بعض مما تستحقه فيروز

بعض مما تستحقه فيروز

في لبنان، 2010 (Getty)

أبهرت مجلة "الشراع" اللبنانية جمهور العالم العربي، ونجحت بالنزول من على الرفوف إلى أيدي القراء من جديد، تحت عنوان يقول إن سفيرتنا إلى النجوم "عدوة الناس، عاشقة مال وويسكي وصديقة لآل الأسد". لنتوقف عند كل من هذه الأفكار واحدة واحدة على حدة.

يحاول القاصي والداني تدمير كل رموزنا الفنية والثقافية، وتحويلنا لمجتمع لا هوية له 

عداوة الناس؟ تهمة غير منطقية، فمن غير المعقول اتهام سيدة قضت ستين عامًا من عمرها في إسعاد الناس، وواظبت يوميًا على نقل السلام إلى صباحاتهم الممتلئة بأخبار القتل والدمار أنها تعاديهم! وفي حال كان لدى فيروز أي مرض نفسي يجعلها تكره الآخر وتنعزل عنه، فهذا شأن يخصها وحدها. أما عن حب المال أو عشقه، فهنا لا يبدو الأمر غريبًا إذ أننا جميعًا نحب المال، ومنا السيد حسن صبرا الذي طبع من عدده المسيء لفيروز عشرة آلاف نسخة. 

بالحديث عن فيروز وصداقتها لعائلة الأسد؛ لا يفهم القارئ بشكل واضح ما هو المراد من الإشارة لعلاقة فنانة في الثمانين من عمرها بعائلة حكمت سوريا ولبنان لأربعين عامًا، أي نصف عمر فيروز، فـكثير من مبدعي لبنان وسوريا ودول أخرى، يا سيد صبرا، كانوا أصدقاء لآل الأسد، فشحرورة لبنان، أو الصبوحة، صديقة لآل الأسد، وكذلك وديع الصافي، وملحم بركات.. وسواهم من الجيل القديم أو الجديد.

يعلم السوريون جيدًا أن كل شيء يمر إلى شاشة التلفزيون الحكومي، أو إذاعة دمشق، لا بد أن يكون صديقًا للسلطة، أو مرضيًا عنه على الأقل بدرجة من الدرجات، لكن المخيف والذي بدأنا نعلمه مؤخرًا كيف يحاول القاصي والداني تدمير كل رموزنا الفنية والثقافية، وتحويلنا لمجتمع لا هوية له ولا ركائز، ومن غير المنطقي أن ينجح هؤلاء الأشخاص في مسعاهم "الداعشي" بحسب وصف ريما الرحباني التي لم تخطئ التشبيه رغم انفعالها بالرد، فداعش التي دمرت رموزًا أثرية، لا تختلف فعلًا عن داعش التي تحاول إفراغ هذا المجتمع ثقافيًا، وتدمير رموزه الفنية التي آثرت الحفاظ على نفسها في زمن التطرف والاصطفاف. 

في سوريا، على سبيل المثال، ثمة رمز يدعى رفيق سبيعي، أو "فنان الشعب"، دمّر نفسه بنفسه، وآخر يدعى دريد لحام كسر بطحة العرق برأسه وخرج من مسرحيته الشهيرة "كاسك يا وطن"، ليشبّحَ بها على الشعب، وهناك أيقونة تدعى منى واصف رقصت لها قلوب السوريين "بأطيافهم" لمواقفها الإنسانية والوطنية. أما فيروز التي التزمت صمتًا وحيادًا لا نريد النبش في طياته، فمن المؤكد أنها حرة في حياتها ومشاريبها، ومن الغريب أن يتحول هذا الأمر الشخصي إلى شأن عام، وأن تصبح الشؤون الشخصية طريقة لقراءة منجز فني. 

اقرأ/ي أيضًا:

سيرج غانسبورغ وزياد الرحباني.. عبقرية وانحطاط

كورنيش بيروت فجرًا.. "متل الهوا لي مبلش ع الخفيف"