.9% (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

شهدت تونس يوم الأحد الفارط 23 تشرين الأول/أكتوبر 2016 حدثًا فارقًا في تاريخ القضاء التونسي عبر تنظيم أول انتخابات ديمقراطية تحت إشراف لجنة مستقلة لانتخاب أعضاء المجلس الأعلى للقضاء. وهذا المجلس هو المؤسسة الدستورية الضامنة لحسن سير القضاء واستقلالية السلطة القضائية، ويضم 3 هياكل هي القضاء العدلي، والإداري والمالي. ويتكوّن إجمالًا من 45 عضوًا منهم 30 عضوًا من صنف القضاة فيما ينتمي بقية الأعضاء للمهن القانونية ذات العلاقة. ويقع انتخاب 33 عضوًا من نظرائهم فيما يقع تعيين 12 عضوًا وهم من صنف القضاة بصفتهم.

في انتخابات المجلس الأعلى للقضاء بتونس، كانت المشاركة كثيفة للقضاة مقابل انخفاضها في صفوف المحامين الذين يمثلون الكتلة الأكبر

نسبة المشاركة متفاوتة قطاعيًا ودون المأمول إجمالًا

بلغت نسبة المشاركة في أول انتخابات للمجلس الأعلى للقضاء 46.9% حيث صوّت 6275 ناخبًا من إجمالي 13376 مسجّلين بالقوائم الانتخابية. وتُعتبر النسبة المسجلة دون المأمول، ذلك أن خصوصية الناخبين وهم من أصحاب المهن القانونية، تفترض وعيًا بأهمية المشاركة في هذه الانتخابات، خاصة وأنها الأولى لإرساء المجلس الأعلى للقضاء. كما حرصت هيئة الانتخابات على التواصل مع قوائم الناخبين عبر الخدمات الهاتفية، وأرست مراكز اقتراع بكل مركز محكمة استئناف.

ولكن متابعة نسب المشاركة حسب القطاعات يكشف كثافة كبيرة لمشاركة القضاة مقابل انخفاض في مشاركة المحامين، الذين يمثلون الكتلة الانتخابية الأكبر في قائمة الناخبين. وعليه وإن كانت نسبة المشاركة العامة دون المأمول، فهي مرتفعة لدى القضاة، وهم أكثر الممثلين في المجلس. فقد بلغت نسبة مشاركة القضاة الماليين في رتبة مستشار مساعد أكثر من 94%، وقرابة 90% بالنسبة للقضاة الإداريين في رتبة مستشار مساعد، وأكثر من 77% للقضاة العدليين في الرتبة الأولى والثانية.

اقرأ/ي أيضًا: في تونس.. رئيس الجمهورية يعطل أحكام القضاء!

لماذا كانت نسبة مشاركة المحامين منخفضة بنسبة 37.1 في المائة فقط؟

يمكن تفسير هذه النسبة بعدة أسباب لعلّ أولّها أن الانتخابات جرت في جو مشحون داخل المحاماة فقبل يومين فقط من يوم الاقتراع، عرفت المحاماة إضرابًا عامًا حقق نسبة نجاح 100% وذلك بسبب مشروع قانون المالية لسنة 2017 وما تضمنه من إجراءات تتعلق بملف الجباية رفضتها هيئة المحامين. من جانب آخر، المرشحون عن المحاماة هم من المرسمين في التعقيب وبالتالي ربما استنكف عدد هام من بقية المحامين غير المدرجين بهذا الصنف عن التصويت. كما أنه لم تشهد الحملات الانتخابية زخمًا كبيرًا خاصة في ظلّ المناخ المشحون داخل القطاع.

كما اختار جزء من المحامين خيّار المقاطعة بسبب النسبة التمثيلية لهم في المجلس، الذي يضم في تركيبته 8 محامين من أصل 45 عضوًا، كما قد لا يرى فريق آخر موجبًا في المشاركة في انتخابات هذا المجلس باعتبار أن هيئة المحامين تظلّ بالنسبة إليهم هي الضمانة الأساسية لحماية مصالح المحامين في كل الحالات. كما ساهم وجود مراكز اقتراع بولايات محاكم الاستئناف فقط في انخفاض نسبة المشاركة، خاصة في ولايات الوسط والجنوب أين قد يبعد المركز الانتخابي مئات الكيلومترات عن مقرّ إقامة المحامي.

قاطع جزء من المحامين انتخابات المجلس الأعلى للقضاء في تونس بسبب ما اعتبروه نسبة تمثيلية ضعيفة في المجلس

الترشحات بين الإسهال والعزوف

لا يمكن دراسة نتائج انتخابات المجلس الأعلى للقضاء على عمومها دون ضرورة تجزئتها حسب القطاعات. ولا تتأكد هذه الضرورة وفق ما بيّنته نسب المشاركة فقط بل تنسحب على الترشحات، حيث شهدت أكثر الترشحات في صنف القضاة، فبينما ترشح 16 قاضيًا من الرتبة الأولى لمقعدين في المجلس العدلي، ترشح 26 قاضيًا من الرتبة الثانية و27 قاضيًا من الرتبة الثالثة لمقعدين في كل رتبة في نفس المجلس. وتحصل 5 مرشحين على أقل من 6 أصوات في الرتبة الثانية من إجمالي 496 صوتًا، وتحصل 10 مرشحين على أقل من 10 أصوات في الرتبة الثالثة من إجمالي 541 صوتًا وهو ما يكشف عن تعدد الترشيحات الصورية التي لا حظوظ لها في أكثر رتبتين خبرة في القضاء، مقابل قلة هذه النوعية من الترشحات في الرتبة الأولى وهم رتبة القضاة الشبان، حيث يوجد مرشح وحيد فاز بأقل من 10 أصوات.

ويمثل صنف الأساتذة الباحثين أقل الأصناف ترشحًا، حيث تقدم مرشحان فقط لمقعد مدرس باحث في القطاع الخاص للمجلس العدلي وكذلك لمقعد مدرس باحث في القطاع العام للمجلس الإداري، وتقدمت مرشحة وحيدة لمقعد مدرس باحث في القانون العام برتبة أستاذ مساعد أو مساعد. وفي مجلس القضاء المالي، لم يتقدم أي مرشح للمقعد المخصص لأستاذ في المالية أو الجباية بمعنى أن المجلس الأعلى للقضاء سيلتئم في أولى جلساته بـ44 عضوًا بدل 45 عضوًا على أن يقع تنظيم انتخابات خاصة بهذا المقعد في موعد لاحق.

وعلى خلاف ذلك، يتبين عدم ترشيد الترشحات في صنف الخبراء المحاسبين، حيث من إجمالي 19 مرشحًا للمقعدين في المجلس المالي، تحصل 4 مرشحين على أقل من 10 أصوات، وتحصل 3 مرشحين على صوت وحيد يُرجح أنه صوتهم فقط، بل لم يتحصل أحد المرشحين على أي صوت أي أن المرشح لم ينتخب أو أنه انتخب أحد منافسيه.

اقرأ/ي أيضًا: راضية النصراوي.. حينما ينتصر السياسي على الحقوقي

التناصف بين الجنسين وحرية الانتخاب

حرصًا على تحقيق التناصف بين الرجل والمرأة في المجلس، استُلزم على كل ناخب سيصوّت لمرشحين أو أكثر أن يصوّت بالتناصف حسب الجنس، فيما يظلّ الناخب الذي سيصوّت لمرشح وحيد حرًّا في تصويته. وبما أن غالبية الناخبين وهم القضاة والمحامين والخبراء المحاسبين، يصوّتون لأكثر من مرشح، فكان لزامًا عليهم التصويت بالتناصف، وهو ما لقي رفضًا من قطاعات واسعة لأنه يخلّ بمبدأ حرية الانتخاب من جهة، ويقلل من معيار الكفاءة في الانتخاب. وقد أتى نظام التناصف بأكله بل ربما تجاوز المتوقع، حيث فازت 18 امرأة مقابل 14 رجلًا من إجمالي 32 مقعدًا رغم أن نسبة النساء المترشحات لم تتجاوز ثلث إجمالي الترشحات لكل الأصناف الممثلة في المجلس.

ففي نتائج قطاع المحامين في المجلس الإداري، تحصلت محاميتان على المرتبة الأولى والثانية من إجمالي 3 مقاعد مخصصة لهذا القطاع. وتكرّرت نفس الملاحظة في المجلس العدلي الذي تكشف نتائج قطاع المحاماة فيه على تصويت مكثف للنساء بما يتجاوز مسألة الحرص على التناصف. فقد تحصلت المحامية الفائزة بالمرتبة الأولى على أكثر من 1200 صوتًا، وحازت المحامية التي تليها في الترتيب على أكثر من 900 صوتًا، فيما تحصل المحامي الذي حاز على المقعد الثالث والأخير على أقل من 600 صوتًا أي أقل من نصف أصوات الفائزة بالمرتبة الأولى. وما يؤكد على هامشية فاعلية عنصر الجنس في التصويت المكثف للمحاميات النساء، هو أن نسبة تصويت النساء في قطاع المحاماة عمومًا هي أقل من 32%.

ولعلّه من المهمّ في هذا الإطار الإشارة لارتفاع نسبة النساء في المهن القانونية في تونس إجمالًا حيث تشير إحصاءات أن النساء يمثلن ثلثي عدد القضاة. وعلى سبيل الإشارة، تتصدّر النساء الهياكل القطاعية للقضاء، فرئيسة جمعية القضاة هي روضة القرافي، وأول رئيسة لنقابة القضاة التي أنشأت بعد الثورة هي روضة العبيدي.

في انتخابات المجلس الأعلى للقضاء، صوت القضاة الشبان لمرشحي جمعية القضاة المعروفة بتاريخها النضالي

من انتخب القضاة؟

حينما فشلت القاضية كلثوم كنو، رئيسة المكتب الشرعي لجمعية القضاة زمن بن علي، من الحصول على مقعد في المجلس العدلي عن قضاة الرتبة الثالثة، فاز القاضي خالد بن عباس، المحسوب على نظام بن علي حينما قاد الحركة الانقلابية على الجمعية سنة 2005، وذلك عن نفس المرتبة، فكان السؤال حول اتجاه أصوات القضاة في أولى انتخابات للمجلس الأعلى للقضاء؟

أصدر المرصد التونسي لاستقلال القضاء الذي يترأسه القاضي أحمد الرحموني، أحد القيادات التاريخية لجمعية القضاة، بيانًا، بعد إعلان النتائج الأولية، تحدث فيه عن فوز قضاة مدعومين من أطراف سياسية، مع حديث عن عودة الأساليب القديمة في التأثير على إرادة الناخبين خصوصًا من جهات قضائية مسؤولة، حسب نص البيان. وأشار المرصد تحديدًا لما أسماه اختراقًا للمجلس من القاضي خالد بن عباس دون ذكره باسمه. واعتبرت كلثوم كنو، وهي كذلك أول امرأة تترشح للانتخابات الرئاسية سنة 2014، أنه تم إقصائها بدوافع سياسية وأشارت أنها تحصلت على عدد كبير جدًا من الأصوات داخل الجهات عدا العاصمة وتحديدًا محكمة التعقيب وهي المحكمة العليا في البلاد.

لكن يصعب القول إن القضاة قد انتخبوا نظرائهم من غير المناضلين والمدافعين عن استقلالية القضاء زمن بن علي، فجمعية القضاة، التي تتصدّر الهياكل المهنية القضائية، أكدت فوز نصف مرشحيها رغم استيائها من النتائج خاصة بعد هزيمة رئيستها السابقة كلثوم كنو. غير أن هذه الهزيمة وعلى رمزيتها بالنظر لماضي الطرف الفائز والآخر المهزوم، وخصوصيتها حيث إن الناخبين هم من الرتبة الثالثة أي نخبة القضاة وأقدمهم، فإنها قد تشير لاختلاف اتجاه التصويت حسب الأجيال، على الأقل بالنسبة للقضاء العدلي. فبينما صوت القضاة الشبان لمرشحي الجمعية المعروفة بتاريخها النضالي، صوت القضاة الأكبر سنًا لمرشحين لم يُعرف لهم مسيرة نضالية زمن الاستبداد بل تورّط أحد الفائزيْن في ضرب استقلالية القضاء. وهو ما يذكّر باتجاهات التصويت حسب السن في الانتخابات العامة إجمالًا.

لكن يصعب فهم تصويت نخبة القضاة بالاكتفاء بهذا العنصر، بل يحتاج أن يشمل بالضرورة تقييمًا لأداء الجمعية بعد الثورة وهي التي تهيمن على الهيئة الوقتية للقضاء العدلي منذ الثورة. ليكون الحديث عن تصويت عقابي وتحديدًا في الرتبة الثالثة في القضاء العدلي، حيث يُعاب على الجمعية أنها انحرفت عن مسارها بعد الثورة خاصة حينما رفضت عقد المؤتمر الانتخابي سنة 2011 وهو ما أدى لانشقاق مجموعة أسست لاحقًا نقابة القضاة. كما توجد قناعة بأن الجمعية استغلت الهيئة الوقتية للقضاء العدلي لتعزيز مواقع منتسبيها عبر صلاحيات الهيئة بخصوص المسار المهني للقضاة.

حسب ما نشره القاضي حمادي الرحماني، وهو نائب رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء، فإن مرشحي الجمعية في القضاء العدلي لم يتحصلوا إلا على 450 صوتًا من إجمالي 1560 قاضيًا ناخبًا ومن جملة 2168 قاض عدلي في القوائم الانتخابية. ويتحدث أحمد صواب، وهو قاضٍ إداري وعضو في المجلس الأعلى للقضاء بصفته كأقدم رؤساء الدوائر التعقيبية، عما أسماه تصويتًا عقابيًا ضد القيادات "الثورجية" لجمعية القضاة والمقصود قياداتها التاريخية. وأكد في تصريحات إعلامية أن 8 من بين 18 قاضيًا منتخبًا ينتمون إلى ثلاث نقابات متمثلة في اتحاد القضاة الإداريين واتحاد القضاة الماليين ونقابة القضاة العدليين.

تبين نتائج الانتخابات أن القضاة المنتخبين ينتمون لمختلف النقابات الناشطة في الأقضية الثلاثة وقد فازوا بنسب متقاربة، وهو ما يؤشر لتمثيلية مختلف الهياكل القضائية الناشطة في المجلس عدا المرصد التونسي لاستقلال القضاء الذي قاطع الانتخابات لرفضه القانون المنظم للمجلس واعتباره أنه غير دستوري، وإن كان المرصد لا يُعتبر هيكلًا مهنيًا نقابيًا بقدر ما هو جمعية تعمل على ضمان استقلال القضاء وتدعيمه. والسؤال، هل سينحصر مستقبلًا دور النقابات القطاعية القضائية مع إرساء المجلس الأعلى للقضاء؟. لا يُرجّح ذلك خاصة في ظلّ تقارب التمثيليات فيما بينها داخل المجلس الأعلى للقضاء، وبالتالي ضرورة مواصلة لعب دورها كهياكل ضغط من خارجه.

اقرأ/ي أيضًا:

تونس..محاميان أمام القضاء العسكري في ذكرى الثورة!

في تونس.. محامون مع "وقف الترسيم"!