فن من أجل الناس العاديين

فن من أجل الناس العاديين

غرافيتي لماركيز في مدينة كارتاخينا الكولومبية

ظهر الريبورتاج الصحفي في القواميس الفرنسية لأول مرة سنة 1929، وفي القواميس الإنجليزية سنة 1931، ولكن ولادته كانت قبل سنوات طويلة من حصوله على الأوراق الثبوتية هذه، أما عصره الذهبي فجاء بعد الحرب العظمى عام 1914، وتحديدًا في العشرينات، عندما أصبح فرعًا مقبولًا في الأدب النقدي الاجتماعي، وصار الأدباء كتاب ربورتاجات صحفية فضلًا عن كونهم روائيين وشعراء: ارنست همنغواي، وثيودور دريسر، وسينكلير لويس، وايغون إروين كيش.

هوبزباوم: "لقد كان من الواضح أن القرن العشرين هو قرن الناس العاديين، وبالتالي غلبت عليه الفنون المصنوعة لهؤلاء الناس وبواسطتهم"

ويعزو إريك هوبزباوم صعود الريبورتاج إلى "تأثير الطليعيين الروس الثوريين الذين أعلوا من شأن الواقع في مواجهة الترفيه الصاخب". وفي كتابه "عصر التطرفات" يقول هوبزباوم: "لقد كان من الواضح أن القرن العشرين هو قرن الناس العاديين، وبالتالي غلبت عليه الفنون المصنوعة لهؤلاء الناس وبواسطتهم. وعملت آلتان مترابطتان على إظهار عالم الإنسان العادي بصورة جلية وموثقة على نحو غير معهود، وهما التحقيق الصحفي وآلة التصوير".

اقرأ/ي أيضًا: 4 وقفات في أرشيف الصحافة

في مقدمتها لكتاب "بلا قيود"، (دار الفارابي 2017)، تتحدث الأكاديمية والمترجمة هبة العطار عن "الصحافة الجديدة" (New Journalism)، وهو الأسلوب الذي انتهجه بعض مبدعي الأدب الأنغلوساكسوني، لا سيما عندما اشتهر في ستينات القرن العشرين على يد توماس وولف وترومان كابوتي في الولايات المتحدة. وقد تميز هذا النوع "بالاعتماد على أسلوب الريبورتاج الذي يتيح للكاتب فرصة جمع عدد كبير من المعلومات الموثقة ثم سردها بأسلوب أدبي يسمح له بترتيب الأحداث بصورة تلفت نظر القارئ، لكنها لا تتعارض مع حقيقة الوقائع".  

شبيه بهذا هو أسلوب الصحافة الأدبية Literary Journalism))، الذي شاع بين كتاب إسبانيا وأميركا اللاتينية المعاصرين، وفيه "يذوب التوثيق التاريخي في ثنايا الخيال والوصف الأدبي". غير أن كتاب الإسبانية هؤلاء أضافوا لمستهم الخاصة، ما جعلنا نقف أمام منتج جديد هو الـ "كرونيكا"، فعلى العكس من الكاتب الأنغلوساكسوني "الذي يسرد الوقائع انطلاقًا، أولًا وأخيرًا، مما هو موثق، فإن الكاتب الإسباني، أو اللاتينوأمريكي، يميل إلى وصف المتخيل حيال ذلك الواقع".

في أواخر السبعينات من القرن الماضي، قررت إدارة الجريدة الإيطالية الشهيرة "كوريرا ديلا سيرا" اعتماد مشروع صحفي من نوع خاص: ربورتاجات صحفية فكرية.. مفكرون وفلاسفة وأكاديميون يتحولون إلى صحفيين، يستخدمون عدتهم الفكرية وأدواتهم التحليلية في تغطية الأحداث الراهنة، ومواكبة وقائع الـ "هنا والآن"..

وقد تقرر أن تعد سوزان سونتاغ تحقيقًا حول فيتنام، وأن يكتب آرباد أجتوني تحقيقًا حول المجر، وجورج سمبرون حول الديمقراطية الإسبانية، ورونالد لينغ حول الانتحار الجماعي للطائفة الدينية للقس جونز بغويانا، وآلان فينكيلكراوت حول الولايات المتحدة.. وربما كان الاسم الألمع هو ميشيل فوكو.

في أيار 1978 طلب الناشر الإيطالي ريزولي، المساهم الرئيسي في جريدة "كوريرا"، من فوكو مقالات فكرية منتظمة، غير أن المفكر الفرنسي رد باقتراح مختلف: تشكيل فريق من "المثقفين المحققين يذهبون إلى حيث تولد وتموت تلك الأحداث التي هي الأفكار". وفي آب/أغسطس من العام نفسه جاءت الفرصة كي يضع فوكو فكرته قيد التنفيذ، إذ نشب حريق هائل في سينما ريكس في عبدان، ما لفت أنظار العالم إلى أحداث الثورة الإيرانية، فحمل المفكر حقيبته على ظهره وطار إلى طهران، متحولًا إلى مراسل صحفي فريد من نوعه. ولقد جُمعت الريبورتاجات التي أعدها فوكو من هناك في كتاب طريف عنوانه "فوكو صحافيًا"، (ترجمه إلى العربية البكاي ولد عبد المالك، وصدر عن دار جداول 2012).

ما الذي يستطيع إنقاذ الريبورتاج نفسه؟ في عالم تسوده البوستات والتغريدات ألا يتهدده الفناء هو أيضًا؟

ولنا، بالطبع، أن نختلف مع بعض أفكار فوكو المطروحة، وأن ننتبه إلى أن الزمن لم يصادق على عدد من تحليلاته وتوقعاته، ومع ذلك تبقى هذه تجربة خصبة ومثيرة، تكشف، من بين ما تكشف، الإمكانات الهائلة لفن الريبورتاج، وتبين لنا كيف تكون الكتابة الصحفية عندما تحمل أفكارًا ذكية ونافذة، وكيف تكون الأفكار عندما تسوقها كلمات رشيقة وبسيطة.

اقرأ/ي أيضًا: الرجل الذي شوّه الصحافة

أما عن علاقة الريبورتاج الصحفي بالأدب، فليس هناك أفضل من غابرييل غارسيا ماركيز تجسيدًا لها. في مقال له بعنوان "مغالطة لتشتيت الانتباه" (كتاب غريق على أرض صلبة ـ ت: مها عبد الرؤوف، دار ميريت)، يتحدث ماركيز عن حيرته في اختيار النوع الصحفي الأفضل، و"انتهيت في ذلك إلى اختيار التحقيق الصحفي الذي يبدو لي الأكثر طبيعية ونفعًا بالنسبة للعمل الصحفي. التحقيق الصحفي ليس فقط مساويًا للحياة بل هو أفضل من الحياة". ويعود إلى كتابه "وقائع موت معلن" مؤكدًا أنه تحقيق صحفي أكثر منه قصة، "فالعمل إذًا ليس قصة كما وضع خطأ في العنوان ولكنه واقعة تاريخية محمية من الفضول الشعبي عن طريق عدم ذكر الأماكن وتغيير الأسماء لكن مع الحفاظ بأمانة مطلقة على الأحداث والوقائع".

أما عن "خبر اختطاف"، فـ "هذا العمل يمكن تصنيفه على أنه تحقيق صحفي خالص لأنه يقدم معلومات حقيقية ومثبتة"، وبالنسبة لـ"حكاية غريق" فيمكن القول إنه "حوار طويل ومرتب وكامل قمت به وأنا أعلم أنه لن ينشر شيء على هذا النحو بل ستتم تسويته ليصبح هو الآخر تحقيقًا صحفيًا".

ومن يستطيع القول إن هذه الكتب الثلاثة ليست أدبًا جميلًا لأنها في الأصل ربورتاجات صحفية؟!

يُعوّل البعض على الريبورتاج في إنقاذ الصحافة من الانقراض، ولكن يمكن للريبورتاج إنقاذ الأدب أيضًا، فالخيال القصصي يواجه تحديًا من واقع يصير، يومًا بعد يوم، أكثر غرابة وأقل واقعية، ما يضع الأدب في سباق محموم غير مضمون النتائج.

ولكن ثمة سؤال مقلق: وما الذي يستطيع إنقاذ الريبورتاج نفسه؟ في عالم تسوده البوستات والتغريدات ألا يتهدده الفناء هو أيضًا؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل يسيطر وادي السيليكون على مستقبل الصحافة للأبد؟

عندما تطفئ الصحيفة أنوارها