شين بلاك في فيلم

شين بلاك في فيلم "الرجال الطيبون".. كوميديا العنف

صورة من فيلم "الرجال الطيبون" للمخرج شين بلاك

في بداية فيلم المخرج شين بلاك "الرجال الطيبون"، يحاول هولند مارش (رايان غوسلينغ) اقتحام متجر لأخذ إيصالات بعد أن رفض النادل مساعدته. وإن كنتَ قد شاهدت أي فيلم تحقيق فسيبدو لك المشهد عاديًا. وأنت الآن تعرف ماذا سيحدث: يجب على "مارش" أن يلف قطعة قماش على يده، يكسر الزجاج، يفتح الباب، فيأخذ الإيصالات. العملية سهلة جدًا. لكن في هذا المشهد أخذت الأحداث منحى مختلفًا.

مارش لف قماشة على يده، كسر الزجاج، فجرح يده، وبدأ ينزف بشدة. ثم ننتقل إلى مشهد حيث نراه يصرخ في سيارة الإسعاف. ما قام به المخرج والكاتب شين بلاك في هذا المشهد هو أخذ واحد من أكثر كليشيهات قصص التحقيق، محفزًا المشاهد على توقع الأحداث، ثم يدمر توقعاتنا حين لا نكون منتبهين.

وهذا ما خلق مقطعًا مضحكًا ومفاجئًا. هكذا أعلن المخرج أن هذا الفيلم ليس فيلم تحقيق عادي، وليس فيلم كليشيهات، بل هو نوع آخر، هو فيلم يندرج تحت خانة الكوميديا السوداء.

فيلم الرجال الطيبيون ليس فيلم تحقيق عادي، وليس فيلم كليشيهات، بل هو نوع آخر، هو فيلم يندرج تحت خانة الكوميديا السوداء

الفيلم هو ثالث أعمال بلاك في الإخراج السينمائي، بعد Kiss Kiss Bang Bang وIron Man 3. وقبل أن ينتقل للإخراج في العام 2005 كان قد أسس لأسلوبه الخاص في القصص، من خلال كتابة سيناريوهات لأفلام حققت نجاحات وشهرة مهمة في هوليوود كأفلام Lethal Weapons وThe Long Kiss Goodnight.

أقرأ/ي: أسوأ أفلام تحدثت عن العرب

فيلم" الرجال الطيبون" تدور أحداثه في العام 1977، عن التقاء المحقق المستقل هولند مارش (رايان غوسلينغ) بجاكسون هيلي (راسل كروو) برجل مرتزقة يضرب الناس من أجل المال.

وفي حين كان مارش يبحث عن ممثلة أفلام إباحية مفقودة، تقوده الخيوط إلى بنت اسمها أميليا التي تستأجر هيلي ليجبر مارش التوقف عن البحث عنها بطريقته الخاصة. ثم يجتمع الاثنان ليبحثا عن أميليا، ويكتشفان أن القصة قد تكون أكبر منهما، يتخللها كشف مؤامرة من الدولة من خلال فيلم إباحي.

براعة بلاك تكمن في قدرته على استخدام العنف والكوميديا كجزء من القصة. وهو شيء يميزه كثيرًا عن الأفلام التي تندرج تحت نوع الأكشن الكوميدي.

لو عدنا إلى مشهد كسر الزجاج، فسنجد أن عنصر الإثارة هنا لم يكن مجرد محرك أو إلهاء عن القصة. بل هو عنصر أساسي في قصصية الفيلم، فأولًا يخبرنا عن شخصية مارش أكثر، ومحاولاته في أن يكون محققًا محترفًا، وثانيًا إصابته موجودة بشكل دائم في الفيلم، لم تنتهي عن هذا المشهد فقط، وأخيرًا المشهد وظف كوميديًا بشكل جيد.

العنف ومشاهد الأكشن في السينما الشائعة، المنتشرة في الصالات على مدار السنة، مختلفة عما يقدمه بلاك. فنجد في الأفلام أن أغلبية المشاهدين من هذا النوع، منفصل كليًا عن القصة حيث إنها لا تؤثر على الأحداث، ولا توظف لإظهار صفات أخرى عن الشخصيات.

بل غرضها الأساسي أن تكون طعمًا للمشاهد لكي يأتي للسينما، ثم ملأ وقت الفيلم الفارغ من الأحداث الدرامية، وإلهاء المشاهد عن الحبكة والقصة الضعيفة.

في الفيلم نجد أنفسنا، نشاهد كولاج بين فيلمين. بعد مشهد متعب لرجل آلي يدمر نصف مدينة نيويورك، نعود إلى القصة قليلًا، ثم نرجع إلى مشاهد الأكشن.

وهذا الأمر يزداد سوءًا في حال كان الفيلم أكشن كوميدي، حيث علينا الانتقال بين كولاج في ثلاثة أفلام، الفيلم الذي يحوي القصة -على ضعفها وسطحيتها- مشاهد الأكشن والعنف، وبعض النكات أو المشاهد الكوميدية. والكوميديا في هذه الأفلام هي عبارة عن مقاطع حوارية ضعيفة، فإما ترمي الشخصية نكتة، أو يكون هناك حوار حاد بين شخصين يهينان بعضهما.

لهذا يمكننا القول إن مهارة بلاك تكمن في دمج هذه العناصر الثلاثة في فيلم متناسق وبقصة مترابطة. الأكشن والكوميديا عند بلاك هو جزء لا يتجزأ من حبكته. نجاحه أولًا في خلق شخصيات مثيرة للاهتمام يمكننا التعلق بها. وإدخال الأكشن بطريقة مرنة، تحرك الحبكة إلى الأمام، أو تخبرنا أكثر عن الشخصيات.

اقرأ/ي أيضًا: فلسطين والسينما المصرية.. حضور نادر

والأهم هو إعطاء كل هذا طابع كوميدي، في كونها موجودة دائمًا في القصة. أما استخدام كوميديا الموقف أو غرابة بعض المشاهد.

حرفة بلاك الجيدة في خلق أكشن بكوميديا سوداء هو نوع قليل ما نراه في السينما هذه الأيام

وكون الفيلم يطغى عليه طابع التشاؤم، حتى في الكوميديا، فمثلًا مكتوب على يد مارش "لن تكون سعيدًا أبدًا"، أو في شرح هيلي نظرته إلى الزواج أنه "شراء بيت لشخص تكرهه"، أو في إخبار ابنة مارش لأبيها أنه "أسوأ محقق في العالم". لهذا يمكننا القول إن الفيلم يميل أكثر لكونه كوميديا سوداء.

رغم محاولة بلاك تقديم قصة لها بعد ثقافي-سياسي، على غرار فيلم Chinatown. إلا أنه لم ينجح في تقديم العمق المطلوب، وبنية القصة متصدعة قليلًا. حيث إن تشابك بعض الأحداث حرمنا من نهاية لها.

تمثيل غوسلينغ وكرو أعطى للفيلم ثقلًا لزجًا من خلال خلق دينماكية لطيفة بين الشخصيتين. وأدائهما الكوميدي كان طبيعيًا ومضحكًا من غير سذاجة.

لكن النجم الحقيقي في هذا الفيلم كان تمثيل الطفلة أنغوري رايس في دور ابنة غوسلينغ، التي أضافت للفيلم روحًا مختلفة بشخصيتها التي تحب المخاطرة.

كان الفيلم إيماءة جميلة لأفلام السبعينيات، وحرفة بلاك الجيدة في خلق أكشن بكوميديا سوداء هو نوع قليل ما نراه في السينما هذه الأيام.

يعتبر هذا الفيلم من أفضل أفلام سنة 2016، بنص وإخراج يرقى بالنوع عن منافسيه ويبتعد عن كليشيهاتهم، وبحبكة مقبولة.

اقرأ/ي أيضًا:
نزهة في الغابة.. مغامرة عجوز لا تعيد شباب الحكاية
فيلم "Borrowed time".. تعميم الرسوم المتحركة