عيوننا إليكِ ترحلُ كلَّ يوم يا فيروز

عيوننا إليكِ ترحلُ كلَّ يوم يا فيروز

صور فيروز خلال اعتصام في بيروت، صيف 2010 (Getty)

قليلون جدًّا، من بين الكثير من المغنين والمغنيات، استطاعوا الوصول للقمة. خاض بعضهم تحدي الوصول لكنهم سرعان ما تنازلوا عنه، وقلة قليلة تمكنت من الوصول إلى القمة والبقاء عليها، على رأس هؤلاء بالطبع السيدة فيروز.

من قلبي سلام لبيروت

21 من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1935، استقبلت بيروت وأهلها يومًا كسائر الأيام، فلم يكن أحد يعلم أنه يوم ولادة نجمة ستملأ السماء فيما بعد. ولدت نهاد رزق وديع حداد (فيروز)، التي سيكون ميلادها كافيًا لإعادة كتابة تاريخ الغناء في بيروت وفي العالم بأكمله، لأسرة سيريانية كاثوليكية تسكن حارة زقاق البلاط في بيروت، وفي عمر صغير بدأت الغناء، في محاولات حثيثة بلا أية إمكانيات، فقط كان صوتها سلاحها الوحيد.

في أربعينيات القرن الماضى، بدأت فيروز الغناء الاحترافي ضمن كورس في الإذاعة، حيث اكتشف صوتها الموسيقي محمد فليفل

في أربعينيات القرن الماضى، بدأت فيروز الغناء الاحترافي ضمن كورس في الإذاعة، حيث اكتشف صوتها الموسيقي محمد فليفل الذي أعجب بها وضمها إلى فريقه الغنائي، إلا أن تلك المحاولة لم تكن كافية لإظهار إمكانيات جارة القمر الخرافية.

المجد من أطرافه

شهد عام 1952 زواج فيروز من الموسيقار اللبناني عاصي الرحباني، ذلك الزواج كان بمثابة الانطلاقة الفنية لجارة القمر، حيث اشتركت مع الأخوين رحباني (عاصي ومنصور) في عديد من الأغاني التي شكلت فيها الكلمات والألحان إلى جوار صوت فيروز الفائض بالدفء سيفمونية ظلت عالقة في الأذهان، وربما تظل كذلك إلى الأبد.

اقرأ/ي أيضًا: فيروز.. الغناء بعد زمن عاصي

34 عامًا هي عمر الزواج الفني بين السيدة فيروز والأخوين رحباني، تمكنوا سويًا من تقديم أهم أغاني فيروز على الإطلاق، تلك الأعوام كانت كافية جدًا للانتقال من نهاد حداد إلى السيدة فيروز، المغنية المشهورة عالميًا وأبرز أساطين الغناء على هذا الكوكب.


فيروز في تصميم غرافيكي لـ تامر الأحمر

انتهت تلك الثنائية بوفاة عاصي الرحباني في عام 1986، قدمت فيروز بعد ذلك الكثير من الأغاني بالتعاون مع كبار الشعراء، ثم بالتعاون مع نجلها الموسيقي زياد الرحباني، إلا أن توهج السيدة فيروز كان على يد زوجها، لم ترحل موهبتها فيروز برحيله لكن شيئًا ما لم يعد مثلما كان.

84 عامًا من جيرة القمر

يحل علينا هذه الأيام عيد الميلاد الـ 84 للسيدة فيروز، عبر هذا العمر قدمت صاحبة الصوت الملائكي تراثًا فنيًا منقطع النظير، لا أحد يعرف سر عظمة فيروز، ولكنها بالطبع تنتمي إلى جيل العظماء. أوقات كثيرة أثرت فيها جارة القمر السكوت على الغناء، ليس فقط السنوات الأخيرة ولكن كذلك خلال الحرب الأهلية اللبنانية، حيث امتنعت فيروز عن الانحياز لطرف ضد طرف، فقط ابتعدت وتأملت، حتى عادت بعد انتهاء الحرب، وغنت.

في قلب المشهد السياسي

ابتعاد فيروز عن المشهد السياسي لم يكن ابتعادًا عن الوطن ذاته، هو فقط ابتعاد عن السياسة وحساباتها المعقدة، غنت جارة القمر لأغلب الأوطان العربية مثل مصر وتونس وفلسطين، وبالطبع وطنها لبنان.

من بين كل ما غنت فيروز للأوطان، تظل أغنيتها الأيقونية "يا زهرة المدائن" هي الأكثر خلودًا، غنت فيروز للقدس كما لم يغنِّ أحد، حتى التيارات الإسلامية التي تحرّم الغناء لم تجد غضاضة في الاستماع لـ"زهرة المدائن".

لمن تغني؟

لا أحد يشبه فيروز، في صوتها المشبع بقداسة الغرب ودفء الشرق، في كلمات أغنياتها الفريدة، وفي ألحانها التي يهيأ لمن يسمعها أن مكوناتها الموسيقية خلقت خصيصًا لتغني عليها فيروز.

هذا التميز الذي تتمتع به فيروز لم يكن وليد الصدفة، صوتها الملائكي كان فقط أحد مكونات المزيج الفريد الذي صاحبها دومًا أينما ارتحلت.


جدارية فيروز (فيسبوك)

عبر الكلمات والألحان غنت فيروز للحب غير المنطقي، لم تغن لمشاعر الهجر والشوق والغيرة كما فعلت أم كلثوم، وإنما غنت لبيت صغير في كندا، لأحلام العاشقين وبلغتهم شديدة الخصوصية.

التشبيهات كما في أغنية "بعدك على بالي" وغيرها من الأغاني لعبت دورًا مميزًا في أغانيها، وكأن صوتها قادم من جبال لبنان وليس من داخل الاستوديوهات أو الحفلات، ثمة شيء ما في مزيجها الأثر يشعرنا دائمًا بالألفة تجاهها، حد التوحد.

من أثر فيروز كذلك قيامها بأداء الأغاني القصيرة في زمن الأغاني الطويلة المشبعة بالتنهيدات والآهات، كل شيء حينها كان بطيء الإيقاع لكنها كانت دومًا في الميعاد لترك بصمتها الخالدة.

كل من يستمع إلى صوت فيروز يحبها على طريقته، وكلٌّ يحمل ذكريات بصحبة أغنياتها

من بين كل المشاهير وعلى اختلاف ما يقدمون، لا يحب أحد فيروز على طريقة الآخر، كل من يستمع إليها يحبها على طريقته، الجميع يحمل ذكريات بصحبة أغنياتها، أغنية معينة قد تحمل ذكرى تدفع للبهجة وأخرى نحو البكاء، خاصة في الأيام الماطرة.

اقرأ/ي أيضًا: فيروز ليست صنمًا

شكلت فيروز نقلة في الغناء، عن كل شيء غنت، عن الأحلام في قلوب المستمعين وعن مخاوفهم، أحزانهم وأفراحهم وخيباتهم، تحدثت جارة القمر بما حوته القلوب ولكنها لم تستطع قوله، حتى وجدت صوتًا ملائكيًا يتهادى من الأرض إلى السماء يعبر عما أسروه، وعلمته فيروز.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن فيروز.. بلا سبب

بعض مما تستحقه فيروز