18-يناير-2022

الروائي الروسي فلاديمير نابوكوف وزوجته فيرا

اعتادت مرسيدس بارشا، يوميًا، وعلى مدار 60 عامًا، وضع وردة صفراء على الطاولة التي يجلس إليها زوجها، غابرييل غارسيا ماركيز، ليكتب رواياته. هذه واحدة من بين قصصٍ كثيرة جرى تداولها، بعد وفاة مرسيدس في آب/ أغسطس 2020، للإشارة إلى العلاقة المميزة، بل الاستثنائية، بين مرسيدس وماركيز الذي يرى إليها على أنها بوصلته الأولى، وقارئة مخطوطاته التي يعرف، من تعابير وجهها أثناء قراءتها، مدى رضاه عما كتبه.

شعرت زوجة ليو تولستوي، بعد انتهائها من نسخ مسودة روايته الشهيرة "الحرب والسلم" سبع مرات بخط يدها، بأن هذه الرواية هي روايتها

ولكن قراءة المخطوطات، على أهميتها، ليست وحدها من منح علاقتهما الزخم الذي تنطوي عليه. القراءة هي مهمة مرسيدس الأخيرة. قبلها، في الفترة التي تفصل بين بداية ماركيز بكتابة روايةٍ ما وانتهائه منها، تتشعب مهماتها التي، وعلى اختلافها، تتمحور حول توفير ما يحتاجه زوجها للعمل على روايته.

اقرأ/ي أيضًا: الزواج والأدب

في مقالة له حول ظروف ولادة روايته الشهيرة "مئة عام من العزلة"، يقول غابرييل غارسيا ماركيز إنه حين قرر التفرغ لكتابة روايته هذه، والتخلي عن التزاماته، التي كانت مصدر دخله الوحيد آنذاك، للحصول على الوقت الكافي للعمل عليها، لم تتردد مرسيدس في دعمه، بل إنها تكفلت بإعالة الأسرة وإدارة شؤونها، لا سيما المالية التي عرّضتها لمذلة الاستدانة، وأجبرتها على رهن بعض أثاث بيتها، وأدوات مطبخها، لا من أجل تأمين الطعام والشراب فقط، وإنما من أجل شراء الورق لزوجها الذي يُعرف عنه إسرافه في استخدامه.

مع ذلك، لم تتوقف مرسيدس عن امداده بها على مدار 18 شهرًا خبرت خلالها الفقر، وشظف العيش، ومذلة الاستدانة، ومرارة التفاوض مع مالك البيت الذي تراكمت إيجاراته، وغيرها من المتاعب التي كابدتها من أجل توفير ما يحتاجه زوجها لإنهاء روايته.

يذكر ماركيز في المقالة نفسها أنه حين توجه برفقة مرسيدس لإرسال مخطوط "مئة عام من العزلة" إلى ناشره في بوينس آيرس، أخبرهما موظف البريد بأن تكلفة شحن الطرد، الذي ضم حينها 590 صفحة، هي 82 بيسوس. ولأنه لم يكن بحوزة مرسيدس، المسؤولة عن الشؤون المالية آنذاك، سوى 53 بيسوس، قامت على الفور بقسم الطرد إلى نصفين، أرسلت الأول وقررت رهن خاتمي زواجهما لإرسال الثاني. غير أنها، كعادتها، استطاعت الاقتراض دون الحاجة إلى رهنهما.

تُذكرنا مرسيدس برشا بفيرا نابوكوف، زوجة الروائي الروسي فلاديمير نابوكوف. ورغم اختلافهما الشاسع، تلتقي هاتان المرأتان في إيمانهما المطلق بموهبة زوجيهما، والتفاني في خدمتهما ككاتبين. وإذا كانت مرسيدس هي الزوجة التي تحتمل شظف العيش لتوفر لزوجها الوقت الذي يحتاجه للكتابة، فإن فيرا نابوكوف، على حد قول الكاتب الأرجنتيني ريكاردو بيجليا في كتابة "القارئ الأخير"، هي: "المرأة التي تسير بمسدس لتحمي زوجها".

لا يتعدى وصف بيجليا كونه وصفًا مجازيًا. غير أنه، مع ذلك، يختزل أثر فيرا في حياة نابوكوف الذي أمضت جزءًا من حياتها في نسخ مقالاته، وقصصه، ومسودات رواياته منذ المسودة الأولى وحتى الأخيرة. بالإضافة إلى التواصل مع ناشريه نيابةً عنه، وتنظيم مواعيده، وحفظ أرشيفه، ومتابعة المقالات والمراجعات التي تُنشر عن رواياته باللغتين الألمانية والفرنسية، وفق ما ذكره المترجم العراقي عبد الستار الأسدي في تقديمه لكتاب "رسائل إلى فيرا".

إنها بجملةٍ أخرى، ومن منظور ريكاردو بيجليا، الصورة: "التكافلية لـ امرأة الكاتب، المرأة المكرسة لحياة المبدع. فيرا تكتب كأنها زوجها. تشغل، غير مرئية، مكانه. تكتب بالنيابة عنه، تكتب له، وتذوب فيه".

في صورة فيرا نابوكوف شيئًا من صورة فيليس باور، عشيقة الكاتب التشيكي فرانز كافكا، فكلاهما اعتادتا نسخ المخطوطات، ولكن الفرق بينهما يكمن في الدوافع. فيرا جلست خلف الآلة الكاتبة لأنها آمنت بزوجها وأحبته، على العكس من باور، التي وإن أحبت كافكا، إلا أنها فعلت ذلك لأن الكتابة على الآلة الكاتبة هي مهنتها وهوايتها في آنٍ معًا، وهذا في الأصل سبب انجذاب كافكا إليها.

أرادت فيليس باور من نسخها لمخطوطات كافكا أن تكون عتبة لعلاقةٍ طويلة الأمد معه. ولكن كافكا، على العكس منها تمامًا، بدا حريصًا على ألا تتجاوز علاقتهما نسخ المخطوطات وتبادل الرسائل، ذلك أنه لم يكن يرغب في الحصول على زوجة، وإنما امرأة تقرأ مخطوطاته، تنسخها، وتُبادِله الرسائل التي يمكن أن يلتقيا فيها دون أن يتطفل أحدهما على عزلة الآخر، أو دون أن تتطفل باور تحديدًا على عزلته.

يقول ريكاردو بيجليا، في تفسيره لهذه العلاقة، إن المرأة الكاملة بالنسبة لكافكا هي تلك التي تعيش لتقرأ خطاباته وتنسخ نصوصه كأنها نصوصها. وحين تتوقف عن فعل ذلك، تنتهي علاقته بها فورًا. هذا بالضبط ما حدث بين كافكا وفيليس باور، التي لم يبق منها غير صورتها كقارئة وناسخة مخطوطات.

بوسعنا هنا إضافة امرأة أخرى إلى هذه القائمة، وهي صوفيا تولستوي، زوجة الكاتب الروسي الشهير ليو تولستوي التي آمنت به، وكرّست حياتها، أول الأمر، وإلى جانب رعايتها لأولادهما الـ 13، لخدمته روائيًا، حيث تولت إدارة عوائده المالية، وعلاقاته مع الناشرين، وقراءة مخطوطات أعماله، وتنقيحها، ونسخها غير مرة.

لم يرغب الكاتب التشيكي فرانز كافكا في الحصول على زوجة، وإنما امرأة تقرأ مخطوطاته، تنسخها، وتُبادِله الرسائل

لكن صوفيا، مع ذلك، لا تشبه نظيراتها السابقات، غير أنها لا تختلف عنهن كثيرًا. صحيحٌ أنها لم تختبر شظف العيش، مثل مرسيدس، ولم تكن علاقتها بتولستوي استثنائية كعلاقة فيرا وفلاديمير، أو مرسيدس وماركيز، بل كانت على النقيض منها، وأقرب إلى حربٍ مفتوحة، إلا أنها آمنت بزوجها إلى درجة أنها قامت بنسخ مسودة روايته الشهيرة "الحرب والسلم" سبع مرات بخط يدها. بل إنها، أكثر من ذلك، لم تتوقف عن النسخ حتى بعد إصابتها بحمى النفاس التي كادت تهلك بسببها. ربما لهذا السبب يُروى أنها كانت تعتقد بأن "الحرب والسلم" هي روايتها.

اقرأ/ي أيضًا: يوميات تولستوي بالعربية.. عملاق الأدب الروسي بكامل تفاصيله

في هذا السياق، تخبرنا الروايات المتداولة حول طبيعة العلاقة بين الروائي الإيرلندي جيمس جويس وزوجته نورا بارنكل، أن الأخيرة، وعلى العكس من مرسيدس، وفيرا، وصوفيا اللواتي قرأن أعمال أزواجهن، رفضت على الدوام قراءة أعمال زوجها. بل إنها، وفي مفارقة طريفة، لم تعرف بأن أحداث روايته الشهيرة "عوليس" تدور في يوم واحد هو 16 حزيران/ يونيو 1904، وهو يوم لقائهما.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بين جيمس جويس وهارولد بينتر.. الوساطة التي غيّرت مصير العمل الإبداعيّ

من هم الكتّاب المفضلون لكبار الروائيين العالميين؟