في المغرب.. كُتّاب بدون قرّاء

في المغرب.. كُتّاب بدون قرّاء

(Getty) مشهد من شمال المغرب

إذا كان أبو طيب المتنبي قد قال يومًا إن "الكتاب خير جليس"، فإن الكِتاب والكُتّاب في المغرب لا جليس لهم، بعد أن غدت عادة القراءة في البلاد ظاهرة على وشك الانقراض، الأمر الذي يقود أدباء الوطن ومثقفيه، مرة تلو الأخرى، إلى دق ناقوس خطر عزوف المغاربة عن القراءة، لِما لذلك من تداعيات مجتمعية خطيرة، تؤثر على مستقبل التنمية في البلاد.

المواطن المغربي لا يقرأ سوى دقيقتين في السنة

يتوفر المغرب على رأسمال ثقافي ثمين، يتمثل في مجموعة من الكتاب والأدباء والمفكرين، الذين يحظى العديد منهم بسمعة مرموقة عربيًا وأوروبيًا، إلا أن معظمهم يبقى غير معروف محليًا، إذ تُخبرنا الأرقام بأن القراء في المغرب قلة قليلة تكاد تنحصر في نخبة المثقفين، ما ينعكس سلبًا على سوق الكتاب والنشر في البلد ككل.

صحيفة "La Croix" الفرنسية أعدت تقريرًا استقصائيًا قبل شهر عن سوق القراءة بالمملكة، وأوردت إحصائيات تبرز فيها الوضع المزري الذي وصل إليه سوق الكتاب محليًا، حيث إن نسبة %64.3 من المغاربة لم يشتروا أي كتاب قطّ خلال سنة 2016، بالرغم من كون دور النشر تضع أثمنة مناسبة تتراوح بين 20 و30 درهمًا فقط لكثير من الكتب. وهذا وضعٌ يؤكده تصريح صادم لوزير الثقافة السابق محمد الأمين الصبيحي، يقول فيه إن "الإنسان المغربي لا يقرأ سوى دقيقتين في السنة، في حين يقرأ المواطن الأوروبي 200 ساعة في السنة". بدورها تدرج منظّمة الأمم المتحدة للتعليم والثقافة (اليونسكو) المغرب ضمن أسوأ 20 دولة في العالم، في مجال القراءة والكتابة.

تدرج منظّمة اليونسكو المغربَ ضمن أسوأ 20 دولة في العالم، في مجال القراءة والكتابة

وقد ارتدّ هذا النفور الجماعي عن الكتاب سلبًا على مبيعات الكتب وسوق الإنتاج الثقافي بالمغرب، ويظهر ذلك جليًا في تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي لسنة 2016، الذي يذكر أنه لا يُصدِر المغرب سوى ألفي كتاب سنويًا، ويترجم 36 كتابًا سنويًا، بالرغم من أن ساكنته تقارب الأربعين مليونًا، ويُطْبَع من كل كتاب ما بين 1000 و1500 نسخة فقط، مع استثناءات قليلة تتجاوز هذا العدد من النسخ المطبوعة.

اقرأ/ي أيضًا: موسم الكتاب في المغرب

هذا ما دفع عددًا من المؤلفين المغاربة باللجوء إلى دور النشر الأجنبية للاستفادة من التغطية الإعلامية الموسعة وتحقيق مبيعات أوفر، هربًا من سوق الكتاب الشحيح في المغرب، فيذهب الكتاب باللغة العربية إلى مصر ولبنان، فيما يتجه الكتاب الفرونكفونيون إلى فرنسا.

أسباب نفور المغاربة من القراءة

يشير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي، وهو مؤسسة رسمية، إلى أن المغرب يتوفر على 71 مركزًا ثقافيًا، منها 40 مركزًا تشرف عليه وزارة الثقافة، وتتواجد حوالي 624 خزانة ثقافية عمومية، 328 مكتبة منها تابعة للوزارة، وهو ما يعني أن هناك مكتبة لكل مئة ألف نسمة، علاوة على أن هناك 632 نقطة بيع للكتب من أكشاك ومكتبات موزعة على المناطق المغربية، هذا ما يثير التساؤل حول سبب ضعف القراءة في المغرب رغم البنية التحتية الثقافية المتوفرة بالبلاد.

بالنسبة للناشط الثقافي أحمد عصيد، فإنه يُرجع معضلة نقص رواج الكتاب في مقال له بالأساس إلى المناهج التعليمية بالمدرسة العمومية، الغارقة في التقليد والتلقين والسلطوية، وبالتالي لا تفتح ملكات القراءة والبحث والإبداع لدى التلاميذ المغاربة، الشيء الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى تخريج جيل من المتمدرسين غير المطلعين، لعدم تعلمهم حب القراءة كسلوك طبيعي في حياتهم اليومية.

فيما يفسر البعض تدني المقروئية في المغرب نظرًا لتفشي الفقر في المجتمع، حيث أصبح الناس منشغلين في توفير ضروريات البقاء على قيد الحياة، من مأكل وملبس ومسكن، فيغدو سلوك القراءة في خضم قسوة الحياة اليومية نوعا من الترف الفكري، مقارنة مع الضرورات الأساسية للحياة.

غير أن هناك من يذهب بعيدًا، ويُرجع سر نفور المغاربة من الكتاب وضعف معدلات القراءة في المغرب، حتى مقارنة مع بلدان عربية أكثر فقرًا، إلى عوامل ثقافية مبطنة، خاصة بالثقافة المغربية، تعيق انفتاح الإنسان المغربي على القراءة والكتب، كالتمثلات الذهنية السائدة التي تصور فعل القراءة كنشاط تبذيري لا طائلة منه في الحياة اليومية، ثم إن الذاكرة التاريخية للمجتمع المغربي ارتبطت بالتراث الشفوي أكثر مما طبعت مع الكتب.

الإنترنت تصالح المغاربة مع القراءة

لا شك أن القراءة هي محرك أساسي للتنمية المجتمعية، وغيابها في البلد يؤدي إلى نقص حاد في المواهب والقدرات لدى أفراد المجتمع، فضلًا عن أنها ركيزة أساسية للوصول إلى مجتمع إنساني متمدن بقيم حضارية، ولذا فإن مصالحة المغاربة مع القراءة خطوة ضرورية يدعو إليها الناشطون، بمساعدة المدرسة والإعلام والمراكز الثقافية.

القراءة محرك أساسي للتنمية المجتمعية، وغيابها في البلد يؤدي إلى نقص حاد في المواهب والقدرات لدى الأفراد

لكن بعيدًا عن دور الدولة، مثّلت شبكة الإنترنت بالنسبة لكثير من المغاربة الجسر الأول الذي ربطهم بعالم القراءة، من خلال تصفح المواقع الصحافية والمنصات الثقافية، ما مكّنهم من الانفتاح شيئًا فشيئًا على مواد معرفية في السياسة والعلوم والفن، كانت غائبة تمامًا عن وعي طائفة واسعة من الشباب المغربي.

اقرأ/ي أيضًا: أكذوبة إحصائيات القراءة

كما ساعدت مجموعات محبي القراءة على الشبكات الاجتماعية والمنتديات الإلكترونية على استقطاب رواد الإنترنت المغاربة، حيث يتبادل الأعضاء في هذه المجموعات الافتراضية عناوين كتبهم المفضلة، ويتعرفون أكثر على الأعمال الثقافية العالمية ونجوم الرواية، مثلما صارت تظهر على الإنترنت بين الفينة والأخرى حملات تحفيزية للقراءة، تخرج أحيانًا إلى الواقع على شكل أنشطة للقراءة الجماعية في الساحات العامة.

هذا وبات الكتاب الإلكتروني البديل الأفضل بالنسبة لكثير من القراء المغاربة، الشباب منهم خصوصًا، لسهولة الوصول إليه من خلال الإنترنت، على عكس الكتب الورقية التي تباع بأسعار باهضة، ويصعب الحصول على بعض العناوين منها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

العرب والقراءة.. ستيريوتايب القطيعة

البحث عن الكتاب العربي في المهجر.. رحلة شاقة وذكريات "البسطات"