05-فبراير-2017

لقطة من الفيلم

في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، شنَّت السلطات الأمريكية حملة شرسة على كل متعاطف أو مؤمن بالشيوعية كان مما نجم عنها "قائمة هوليوود السوداء (Hollywood blacklist)"، التي تضمَّنت ممثلين وكتَّاب وموسيقيين ومخرجين وصنَّاع سينما اتهموا بالتآمر على الأمن القومي الأمريكي ونشر الفتن والتخابر مع الاتحاد السوفيتي، فضلًا عن "اتهامهم" باعتناق الشيوعية.

يرحل بنا فيلم "ترامبو (Trumbo)" (2007) إلى الفترة العصيبة التي عاشها أحد أكثر مَن ضمَّتهم "قائمة هوليوود السوداء" شهرةً، دالتون ترامبو (1905-1976)، الذي كان كاتب سيناريو ذائع الصيت وعالي الأجر، من أعظم أفلامه "كيتي فويل" (1940) و"سبارتاكوس" (1960)، وأيضًا مثقفًا شيوعيًا. مراوحًا بين الخط السير-ذاتي والتاريخي العام، والحقيقة والخيال، يُخبر "ترامبو" قصَّة هذا الرجل العظيم.

دالتون ترامبو الذي كان كاتب سيناريو ذائع الصيت وعالي الأجر، من أعظم أفلامه "كيتي فويل" و"سبارتاكوس"، وأيضًا مثقفًا شيوعيًا

في عام 1950، يُستدعى ترامبو (براين كرانستون) من قِبل "لجنة مكافحة الأنشطة غير الأمريكية" للشهادة، لكن ينتهي به الحال، هو وتسعة آخرين، سجينًا لمدة تناهز العام، على خلفية اتهامات بعدم التعاون مع اللجنة والتحقير منها. غير أن الأمور لا تقف عند هذه الحدود، يتعرض ترامبو ورفاقه، بعد خروجهم من السجن، إلى حملات تحريض، وتدمير لحياتهم المهنية والاجتماعية. فقد أجبرته الأوضاع على العمل تحت أسماء آخرين، مما وضع صناعة السينما في مواقف سخيفة ومخزية حين حصل فيلمان له لم يوضع اسمه عليهما، "عطلة رومانية (Roman Holiday)" (1953) و"الشجاع ( The Brave One)" (1956)، على جائزة الأوسكار.

في عام 1960، سيكون "سبارتاكوس" أول فيلم يُطبع عليه اسم ترامبو منذ فترة طويلة، واضعًا بذلك نهاية عصر مزري وغير مشرف واستقطابي لصناعة السينما في الولايات المتحدة.

طوال المحنة، تقف زوجته وعائلته إلى جانبه، لكن ذلك لا يمنع من حدوث بعض المشاحنات بينه وبين زوجته، المخلصة والمحبَّة، وابنته الكبرى، التي تجد فيه الأب والمُلهم والند، إن عائليًا أو سياسيًا. بخصوص الأصدقاء، سيدرك ترامبو، خلال هذه الأيام، فيما يشبه اليأس الاجتماعي، أنه بلا أصدقاء. العالم، في أيام "القائمة السوداء"، عبارة عن عائلة، ثم حلفاء وأعداء سياسيين.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "أسد".. رحلة التيه في وقائع الخيال

لعب كرانستون دور ترامبو كما يليق، بكل ما في شخصية الأخير من طبائع وتكلُّفات: الشارب، السيجارة التي لا تفارق شفتيه، كوب الويسكي، مجسدًا ببراعة حياة هذا الكاتب العبقري الذي خطَّ أهم أعماله في حوض الاستحمام. أيضًا، كاتب السيناريو، جون ماكنمارا، كان في مستوى هذا التحدي الصعب: العمل على صياغة حياة كاتب سيناريو من قِبل كاتب سيناريو آخر.

لعب كرانستون دور ترامبو كما يليق، بكل ما في شخصية الأخير من طبائع وتكلُّفات

أحيانًا كان الفيلم مُربكًا، لأن صُنَّاعه قد اختصروا بعض ما كان ينبغي أن يأخذ حقه من الذكر، إن على الصعيد الشخصي أو العام، كما كان العمل تبسيطيًا واستخفافيًا بالجمهور في بعض جوانبه، غير أن هذا لا يمنع من الإقرار بكل الأسى الذي يبعث عليه تذكر هذه الفترة من التاريخ الأمريكي، وأهمية موضوع "القائمة السوداء" وحيوية استذكاره.

من الجدير بالذكر هنا الإشارة إلى أفلام أخرى تناولت هذا الجانب من تاريخ السينما في أمريكا: الفيلم الكوميدي الدرامي لجيم كاري "الملكيّ (majestic)" (2001)، وفيلم جورج كلوني "ليلة سعيدة وحظ طيب (Good Night and Good Luck)" (2005)، ولا شك الفيلم الرائع "مذنب بالاشتباه (Guilty by Suspicion) (1991) لروبرت دي نيرو. وكلها أفلام تتقاطع مع "ترامبو" في تركيز الضوء على التدمير الاجتماعي والنفسي الذي تسببت فيه المكارثية عند أعداد كبيرة من فناني وسينمائيي تلك الفترة.

هذا المقال هو تلخيص لمراجعة مانوهلا دارغس في "ذي نيويورك تايمز" بتاريخ 5 نوفمبر 2016، ومراجعة بيتر برادشو في "ذي غارديان" بتاريخ 4 شباط/فبراير 2016.

اقرأ/ي أيضًا:
20 فيلمًا ينتظرهم عشاق السينما في 2017
لماذا يحتاج العالم إلى "لالا لاند"؟