في سوق السبايا.. الناجون يكتبون الحكايات

في سوق السبايا.. الناجون يكتبون الحكايات

لوحة لـ لقمان أحمد/ العراق

واحدة من مهام الكتابة المتعددة في الأزمات والمتغيرات هي التوثيق، ويمكن تشبيه هذا التوثيق بمهمة الحفاظ على التجارب الإنسانية الاستثنائية طازجة، فتصبح العودة إليها كالمحاكمة المتكررة التي لا تنصف الضحايا بالضرورة، لكنها تضيء وتتوهج ضد النسيان.

في كتابها "في سوق السبايا"، تعيد ميخائيل رسم جغرافيا جبل سنجار الذي صار أقل قسوة من البشر

على الرغم من أن الألم لا يُحكى بل يعاش، قررت الكاتبة والشاعرة العراقية دنيا ميخائيل أن تدّون حكايات مجموعة من الإيزيديات اللواتي اختطفنّ من عائلتهنّ بعد دخول داعش إلى مناطقهنّ شمال غرب العراق وجنوب كردستان، ليجدنّ بنات الطبيعة أنفسهنّ سبايا وجاريات في بيوت المجاهدين.

اقرأ/ي أيضًا: دنيا ميخائيل تدخل "في سوق السبايا"

في كتابها "في سوق السبايا" (المتوسط، 2017) تعيد دنيا ميخائيل رسم جغرافيا جبل سنجار الذي صار أقل قسوة من البشر، وتشّكل عبر راو آخر يملي عليها الحكايات تفاصيل جديدة أشد قسوة وسّمت حياة أهل تلك الأرض بعد الكارثة، فتقف محملّة بالحكايات عند نقطة اللاعودة حيث الحياة لا تعود كما كانت في السابق.

راو كليّ المعرفة يقودنا إلى النجاة

عبدالله هو الاسم الذي لن ينسى قارئ الكتاب فضله. رجل إيزيدي اختطفت أخته من قبل الدواعش، فراح يبحث عنها محاولًا إنقاذها، وبمحاولته هذه ينقذ فتيات أخريات من القبضة السوداء عبر خططه السريعة.

عبدالله هو العقل المدبر في الكتاب والراوي الحقيقي للحكايات، تجده دائمًا مزودًا بخطة نجاة لا تفشل، فإذا تمكّن من الوصول إلى الفتاة المخطوفة والاتفاق معها على موعد ومكان في المدينة التي سيقت إليها عنوةً. وتأخذ خطته شكلًا واحدًا يذكرنا بحكاية الساحرة التي تطرق باب بياض الثلج وتهديها التفاحة المسمومة. لكنه غيّر تاريخ الشر واستبدله بنوع آخر من السحر، إذ لا يتهاون بالاتفاق مع إحدى النساء في منطقة يوجد فيها مختطفات، ليعقد معها صفقة تكلفه كثيرًا، يطلب منها الدخول إلى البيت وعرض أغراضٍ للبيع من ضمنها موعد محدد تستطيع من خلاله المخطوفة أن تخرج من بيت خاطفها خلال خروجه إلى الجهاد. وهكذا يبني خطط وحكايات مليئة بسحر الهروب والعودة إلى الحياة. لعبدالله اسم مفتاح يتعرف به الضحايا على المهربيّن أو الرسل المبعوثين لنجدتهم من بيوتٍ كالمعتقلات، حيث تُقفل عليهنّ الأبواب ويغتصبنّ ويتعرضنّ للضرب والذّل.

من خلال محادثاتٍ تلفونية بين عبدالله والكاتبة نتعرف على تفاصيل الاختطاف والسبي، ويقودنا إلى ذلك التعرف شيئًا فشيئًا عبر السرد، تتخللها انقطاعات عدة بسبب الانشغال بإنقاذ فتاة وانتظار وصول أخرى. خطط عبدالله لا تنتهي، ورقم هاتفه بوصلة لا تضيع، فهو مسخر دائمًا للإجابة على أية مكالمة تحمل طلبًا بتدبير مهرّب ينتظر الفتاة ويحمل علامة.

من "ن" ناديا إلى زهور جميلة المتفجرة

لمعنى كلمة الناجيات في كتاب دنيا ميخائيل قراءات وصور كثيرة، تمنح خيالنا مرونة ريثما تتحول إلى صدمة. فبين ناديا الحكاية الأولى لعبدالله، وهي الناجية الأولى التي يحمل حكايتها الكتاب، وزهور الفتاة المنتحرة قهرًا بعد نجاتها، حوادث تعذيب مريرة لا تنتهي كلها بذات النتيجة، فما مر على النساء المختطفات أعاد تشكيل شخصياتهنّ. عودة مها التي رموا طفلها أمامها من النافذة، لا تشبه عودة مادلين التي أُنقذت دون معرفتها بالأمر. وقعت مادلين في حب مختطفها الداعشي فرفضت العودة إلى أهلها واحتاجت وقتًا طويلًا للاقتناع بالأمر، وكامي الخمسينية التي تحب التدخين وشرب الشاي، من حسن حظها أنها لم تبع فتحملت أعباء الخدمة في البيت. وقصص أشد فظاعة تعرضت فيها المختطفات بعد فشل الهروب إلى الضرب من قبل مناصرين الدواعش، من اللواتي يرون بأنهنّ كافرات ورجال داعش يؤوهن لتطهيرهنّ. فتتحمل المخطوفات من جديد عبء إرجاعهن إلى تلك البيوت، ووقوعهنّ تحت وطأة الضرب المبرح والاغتصاب المتكرر، وإنزال بهنّ أشد أنواع العذاب. بعضهنّ لم يستطعنّ العيش بعد ما حلّ بهنّ فقررنّ الانتحار أو متنّ من القهر. أخريات حملنّ حكاية السبي الإيزيدي إلى محافل دولية كناديا مراد التي روت قصتها في الأمم المتحدة. هذا في شأن الشابات أمّا الجدات فقد نزلنّ إلى الحفرة وقتلنّ مع أحفادهنّ الذين التصقوا بهنّ. وأطفال آخرين سيقوا إلى معسكرات التدريب لأخذ دروسٍ في الجهاد، ما غيّر طباعهم حتى لم تتعرف عليهم الأمهات.

يرسم الكتاب صورة كابوسيّة لتلك الجغرافيا المتمثلة في غرب العراق وجنوب كردستان. مدن بأكملها واقعة تحت الظلم يقتل فيها الرجال والعجزة وكبار السن في حفرة جماعية ويرمون في الأحواض الزراعية، وتساق النساء إلى الأسر المضني، والأمل مسؤولية من استطاع الهروب فيخطط لهروب قريبة أو أخت أو أم بخطة ناجحة للنجاة.

يبنى السرد في كتاب "في سوق السبايا" على الأمل بالنجاة والقدرة على الكلام فيما بعد

هكذا يبنى السرد في كتاب "في سوق السبايا" على الأمل بالنجاة والقدرة على الكلام فيما بعد، ليأخذ مكتب المختطفين الذي تأسّس بعد حلول الكارثة في مدينة سنجار مهمة صندوق الحكايات، وتأخذ الناجيات مهمة تزويده بالوقائع والقصص. وينتهي خط السرد بجميع الناجين في خيمٍ يسكنوها في العراء، يفيض منها كرم الضيافة وحسن الاستقبال. هذا ما لمسته الكاتبة التي قررت السفر إلى العراق واللقاء بعبدالله وزيارة الناجين. لتشكل تلك الزيارة محطة قبل أخيرة وشبه ختامية من عمر الخطوط الدرامية للخطف والعودة.

اقرأ/ي أيضًا: شاكر الأنباري.. سرد على جسر بزيبز

كأن قرار الكاتبة بالعودة إلى تلك المنطقة سببته رغبتها بالتشبه بمن نجى، في اعتراف منها بأن أيّ مصيبة تقع على تلك الأرض ستقع علينا جميعًا، وكأن لأهل المكان قلبًا واحدًا، وكل عودة هي بمثابة إعادة إحياء له وضخ جديد للحياة فيه.

كتابة ضد النوع

مع السطور الأولى يأخذ الكتاب شكل السرد الشخصي لنبدأ مع حكاية الكاتبة التي تعلّم طلابها كيفية كتابة ونطق حرف النون، حتى نصل إلى تلك الـ"ن" المنقوشة على أبواب بيوت العوائل المسيحية، التي ترمز إلى التشرد والتهجير القسري، لترمينا أمام حكايات يملها عليها عبدالله بحسب انشغاله، وعلى مراحل متقطعة ومتوقفة على ظهور رنين يأذن بأن مكالمة قد ترده وسيكون مشغولًا بترتيب هرب فتاة. فتعود الكاتبة وتلتفت إلى الشخصي ريثما يعود عبدالله ونكمل معه.

هذا الانتقال بين الأنواع من الروي إلى التحقيق يشبه إلى حد كبير شكل الواقع الذي يتعرض إليه الكتاب وطبيعة الكارثة التي حلّت على تلك المنطقة، والتي لا يكفيها طريقة واحدة في القول ونوع محدد للسرد، بل يتطلب خلق عدة أشكال للتعبير عمّا وقع. لأن أحادية النوع تعني صوت واحد ونظرة واحدة أمّا ما تأتي به الكاتبة فهو أثقل وأكثر تعقيدًا، يعطي مساحة للوقائع ومساحة للتخييل ومساحة ضمن الاثنين للشخصي (ذكريات الكاتبة) التي لا يخلو منها الكتاب.

طريق النجاة

أفردت دنيا ميخائيل لنفسها فصلين كاملين في كتاب النجاة، تروي حكاية خروجها من العراق وترفقها بأشعارها، وقصة أخرى لجدتها مع الحرب وتزودنا بقصيدة أخرى عنها. وهكذا تكتب وتعلق وترسم أبعادًا معاصرة لحكايتها الشخصية فتبدو ذات الكاتبة ذائبة مع المكان وملتحمة به. نقابلها مرات بين ثنايا قصص الناجيات وقصص أخرى عن أهل المكان. وكأنها تقتفي أثر نفسها المتضررة من خلال متابعة قصص النساء بعد الخطف. وباستخدام الشعر كطريقة أخرى للتعبير عن الخاص والعام. مرة بشكل شخصي حيث تفتح أمامنا الكاتبة صندوق ذكرياتها فتعلق بالشعر على كل حدث ترويه الجدة والصديقة، وتتذكر الحرب وكأنها تلتقط عبر الشعر أنفاسها، وتفتح لنا الباب على الخيال الذي شوهته قسوة الوقائع.

أرفقت في كتابها السردي الشعري صورًا لناجيات بعد وصولهنّ إلى أهلهنّ، وصورًا أخرى لهن في بيوت الدواعش خلال مدة احتجازهن. ترمي لنا صورًا أخرى عن آثار حرق وتعذيب على يد فتاة ودموع وانهيار على وجه فتاة أخرى. كان أقساها صورة لمقايضة تجري بين الدواعش عبر برنامج تليغرام على سعر إحدى الفتيات المختطفات، لتتركنا تلك الصورة أمام جريمة يصعب تناسيها، حالة من عدم التصديق والفهم، كارثة ساعدتها التكنولوجيا فأثمرت. في المقابل، كانت الهاربات يقطعنّ مئات الكيلومترات للقيام بمكالمة هاتفية ليطلبنّ العون والنجدة، ومن لم يسعفها الحظ أضاعت الطريق.

الكتابة الوثائقية انتصرت لحكاية المستضعفين، عبر تجميع الحكايات وتدوينها

إذًا فالكتابة الوثائقية انتصرت لحكاية المستضعفين، عبر تجميع الحكايات وتدوينها، ووضعها إلى جانب مذكراتٍ شخصية أوحت بها النكبة التي حلّت على المكان، ولكن يبقى السؤال كم عدد الكتابات التي يجب كتابتها لتنصف الضحايا؟ وأيّ وقت سيساعدهم على النسيان وقد أهدتهم الحياة خطة للنجاة ومنحتهم الحرب وسمة الألم الفياض. وهل سننجو كلنا عبر روي الحكايات كما نجت شهرزاد وقرر عبدالله؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

علي حبش: أصوات الجثث

ضياء جبيلي.. عراق مشطور