في أوّل زيارة خارجية للودريان.. فرنسا تدير

في أوّل زيارة خارجية للودريان.. فرنسا تدير "حربها" في ليبيا من القاهرة

وزيرا الخارجية المصري سامح شكري والفرنسي جان إيف لودريان، القاهرة (خالد الدسوقي/ أ.ف.ب)

توضح زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إلى القاهرة، اليوم الخميس، بعض سمات السياسة الخارجية الجديدة في عهد الرئيس الفرنسي المنتخب حديثًا إيمانويل ماكرون، تجاه قضايا الشرق الأوسط، بخاصة أن الأخير لم يُفصح كثيرًا عن رؤيته، بل شكّل صمته في الحملة الانتخابية بما يتعلق بملفات الشرق الأوسط، سلسلة من التساؤلات عن الدور الفرنسي المرتقب في المنطقة القلقة باستمرار.

لكن اختيار ماكرون لسياسي مخضرم من وزن جان إيف لودريان، ليكون على رأس وزارة الخارجية، يُعزز توقعات المحللين السياسيين الخاصة باعتماد فرنسا سياسة "ليّنة"، لكنها في نفس الوقت تضمن مصالح باريس وشركاتها وملفات مناقصات تجري في الخفاء عسكريًا واقتصاديًا، وتزيد من مساحة النفوذ الفرنسي، بخاصة في شمال إفريقيا. 

تتحدث الصحافة الفرنسية عن إمكانية حدوث شراكة خفية بين القاهرة وباريس تحت مظلة مكافحة الإرهاب، لتمرير مشروع تدخل أجنبي في ليبيا

ورغم تنبؤ محللين فرنسيين إلى توأمة الفريق الديبلوماسي بين المساعي الآيلة إلى تخفيض نسب التوتر في الشرق الأوسط ولعب دور الوساطة، وبين حماية مصالح تعتبرها فرنسا سيادية وتاريخية ولا تزال تحرص على إبقائها من إرث الاستعمار؛ إلا أن الصحافة الفرنسية لا تزال تتحدث عن إمكانية الشراكة الخفية بين القاهرة وباريس تحت مظلة "مكافحة الإرهاب"، لتمرير مشروع تدخل أجنبي، وفرضه على بعض القوى السياسية الليبية.

اقرأ/ي أيضًا: ماكرون والشرق الأوسط.. ماذا ترك رجل الوسط لأهل اليمين؟

يأتي هذا الحديث، خاصةً مع تصدر الملف الليبي لائحة المطالب التي يحملها جان إيف لودريان في جعبته للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، إذ من المتوقع أن يستمع الوزير الفرنسي إلى التزامات مصرية بالتدخل العسكري، تسمح بحماية مصالح باريس في الجنوب الليبي الذي يهدده تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقصفت طائرات مقاتلة مصرية مواقعًا قالت أنها تخصه سابقًا، لتودي بحيات مدنيين عزل.

وجاء التدخل المصري في الشؤون الليبية، متمثلًا في شن طلعات جوية قصفت مواقع عسكرية في الجنوب، رغم أن القاهرة تحاول تكريس صورة "المُحاور" الجديد في الملف الليبي من خلال مبادرةٍ لإعادة إنعاش اتفاقية الصخيرات المغربية، التي وُقّعت في 2015 بين الأطراف الليبية. يتضح ذلك من تصريحات وزير الخارجية المصري سامح شكري، خلال زيارة نظيره الفرنسي جان إيف لودريان، إذ قال شكري: "تناولنا الأوضاع في ليبيا، وضرورة استمرار التواصل الذي بدأنها مع الأشقاء هناك، ودعم مسار الاتفاق السياسي (الصخيرات) للوصول إلى حل ليبي - ليبي، والقضاء على الجماعات الإرهابية التي اتخذت منها (ليبيا) ملاذًا".

وفور وصوله، قال جان إيف لودريان إن فرنسا "لن تسمح أن ينمو على حدود مصر وأبواب فرنسا، حالة من عدم الاستقرار تستفيد منها العناصر الإرهابية في ليبيا"، مشيرًا ضمنيًا إلى المخاوف الفرنسية من تهديد مصالحها الاقتصادية، بخاصة أنه لا يخفى على أحد، أن مخاوف فرنسا مرتبطة بالصراع على كامل المنطقة الإفريقية، إذ إن حصول فرنسا على حوض "نالوت" في ليبيا، يعزز من سيطرتها وتأثيرها في منطقة الشمال الإفريقي والصحراء التي تمتلك فيها نفوذًا كبيرًا.

وتعتبر فرنسا أنّ الجنوب الليبي امتداد لإرث تاريخي من وجودها في ليبيا، حيث لا تزال تمتلك صلات قوية ببعض الزعامات العسكرية المرتبطة بالنظام السابق أو الزعامات القبلية التي ترتبط بقبائل مثل "التبو" الممتدة إلى تشاد والنيجر.

وأضاف جان إيف لودريان، خلال مؤتمر صحفي مع نظيره المصري سامح شكري، أنه "علينا أن نجد حلًا سلميًا للأزمة في ليبيا، هذا الحدث بالغ الأهمية لتهديده أمن واستقرار دول المتوسط"، مؤكدًا حصر باريس "على العلاقات المميزة مع مصر، هذه أولى زياراتي الخارجية، وهي رسالة تضامن في وجه الإرهاب الذي آذى بلادكم وبلادنا أيضًا".

وزير الخارجية الفرنسي في ضيافة نظيره المصري بالقاهرة (خالد الدسوقي/ أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي في ضيافة نظيره المصري بالقاهرة (خالد الدسوقي/ أ.ف.ب)

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، إن "مجالات التعاون بين البلدين كثيرة على رأسها محاربة الإرهاب، بالاضافة للتعليم والثقافة والاقتصاد"، فيما أكّد شكري من جانبه على أنّ الرؤى المصرية الفرنسية متوافقة في العديد من القضايا الدولية.

هذا ويُشار إلى أنه في عهد فرانسوا هولاند، كانت الحكومة الفرنسية قد دعمت عسكريًا قوات  رجل القاهرة وذراع أبو ظبي خليفة حفتر الذي بدوره وعد بالاهتمام بمصالح شركة "توتال" الفرنسية في الهلال النفطي. 

وخلال الأشهر الأولى من 2017، شهدت القاهرة لقاءات جمعت شخصيات ليبية سياسية وبرلمانية وإعلامية واجتماعية؛ لبحث الالتزام باتفاق السلام الذي وقعته أطراف النزاع في مدينة الصخيرات المغربية نهاية 2015. وتلفت المبادرة المصرية إلى رغبة السيسي في لعب دور "المقاول"، وهو ما دفع عمليًا فرنسا لتكون أولى زيارات العهد الجديد تمر في القاهرة، ويناقش فيها "مساومات" الدور المصري في الأزمة الليبية، ومدى تأثيره على وضع أجندة شروط على الأطراف الليبية المتنازعة.

وتعمل مصر على بلورة اتفاق سياسي يتجه إلى تعديل لجنة الحوار، وشمول مجلس الدولة لكل أعضاء المؤتمر الوطني المنتخبين في السابع من تموز/يوليو 2012، وأخيرًا خفض أعضاء المجلس الرئاسي. وتعد هذه المطالب خلاصة مناقشات جرت في القاهرة، سعت إلى تكوين إطار شعبي للعملية السياسية.

لدى السيسي مشروع كبير بأن يصبح "مقاولًا" للمصالح الأجنبية في ليبيا، بغطاء من أبو ظبي

وأوضح "بيان القاهرة" الذي صدر في 14 فبراير/شباط 2017، مخاوف مصر أيضًا من صعود الجماعات الإسلامية إلى الحكم، أو سيطرتها على مفاصل ومؤسسات مهمة في الدولة، وهي مخاوف يضغط بها السيسي في محاورته مصالح الغرب، خصوصًا باريس، بخاصة وأنه من الواضح أن ماكرون يعمل على تعزيز مصالح فرنسا بشكل أكبر، يتناسب مع مطامع الشركات العابرة للحدود وأيضًا يزيد من الإمساك بالخريطة النفطية وأذرعها في ليبيا المفككة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ماذا تفعل القوات الفرنسية في ليبيا؟

 تصريحات ماكرون تفتح جرح الماضي بين فرنسا والجزائر

من أجل الخروج من "الانتقالي" في ليبيا