06-أغسطس-2023
lkj

احتلت أخبار الاشتباكات العناوين الأولى في نشرات أخبار مختلف وسائل الإعلام اللبنانية والعربية والمنصّات الرقمية. (GETTY)

اندلعت مطلع الأسبوع الماضي اشتباكات عنيفة بين فصائل تتخذ من مخيم عين الحلوة مقرًا لها، لتسفر الاشتباكات عن مقتل 11 شخصًا. الاشتباكات التي تخللتها دعوات للتهدئة ومحاولات عديدة وهشة لوقف إطلاق النار، توقفت أخيرًا في الوقت الذي لا يزال فيه سكان المخيم يقبضون يدًا إلى صدورهم ويفتحون بالأخرى محلاتهم التجارية ومصالحهم.

ومع انحسار دخان المعارك، تظهر أسئلة عن واقع المخيم وكيفية تغطية وسائل الإعلام لما حدث. 

كيف غطت وسائل الإعلام الحدث

احتلت أخبار الاشتباكات العناوين الأولى في نشرات أخبار مختلف وسائل الإعلام اللبنانية والعربية والمنصّات الرقمية.

 وعلى الصعيد المحلي مثلت تغطية الاشتباكات في المخيم امتدادًا لتوجهات وسائل الإعلام اللبنانية.  يقول الصحفي اللبناني والباحث في علوم الاتصال، نذير رضا، لألترا صوت إن "وسائل الإعلام اللبنانية بطبيعة الحال تتبع السياسة لأن معظمها إما تابعة لأطراف وجهات سياسية أو ناطقة باسم قوى سياسية أو هي رجع صدى لقوى سياسية تتقاطع معها بالمواقف."

النقطة اللافتة هذه المرة هو أن الأمور ظلت محصورة بالخلاف السياسي ولم تتوسع لخطاب عنصري ضد الفلسطينيين.

رضا الذي اعتبر أن التغطية تدرجت من التعامل مع ما جرى بصفته حدثًا ميدانيًا عارضًا في البداية وحتى اعتباره حدثًا كبيرًا في اليوم التالي، أشار إلى أن "هذا التعاطي أنتج أسئلة وأعاد إلى الواجهة إشكالية سلاح المخيمات الفلسطينية ومدى تناسب ذلك مع سيادة الدولة ووحدة قرارها وسلاحها. وهذا الخطاب نابع من خطاب سياسي موجود ولم يكن جديدًا على وسائل الإعلام."

لكن النقطة اللافتة هذه المرة، وفقًا لرضا، هو "أن الأمور ظلت محصورة بالخلاف السياسي ولم تتوسع لخطاب عنصري ضد الفلسطينيين، لأن المعركة أصلًأ فلسطينية-فلسطينية، ورغم أن لها بعض التداعيات على الساحة اللبنانية لكنها عمليًا ليست معركة فلسطينية-لبنانية، وبالتالي لم يحضر الخطاب العنصري لا إعلاميًا ولا سياسيًا حتى من قبل الرافضين لوجود السلاح الفلسطيني أو المطالبين والداعين لتنظيمه داخل المخيمات مع وجود بعض الاستثناءات على مواقع التواصل الاجتماعي".

ولأن التغطيات لم تعد تقتصر على دور الوسائل الإعلامية إذ أصبحت لوسائل التواصل الاجتماعي حصة في كل حدث، فقد استمر النقاش والجدل الواسع حول أحداث عين الحلوة.

يقول الصحفي المتخصص بشؤون اللاجئين الفلسطينيين، فارس أحمد، لألترا صوت إن "النقاشات انقسمت على هذه المواقع بين رافض للاشتباكات ومؤيد للخلاص من الحالات المتطرفة كما أسموها داخل المخيم، فيما ذهب البعض الآخر أبعد من ذلك للمطالبة بنزع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، كما ذهبت فئة أخرى إلى تحميل الفلسطينيين مسؤولية ما يجري. وبغض النظر عن هذه النقاشات إلا أن الصورة السلبية هي التي أثرت على الشارع اللبناني وجعلت شريحة كبيرة تنظر إلى المخيمات على أنها بؤرة لتصفية الحسابات، إلا أنه وكما هو معلوم، فإن معظم مناطق لبنان تشهد اشتباكات تندرج تحت العنوان الطائفي أو الثأر العائلي وصولًا إلى اشتباكات تجار المخدرات مع الأجهزة الأمنية اللبنانية". ويعتبر أحمد أنه "مهما حصل في عين الحلوة، يجب التعاطي مع قضية اللاجئين الفلسطينيين بصفتها الإنسانية، مع ضرورة تحييد المدنيين عما يحصل من صدامات مسلحة."

نظرة على مأساة إنسانية

يقع مخيم عين الحلوة في مدينة صيدا جنوب لبنان، وهو أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في البلاد. لجأ سكان المخيم إليه في عام 1948، إذ ينتمي معظمهم إلى المدن الفلسطينية الساحلية.  كما يستضيف المخيم عددًا كبيرًا من اللاجئين الفلسطينيين النازحين من أجزاء أخرى من لبنان، وتحديدًا من طرابلس، والذين جاءوا إلى عين الحلوة خلال الحرب الأهلية اللبنانية وفي أعقاب نزاع نهر البارد في عام 2007، كما أدت الأزمة السورية المستمرة أيضًا إلى قدوم عدد من اللاجئين من سوريا إلى المخيم.

تقع مسؤولية الأمن والحوكمة في المخيم على عاتق اللجان الشعبية والفصائل الفلسطينية، والمخيم محاط بجدار ويسيطر الجيش اللبناني على وصول الناس إليه وعلى قدرتهم للحصول على مواد البناء من خلال نقاط التفتيش.

lkj

ويعاني مخيم عين الحلوة من العديد من المشاكل، فكثافته السكانية مرتفعة ومساحته الجغرافية ضيقة، وهو ما يضطر الأهالي إلى التوسع العمودي دون أخذ معايير السلامة من الناحية الهندسية والصحية بعين الاعتبار، وهذا ما جعل المباني متلاصقةً وتفتقر إلى أدنى مقومات السلامة. 

هذا بالإضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة بين سكان المخيم، والتي تصل إلى 55% حسب نتائج المسح الاجتماعي الذي أجرته الأونروا بالتعاون مع الجامعة الأمريكية في بيروت عام 2010. كما أظهرت نتائج هذا المسح الاجتماعي أن  نسبة 66% من اللاجئين الفلسطينيين يعيشون تحت خط الفقر وأن نسبة 7% يعيشون تحت خط الفقر الشديد. هذه العوامل مجتمعة أدّت إلى مفاقمة المشاكل الاجتماعية والأمنية المتلاحقة.

في هذا السياق تقول الصحافية اللبنانية ومنتجة الأفلام الوثائقية، بيسان طي، لألترا صوت إنه "فيما يتعلق بأحداث عين الحلوة أو أي أمر مرتبط بالمخيمات، سواء كان أمنيًا أو اقتصاديًا أو غيره، فهو بالنسبة لي تعبير عن أزمة أساسية تتمثل في غياب الحقوق المدنية مثل حق العمل والتملك. إنهم يعيشون في بؤرة مغلقة، وبالتالي فإن الانهيار يعبر عن نفسه إجتماعيًا واقتصاديًا، وهناك بطبيعة الحال من يحاول الاستثمار في هذا اليأس المتراكم في هذه البؤر تحديدًا لدى جيل الشباب فيتم إغراقهم من قبل تجار المخدرات وغيرهم."

,mnb

ولعل الوضع في مخيم عين الحلوة ينطبق أيضًا على باقي المخيمات الفلسطينية في لبنان، إذ ينتقد حقوقيون تعرض اللاجئين الفلسطينيين إلى أشكال عدة من التهميش بدأت بعد عام ١٩٥١ وتفاقمت منذ انتهاء الحرب الأهلية عبر سياسات الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والمكاني. تقوم هذه السياسات على الإهمال العمراني للمخيمات بحجّة أنّها ليست من مسؤولية الدولة، وعلى الاستبعاد الاجتماعي والاقتصادي الذي يفرض قيودًا صارمة على حقّ الفلسطينيين في التملك والعمل والضمان الاجتماعي، لتتلاشى المقاربة القائمة على الحقوق وتستبدل بحلولٍ أمنية وإنسانية من ضمنها التعامل الأمني الصرف مع المخيمات والمحاصرة المكانية لها، حيث تراقب الحركة منها وإليها، وتحصر مداخلها ومخارجها بالترافق مع بناء أسوار إسمنتية حولها أو جدار عازل وأبراج مراقبة.

وفي هذا السياق تقول طي "أنا أرى أن ما يعيشه الفلسطينيون في لبنان أو في الشتات هو نتاج ما بعد أوسلو، ونضيف عليه في لبنان أنه نتاج غياب منظمة التحرير وهدفها المتمثل في تحرير فلسطين وغياب المشروع السياسي. هذا الواقع مختلف بالنسبة للشاب الفلسطيني في الداخل الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال الإسرائيلي بجسده. أما الشباب الفلسطيني في لبنان فهو مأزوم في ظل غياب أي مشروع سياسي. هذا فضلًا عن استغلال بعض التيارات المتشددة في الساحة السياسية لمشاكل المخيمات، وبهذا الشكل تتفجر الأحداث مثل ما جرى في عين الحلوة."