مقهى في القاهرة عام 1900

في الرابعة عصرًا. يبدو "مقهى النحات" كالفقير حين يرتدي البدلة الوحيدة التي لديه لحضور مناسبة ما، تلتف الكراسي بنظام حول المناضد. ويقيم الهدوء في كل الزوايا. وتنتظر الأرض أن يجف ماء غسلها. فيصبح للمقهى حظٌّ من اسمه، إذ يشبه التماثيل المحتفظة برصانتها وملامحها الأرستقراطية على الرغم من مبيتها الدائم في العراء.

ولهذا كانت الرابعة هي الساعة المفضلة للدكتور عزيز، يصل متأنقًا في الرابعة وخمس دقائق، يجلس كعادته في المنضدة القريبة من البوفيه، يضع جراب نظارته، وبصوت منخفض، يكاد لا يسمعه أحد، يطلب قهوة سادة. يحتسيها على مهل ويشرد قليلًا ويغادر. هذا ما يحدث يوميًا بلا تغيير، قد يشتري الجرائد وتتقاطع نظراته مع الكلمات المتقاطعة، أو يبتسم قليلًا لمزاح القهوجي التقليدي عن حمل قطط الشوارع من زوجته التي أنبت لها العمر قضيبًا. وفقط.

ككل يوم، جاء الدكتور عزيز وجلس منفردًا، صامتًا كعادته، احتسى قهوته وحملق في السقف. لولا تلك الضجة المباغتة التي صنعت به ما لم يخطر على باله من قبل وأفاقته من شروده، فلولاها لما تغير شيء على الإطلاق في حياة الدكتور عزيز التي جاوزت نصف القرن منذ ثماني سنوات. وكيف لمن عاش حياة كحياته أن يتصور ما حدث؟! كيف لأي إنسان أن يتصور عدم قدرة ألف شهر من الزمان على الصمود أمام سبع دقائق؟! 

نعم كان شاردًا، لكنه ذلك الشرود الذي لا يحمل أي هموم أو أفكار كبرى، ذلك التيه الذهني المصاحب لتقدم السن ليس أكثر، وفجأة.. دلف إلى المقهى شخص ذو حضور صاخب، صاحب وجوده احتفاء غريب، سلامات وتعليقات وضحكات عالية كان يردها القادم بعفوية من يدخل بيته ليتحدث إلى إخوته. لم يتبين ملامحه في أول الأمر، كان نحيلًا باعتدال، في نفس عمره وإن بدا أكثر شبابًا وحيوية، أما ملابسه فبدت قادمة من فصل أقل برودة من الشتاء، انتقى لنفسه منضدة في الجهة الأخرى من الدكتور عزيز، ألقى سترته على المقعد المجاور وطلب النارجيلة. لم يتوقف بعدها لحظة عن العبث مع الآخرين، لم يكن حضوره مجرد فوضى أو حجر تم إلقاؤه في البركة الراكدة، فكأنما ركل مؤخرة تمثال طلعت حرب ورده حيًا ليمازحه ويلعب معه! 

فكر الدكتور عزيز في المغادرة، لكن دعاه فضوله لارتداء نظارته وتأمل هذا الغريب قبل ذلك، نظر إليه طويلًا ورأى في وجهه شيئًا يعرفه، لكنه تشكك فيما رآه، فانتظر مرور أحد العاملين ليسأل بصوت منخفض عن القادم. سمع اسم "جو" ولم يصدق، فانتظر مرور العامل مرة أخرى ليسأله إن كان هناك شامة على الخد الأيسر لهذا القادم. فلما تأكد من أنه هو قام وتوجه إليه. اقترب منه وسأله "ممكن أعطل يوسف بيه شوية؟"، أجابه يوسف دون أن يرفع رأسه عن الكتاب الذي كان يطالعه، قالها حاسمة "لأ .. الله يسهلك".
- زي ما أنت .. لسانك طويل وعمرك ما هتتأدب.

التفت إليه يوسف بعصبية وما إن رأى الدكتور عزيز حتى ضحك ووقف، سلم عليه بحرارة الأصدقاء القدامى ودعاه للجلوس، جلس عزيز أمامه فبادره يوسف قائلًا: "عزيز الذوق قاعد على قهوة؟! الدنيا جرى فيها إيه؟ واحشني يا ابن الناس الكويسين" 
- إنت لسه فاكر حكاية الذوق دي؟
- طبعًا فاكر.

مضت عقود على تلك الحكاية، ورغم ذلك ما زال يوسف يتذكرها بدقة، كانوا طلبة في الصف الثالث الإعدادي عندما طلبت منهم معلمة الرسم التعبير عن بعض المفاهيم بالصور، الحياة.. الحلم.. الحب.. الأمانة.. الذوق.. الحرية وهكذا، ولما حاول معظمهم رسم وجه عزيز للتعبير عن الذوق أطلقوا عليه اسم "عزيز الذوق". 

انتهى يوسف من الحكاية وقطع ضحكهما ليقول، كمن اكتشف للتو، أن المعلمة لم تقصد ذلك النوع من الذوق أصلًا، ثم عاود الضحك. لكن عزيز لم يفعل. تغيرت ملامحه وبدا كمن تقدم في العمر خلال الدقائق الماضية، وبنبرة من يتحدث إلى قسيس في جلسة اعتراف قال إن اسم "عزيز الذوق" طوق عنقه وخنق حياته وأثقل كاهله. 
- لسه بحسدك يا جو.. أنت لما ظهرت في كراسات الرسم، ظهرت مع الحلم والحرية. أنا نفسي لما عبرت عن الحياة حاولت أرسمك، والبنات.. وكلنا.

حاول يوسف تغيير مجرى الحوار، وتشبث به عزيز بكل قوته، كان كمن حشد هموم نصف قرن ليلقيها دفعة واحدة، تحدث كثيرًا وقال كل شيء، تحدث عن زواج بلا سعادة، ونجاح عديم النفع، وحياة أقرب لحياة المنحوتات الرديئة. حكى عن الندم. ذلك الشعور الذي لا تنطبق عليه مقولة "أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي"، فالندم الذي لا يأتي في الحسبان قبل فوات الأوان غير مرحب به، لعنة الله على كل شيء يا يوسف.
- تعرف يا يوسف؟ أنا أكتر حاجة ندمان عليها إني عمري ما اتخانقت مع حد! عمري ما ضربت ولا اتضربت.. حتى لما كنت اتفرم في الشغل أو ييجي مدير جديد ويقرفني، كان دا يحصل بشكل ممل، مفيهوش روح ولا حياة. نفسي أتضرب مرة مش هقولك أضرب. 

لم يعلق يوسف على الجملة الأخيرة، فقط اقترب من عزيز ولكمه لكمة قوية في وجهه! سال الدم من وجه عزيز الذوق وهو يسب ويلعن، سعل بشدة وحاول يوسف تهدئته، فقال عزيز إنه لم يقصد هذا.. إنما قصد شجارًا حقيقيًا. فنصحه يوسف بالذهاب إلى الرجل الجالس ناحية اليسار والشجار معه. ثم قال إن الأمر في غاية البساطة، يكفي أن تبادر أحدهم بالسباب ليقف وتصفعه على وجهه وتترك نفسك للحياة بعد ذلك! هكذا بسهولة. 

تردد عزيز بالطبع، هذا هو الجنون بالنسبة له، كيف له أن يذهب لشخص لا يعرفه ويحدثه بالبذاءات عن والدته التي لا يعرفها أيضًا! بل ويصفعه أيضًا. لكن أغراه يوسف بالمغامرة واقتناص الفرصة، ألح عليه كثيرًا وذكر له كيف يمضي العمر ولا يبقى منه غير الندم على ما فات، حاول عزيز أن يقاوم ولكن رضخ في النهاية.

لم يستمر الشجار لأكثر من سبع دقائق، كل تلك الشتائم والصفعات والركلات واللكمات لم تستغرق أكثر من سبع دقائق، عجوزان يلتقيان للمرة الأولى ويكيل كل منهما اللكمات للآخر، بدا الشجار عبثيًا كالمسرحيات الكوميدية وفقرات السيرك، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة للدكتور عزيز. فقد أنهى الشجار ثملًا وابتسامته تملأ كل وجهه، كان سعيدًا كشاب نال شهادة الإعفاء من التجنيد. لكن سعادته لم تدم. فقد بكى فجأة كطائر اكتشف للتو حقيقة "خيال المآتة".. بكى وخرج من المقهى. ولم يعد في اليوم التالي. ولا في أي يوم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ليس سوى عراق

موت بمواعيد واضحة