"فهرس" رنا التونسي.. ترويض شعري على بحر الخوف

إيلينا رومانوفا/بلغاريا

ربما يقع ما يستوقف القارئ أوّلًا، ويشدّ انتباهه في مجموعة "فهرس الخوف" الصادرة أخيرًا عن دار العين للشاعرة المصرية رنا التونسي، هو العنوان. يحدث ذلك لأنّ الشاعرة منحت السعادة عنوانًا لمجموعتها الشعرية السابقة التي صدرت عن منشورات الجمل قبل أربعة سنواتٍ. لتعود وتمنح مجموعتها هذه عنوانًا يقف على النقيض مما سبقها. وكأنّ التونسي تسعى من خلال اللعب على العناوين إلى الإشارة إلى خيطٍ خفي يربط مجموعاتها الشعرية، كاملةً، ببعضها البعض. وأيضًا، الإفصاح عن رغبتها بالتجريب واكتشاف الأشياء والمشاعر وتفحّصها مرّةً وراء أخرى، وذلك من خلال وضعها تحت مجهر الكتابة الشعرية على فتراتٍ زمنية مختلفة ومتباعدة. 

تكتب رنا التونسي عن الخوف لغرضٍ واحد فقط، وهو ترويضه وتحويله إلى كائنٍ أليف لا يثير القلق في النفس

تكتب صاحبة "عندما لا أكون في الهواء" في مجموعتها الطازجة "فهرس الخوف" قصيدة مفتوحة على طموحاتٍ ورغباتٍ واسعة تُخرجها من دائرة الأنثى وعوالمها الضيقة، وتنقلها، شيئًا فشيئًا، إلى مساحاتٍ شعرية أرحب. بدورها، تستثمر صاحبة "قبلات" هذه المساحات في بناء قصيدة قصيرة، وأخرى قصيرة جدًا، تبدو أقرب إلى ترجماتٍ لأفكار الشاعرة من جهة، ولرجاءاتٍ وانكسارات وذكريات وصراعاتٍ نفسية من جهةٍ ثانية: "صعب أن أكتب قصيدة لا أتحدّث فيها عن الأشجار/ فالصحراء تملأ قلبي دائمًا". عوضًا عن المرارة الشخصية والخوف اللذين يُمكن التقاطهما عبر قصائد المجموعة.

اقرأ/ي أيضًا: أندريس نيومان.. شعر يملأ فراغ الحاضر

لكنّ قصائد من قدمت "تاريخ قصير"، لا تسعى لأن تثير الخوف أو تستفزّه. ذلك أنّ الشعر في "فهرس الخوف" يتحوّل إلى محاولةٍ جادّة للنجاة منه، أي الخوف. وأيضًا، إلى وسيلةٍ تسعى الشاعرة لتحصين نفسها من خلاله. فما نقرأه يكاد يكون أقرب إلى تعويذةٍ تستند إليها الشاعرة لصدّ الخوف، أو التعايش معه، أو ربّما التخفيف من وطأة حضوره أيضًا، ما يجعل الكتابة هنا ندًّا له. وبالتالي، سنعرف أنّ رنا التونسي تكتب عن الخوف لغرضٍ واحد فقط، وهو ترويضه وتحويله إلى كائنٍ أليف لا يثير القلق في النفس ولا يسلب منها الشعور بالأمان. وأيضًا، إلغاء حضوره والاشتغال على جعله حضورًا ماديًا، دون أن يكون محسوسًا أو ملموس. كأنّ من أضافت لمدونتها الشعرية "ديوان الأمومة" تريد من الشعر أنّ يسلب من الخوف جوهره: "لا يمكنني أن أمنع الخوف من العمل/ لكنّي أقابل كلّ شبح بالعناق". وأيضًا: "لم أحب شخصًا أبدًا أكثر من الخوف/ لذلك تركته يمشي معي".

غلاف فهرس الخوف لرنا التونسي

هناك، إلى جوار الألم والمرارة الشخصية، يحضر الاحتجاج والرفض والرغبة في تغيير الواقع المعاش من حول الشاعرة، وغالبًا ما تولد هذه الرغبة إمّا من المرارة ذاتها، أو من باب محاربة الضجر والتغيير فقط: "أريد أن أنتقل إلى بيت جديد/ تكون الذكريات فيه أصغر من أن تدخل إلى الباب/ نتركها للبائعين/ من يحمِّلون بفرح/ القلوب الكسيرة". و: "دائمًا ما أرمي نفسي من الحافّة/ ثمّ أعود لأجلس على السور/ أراقبها/ ما الذي تفعله عند الجيران/ تمشي قرب ضحكاتهم/ كأنّها لم تفقد روحًا. تُحاول صانعة "وردة الأيام الأخيرة" أيضًا خلق مفهومٍ جديدٍ، على الأقل في معجمها، للطريقة التي نرى من خلالها ما يُحيطنا من أشياء مختلفة، حيث تقول: "أن أكون طبيعية/ ذلك ما يصيبني بالجنون".

تغزو رنا التونسي الكتابة عن الحب مُستندةً إلى تقنياتٍ مختلفة ومتعدّدة، إذ تحيد الفكرةً والبناء عن فخّ تكرار ما كتب قبلًا

لا تكتب رنا التونسي إذًا بادعاءات العاطفة وحدها. فالشاعرة، وإن تطرّقت إلى الحبّ في بعض القصائد، بشكلٍ صريح أو موارب، فإنّها تفعل ذلك مُستندةً إلى تقنياتٍ مختلفة ومتعدّدة، بحيث لا يُساق النصّ، فكرةً وبناءً، إلى فخّ التكرار وإعادة كتابة ما سبق وأن كتبه آخرون قبلًا عن هذا الموضوع. وبالتالي، نقرأ في المجموعة: "كنت أنظر إليكَ/ أحدِّثك من فراع يملأ روحي/ كمن يبحث عن مجرَّة/ أو طعنة نافذة". وفي قصيدة أخرى: "قصيدتنا الأخيرة/ سكِّين يضحك من فمك إلى فمي". أو: "كنت أبحث عن صورة الشارع/ لأدخل فيها/ وأجدك هناك". هكذا، يصير الحبّ في قصيدة رنا التونسي كائنًا مواربًا يحضر للدلالة على العلاقة التي تجمعها بالآخر/ المخاطب فقط. وفي بعض الأحيان، تمنحهُ فتاة "كتاب الألعاب" أدوارًا أخرى، فيظهر في القصيدة دافعًا لتأنيب الذات ومحاكمتها، ومسؤولًا عن فراغ تتّسع دائرته في حياة الشاعرة، أو شريكًا في تغييب طمأنينتها وإثارة قلقها. 

في نهاية "فهرس الخوف" تضع رنا التونسي للقارئ ما يُمكن وصفه ببطاقةٍ تعريفية تُكمل بدورها، إلى جوار قصائد المجموعة كاملةً، صورة الشاعرة. تقول: "أنا الشباك الذي يتكسّر وحده/ قبل أن يفكّر طفل/ أن يمسك حجرًا".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

سعاد ماسي.. شعر عربي وارتباك

شعر أمازيغ الجزائر.. ذاكرة الألم