"ظاهرة "إدمان البورن" في زمن كورونا تحفّز شركات تقنية ناشئة مناهضة للإباحية

(Getty Images)

ألتراصوت- فريق الترجمة 

يربط مختصون بين الإدمان على المواد الإباحية وبين مشاكل الانتصاب وتدهور العلاقات الأسرية والعاطفية والاكتئاب، كما يجادل كثيرون بأن الانتشار الهائل للبورن اليوم يؤدي بشكل متزايد إلى إضعاف شهوة الرجل وجعل المرأة الحقيقية تظهر على أنها "بورن غير مثير"، مما يؤدي إلى خفض "القيمة الجنسية" للمرأة في الواقع وفي العلاقات الطبيعية. رغم ذلك فإن الظاهرة تتزايد، واستهلاك المقاطع الإباحية يتضاعف من عام إلى آخر، ولاسيما في العامين الماضيين مع تفشي جائحة كورونا. إلا أن شركات تقنية ناشئة بدأت تتعاون مع المعالجين والمختصين من أجل تقديم حلول تقنية تساعد على التخلص من هذه العادة في حال تطوّرها إلى إدمان مزمن أو مرضيّ. في هذه المادة المنقولة بتصرف عن الغارديان البريطانية المزيد من التفاصيل:


بالنسبة لبعض الأفراد، فإن مشاهدة المقاطع الإباحية يصبح عادة يوميّة، تستنزف الكثير من الطاقة والتركيز، ويصعب إشباعها. هذه الحالة تتسبب لدى العديد من الشباب، وربما الفتيات، بحالة من الانسحاب والشعور بتأنيب الضمير وربما العار، إلى حد يدفع إلى التفكير بالانتحار في بعض الحالات الموثقة، والتي تستدعي التنبه والرعاية الفورية.

العديد من المصابين بهذا النوع من الإدمان السلوكي يتجنبون الإفصاح عن مشكلتهم للأطباء أو المعالجين النفسيين في حال توفرت لديهم الفرصة لذلك، كما أنهم يتجنبون الحديث عن الأمر برمّته مع الأسرة. فيتم اللجوء إلى تناول الأدوية، أو الإدمان بشكل أكبر على الكحول أو التوجّه نحو المخدرات، ليدخل في حلقة مفرغة من انعدام التركيز والحضور واحترام الذات. أحدهم، قرر أن يلجأ إلى جوجل، ويبحث في الإنترنت عمّا إذا كانت هنالك طريقة تساعد في التخلص من مشاهدة البورن.

اقرأ/ي أيضًا: إدمان الجنس عبر الإنترنت.. آثار اجتماعية ونفسية تلاحق الفتاة أيضًا

وفرة هائلة في المحتوى الإباحي

الجدال الأخلاقي الأساسي فيما يتعلق بالإباحية هو أن المقاطع المنتشرة على الشبكة في مواقع ضخمة هي جزء من قطاع تقدر قيمته بمليارات الدولارات، ومن الصعب، حاليًا على الأقل، كبح جماح هذا القطاع الذي أثر على الغالبية العظمى من مرتادي الإنترنت، من كلا الجنسين، ومن جميع الفئات العمرية، حتى من الأطفال. لكن الإباحية، في أشد جوانبها المأساوية واللاأخلاقية، هي قطاع يعتمد في بعض الأحيان على التجارة بالبشر، والاغتصاب، والابتزاز، والاستغلال، وسرقة الصور والمقاطع، كما أنها تؤثر بشكل عميق على تصور المشاهد لطبيعة العلاقة الجنسية، مما يسبب مشاكل اجتماعية معقدة، إضافة إلى التأثير السلبي لها على ثقة الشباب والفتيات بأنفسهن، نظرًا لطبيعة الأجساد والأشكال غير الواقعية التي يتم استخدامها في تلك المقاطع. كما أن مقاطع الفيديو الإباحية المنتشرة على الشبكة تعجّ بالعنف والأفعال المهينة ضد الإنسان، خاصة ضد المرأة. المشكلة هو أن الإباحية متوفرة بسهولة، كما تتوفر مياه الشرب، أو ربما أسهل. فهذا القطاع مسيطر عليه من قبل شركة "مايندغيك" (MindGeek)، وهي شركة كندية تملك عدة مواقع إباحية، مثل مواقع "يوبورن" وبورن هاب". هذا الموقع الأخير يزوره يوميًا 130 مليون مستخدم، وقد تزايدت الحركة عليه بنسبة 20 بالمئة العام الماضي في ظل جائحة كورونا.


شهدت المواقع الإباحية قفزة هائلة في الزيارات خلال الأشهر الأولى من الجائحة (Getty)

وقد حاولت بعض الدول في أوروبا وغيرها فرض قواعد على المواقع الإباحية، من بينها محاولة باءت بالفشل في المملكة المتحدة تدعو تلك المواقع لتطبيق آلية للتحقق من العمر للأشخاص الذين يرغبون بولوج المحتوى عليها، إلا أن ذلك لم يتمّ بسبب مشاكل تقنية وقلق بشأن الخصوصية وبيانات المستخدمين. هذا يترك الوالدين في المواجهة وحدهم لضبط المحتوى الذي يمكن للطفل، في المنزل على الأقل، التعرض إليه، على أمل أن لا يكون الأبناء يشاهدون هذا المحتوى وهم خارج البيت.

اقرأ/ي أيضًا: بنقرة واحدة.. موقع إلكتروني "مرعب" يركّب صور النساء على مقاطع إباحية

هذه الوفرة الهائلة في المحتوى الإباحي وسهولة الوصول إليه زادت من فرص "إساءة الاستخدام"، عبر الإفراط في مشاهدتها إلى حدّ الإدمان المرضيّ عليها، خاصة بين الرجال والشباب الذين نشأوا في عصر سرعة الإنترنت. فالمتابعة بداعي الفضول تتحوّل لدى العديدين إلى إدمان يصعب إشباعه، كما أن هذا الإدمان يدفع إلى البحث عن أشكال أكثر غرابة من المحتوى الإباحي، كالمحتوى الجنسي العنيف، وذلك لإشباع المزيد من النزوات والخيالات التي يولّدها نمط المشاهدة المرضيّ.

إلا أن ثمة حملات ومبادرات مجتمعية تسعى إلى مواجهة هذه الآثار السلبية لاستهلاك المواد الإباحية والتعاطي معها، خاصة وأن هذا القطاع محكوم بالطلب، بمعنى أن ثمة مستخدمين يطلبون هذا النوع من المحتوى ويستهلكونه باستمرار، ولديهم الاستعداد للتحول إلى الاشتراكات المدفوعة لو لزم الأمر، وهنالك أيضًا بيئة تقتات على هذا النوع من الصناعة، من القوادين والمهربين والعصابات الإجرامية الذي يستخدمون المقاطع الجنسية المصورة للنساء والفتيات والرجال والصبيان من أجل إنتاج محتوى قسري يجري استهلاكه من أجل تحقيق أرباح هائلة، على حساب هذه الدائرة من الاستغلال.

فرصة لمبادرات العلاج وريادة الأعمال

جاك جانكنز، ليس من النوع الذي عانى من مشاكل إدمانية مع المحتوى الإباحي، ولكنه اكتشف هذا العالم مبكرًا، في سن الثالثة عشرة. تظهر الأبحاث في بريطانيا أن 51% من الأطفال بين عمر 11 و13 عامًا على الأقل قد شاهدوا الفيديوهات الإباحية، ويرتفع هذا الرقم إلى 66% على الأقل بين المراهقين، من عمر 14 إلى 16 عامًا (علمًا أن استبيانات أخرى تؤكّد أن هذه النسب متواضعة جدًا على الأرجح مقارنة بالواقع). لكن جنكنز، في لحظة صفاء روحية أثناء ممارسة نوع من العبادة التأملية البوذية، قرّر أن يخلّص نفسه من أي وارد سلبي، بما في ذلك المشاهد الإباحية، وقال إنه لم يعد يريد أن يتعرض لهذا اليء في حياته بعد الآن.

عندها لاحت لجنكنز فرصة قد تفتح له بابًا للاستثمار والعمل ومساعدة الآخرين. فقد أمضى ساعات وساعات وهو يبحث على الإنترنت على السبل والأدوات المتوفرة لدى أولئك الذين يعانون من مشاكل إدمان مع المحتوى الإباحي، أو يريدون أن يتخلصوا من تلك العادة بشكل نهائي، سواء أولئك الذين يتعاطون الإباحية بشكل معتدل مثله، أو المدمنين الذي يشاهدون الأفلام الإباحية لمدد تصل إلى 10 ساعات في اليوم، والمساحة المتوفرة لهم على الشبكة لمناقشة مشاكلهم وطلب المساعدة. وقد تبين لجنكنز أن الرجال لا يجدون مساحة مريحة على الإنترنت لمناقشة مشاكلهم بعيدًا عن التنمّر أو إطلاق الأحكام من قبل الآخرين.

 الرجال لا يجدون مساحة مريحة على الإنترنت لمناقشة مشاكلهم بعيدًا عن التنمّر أو إطلاق الأحكام من قبل الآخرين

لذلك قرر جنكنز إنشاء برنامج أطلق عليه اسم "ريموجو" (Remojo)، والذي يصفه بأنه "البرنامج الوحيد في العالم المصمم لحظر المحتوى الإباحي والتخلص من إدمانه". البرنامج يعتمد على اشتراك بسيط، ويوفر لمستخدمه تقنية مصممة بحيث تجعل من المستحيل تجاوزها، تساعده على حظر وتنقية جميع المواقع الإباحية، والمحتوى الإباحي على منصات التواصل الاجتماعي وغيرها، وهو تطبيق يمكن استخدامه على جميع الأجهزة التي يملكها المستخدم، من الهاتف والحاسوب والجهاز اللوحي. كما يوفر تطبيق "ريموجو" محتوى متخصصًا بالمسائل المتعلقة بالبورن واستهلاك المواد الإباحية وأثرها على الجسم والصحة النفسية، إضافة إلى النقاشات الأخلاقية والسياسة المتعلقة بصناعة المحتوى الإباحي على الشبكة. كما يوفر التطبيق مواد مسموعة ومقابلات صوتية وجلسات تأمل إرشادية، إضافة إلى منتدى للنقاش يحفظ هوية المستخدم ولا يكشفها لبقية المستخدمين.

ومنذ إطلاق التطبيق في أيلول/سبتمبر 2020، نزل هذا التطبيق والأداة أكثر من 100،000 مستخدم، ويصل عدد مرات تنزيل التطبيق حاليًا إلى 1،200 مرة يوميًا. أما الشركة التي توظيف حاليًا 15 شخصًا في كل من لندن والولايات المتحدة، فقد جمعت أكثر من مليون دولار أمريكي في جولات التمويل من ثمانية مستثمرين.

منذ إطلاق التطبيق في أيلول/سبتمبر 2020، نزل هذا التطبيق والأداة أكثر من 100،000 مستخدم، ويصل عدد مرات تنزيل التطبيق حاليًا إلى 1،200 مرة يوميًا

بحسب تقدير جنكنز، فإن 90 بالمئة من المستخدمين من الذكور، وكثير منهم من دول ذات نسب أعلى بالتديّن، مثل الولايات المتحدة والبرازيل والهند (مقارنة بالمملكة المتحدة) لكن جنكنز يوضّح أن تطبيق "ريموجو" الذي يكلف الاشتراك به 4 دولارات شهريًا، لا ينطلق من فلسفة مناهضة للبورنوغرافيا أو الاستمناء، وهو لا يتبنى إجمالًا أي منطلقات تطهّرية، إلا أنه باختصار، وعلى حد تعبير جنكنز تطبيق يرى أن الإنسان "حين يجلس مع نفسه ويفكّر بلحظات راحته، فإنه سيرى بأنها تلك اللحظات التي يكون متخلصًا به من البورن".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

بنقرة واحدة.. موقع إلكتروني "مرعب" يركّب صور النساء على مقاطع إباحية

من الإباحية إلى الشهرة والثراء: نجوم سينما بدأوا حياتهم في أعمال إباحية

إدمان الجنس عبر الإنترنت.. آثار اجتماعية ونفسية تلاحق الفتاة أيضًا