شيفرة الاحتجاج الجزائري.. من حرق الجسد إلى تعريته

شيفرة الاحتجاج الجزائري.. من حرق الجسد إلى تعريته

احتجاجات سابقة في الجزائر العاصمة (الأناضول)

حين أحرق الشّاب التّونسي محمد البوعزيزي نفسه عام 2011، احتجاجًا على ظلم تعرّض له من طرف إحدى الشّرطيات، وشكّل ذلك شرارة ألهبت ثورة التّونسيين، أخذ عنه عشرات الشّباب الجزائريين الفكرة والطريقة، ونفّذوها في أكثر من موقع حكومي احتجاجًا على حقّ مهضوم أو مطلب مؤجّل أو حلم مجهض.

صورة المحتجّ الكهل، كما يظهر منها، تحوّلت في غضون ساعات قليلة إلى أيقونة في "فيسبوك"، حيث تداولها وعلّق عليها روّاده من الجزائريين، بين معجب بالفكرة وشاجب لها

نقلت الصّحافة المستقلّة ومواقع التّواصل الاجتماعي معظم تلك الحالات، التي لم تؤدّ إلى ثورة شعبية، رغم توفّر دواعيها، بالنّظر إلى خصوصية الحالة الجزائرية، التي سبق لها أن خاضت التّجربة في تسعينات القرن العشرين، رغم اختلاف السّياقات، وأدّت بهم إلى أن يخسروا عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين والمعطوبين، مما دفع بهم في النهاية إلى أن يتفادوا الوضع بقبول مشروع المصالحة الوطنية، الذي اقترحه الرّئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة.

عرف الفضاء الجزائري بعدها أنماطًا أخرى من ممارسة الاحتجاج، مثل الاعتصام الشّعبي في السّاحات العامّة، كما حدث في مدينة عين صالح في أقصى الجنوب مثلًا احتجاجًا على الأضرار المترتّبة عن مشروع استخراج الغاز الصّخري، والمسيرات الطويلة مثلما فعل قطاع واسع من المعلّمين، الذّين ساروا من مدينة بجاية إلى الجزائر العاصمة على مسافة 300 كيلومتر، والاعتصام داخل المؤسسات مثلما فعل الأطبّاء المقيمون، والإضراب الجماعي عن الطعام، مثلما فعلت نخبة من النّشطاء السّياسيين والحقوقيين.

كلّ هذه الأنماط معروفة ومتوقعة لدى الجزائريين. ما ليس معروفًا ومتوقّعًا أن يُقدم أحد المواطنين على الاحتجاج من خلال خلع ثيابه كلّها، سامحًا للحاضرين بأن يصوّروه وينشروا صوره في مواقع التواصل الاجتماعي، مثلما حدث مع أحد المواطنين في مخرج الجزائر العاصمة، حيث تعرّى تمامًا واعتلى سيّارته ليكون ظاهرًا أكثر للعيان، رفضًا منه لسحب الشّرطة لرخصته الخاصّة بالسّياقة.

صورة المحتجّ الكهل، كما يظهر منها، تحوّلت في غضون ساعات قليلة إلى أيقونة في "فيسبوك"، حيث تداولها وعلّق عليها روّاده من الجزائريين، بين معجب بالفكرة وشاجب لها، ومن عدّل الصّورة فغطّى عورة الرّجل، ومن تركها كما هي. غير أن الصّدمة تحقّقت في كلتا الحالتين.

اقرأ/ي أيضًا: تخييط الأفواه وتمزيق الجسد..لغة الاحتجاج الجزائرية

ويقرأ الباحث في علم الاجتماع محمّد بن زيان الحادثة في سياق نفسية الجزائري، الذي تراكمت عليه جملة من المتاعب والضّغوطات، في ظلّ صمته وصبره، اللذين فرضهما عليه خوفُه من مباشرة احتجاجات عنيفة، "ممّا قد يورّطه في العودة إلى عشرية العنف والإرهاب، وهو الخوف الذي عوض أن تبني عليه الحكومة مشروعًا إصلاحيًا حقيقيًا، راحت تتمادى في سياساتها التّرقيعية".

رمزية التعرّي التّام على مسمع ومرأى النّاس في المخيال الشّعبي الجزائري، تعني أنّ الفاعل وصل إلى قمّة الغضب واليأس

ويضيف بن زيان في حديث مع "الترا صوت"، أن رمزية التعرّي التّام على مسمع ومرأى النّاس في المخيال الشّعبي الجزائري، تعني أنّ الفاعل وصل إلى قمّة الغضب واليأس، "وهي عادة يتعامل معها الجزائريون على أنها بديل للانتحار، لذلك فهم يشجبونها ويستاءون منها، لكنهم لا ينبذون فاعلها بعد وقوعها". مشيرًا إلى أنه يجب الوقوف من طرف منظومات كثيرة معنية على قراءة الحادثة، باعتبارها تؤشّر إلى انتقال فعل الاحتجاج في الشّارع الجزائري من رمزية حرق الجسد إلى رمزية تعرّيته.

ومن المتوقّع، بفعل التعسّفات والإكراهات المختلفة التي يعيش في ظلّها الجزائري اليوم، أن يصبح هذا النّوع من الاحتجاج ظاهرة شعبية، وهو ما قد يعطي انطباعًا عن حركات احتجاج جماعية قادمة، إذا استمرّت السّلطة السّياسية في الاستقالة من تلقّي الإشارات الشّعبية المشحونة بالرّموز، والتعاطي معها بسطحية وارتجال.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

احتجاجات الجزائر.. العيش الكريم أولًا ودائمًا

الجزائر.. حراك اجتماعي متصاعد