مناورة بوتفليقة حول الضمير الديني للجزائريين

مناورة بوتفليقة حول الضمير الديني للجزائريين

ظهر بوتفليقة أخيرًا بعد ست سنوات من الغياب (رمزي بودينا/ رويترز)

"طلع البدر علينا"، كانت أكثر التّعليقات، التي تعاطى بها الجزائريون مع ظهور الرّئيس عبدالعزيز بوتفليقة، في زيارة فجائية، رغم إعلان مؤسّسة الرّئاسة عنها أيّامًا قبل حدوثها، لأنها لم تجد من يصدّقها من الجزائريين، حتى رأوه بأمّهات أعينهم "يلوّح" لهم، بعد غياب دام سنوات، ما عدا بضع إطلالات خاطفة في التّلفزيون الحكومي يكفي الفارق الزّمنيّ بين الواحدة والأخرى لإنجاب طفل، وهي الأخرى حظيت بتكذيب قطاع واسع من الجزائريين، لسريان إشاعة تقول إنها مركّبة وملفّقة.

ظهر عبدالعزيز بوتفليقة أخيرًا بعد غياب ست سنوات في مفاجأة بالنسبة للجزائريين الذين لم يصدقوا أنه ثمة أمل لظهوره مجددًا

غاب الرّئيس منذ عام 2012، وحضرت عوضًا عنه أخبار مرضه وموته وقرب انسحابه واستبداله وما شابهها من أخبار، حتى باتت عملية إعادة طلاء مقبرة "العالية"، التي تضمّ المربّع الرّئاسي، الذي يضمّ رفات كلّ رؤساء البلاد الرّاحلين، كافيةً لتأجيج الاعتقاد بأن الرّجل التحق بالرّفيق الأعلى.

اقرأ/ي أيضًا: بوتفليقة يتلقّى رسالة شعرية.. هل مرضك قدرنا؟

وأمام صدمة أو فرحة الظهور الاستثنائي له، يجدر أن نذكر بعض الخرجات، التي قام بها المحيط الرّئاسي، طيلة سنوات الغياب، لإقناع الجزائريين بأن الرّجل بخير ويحكم البلاد كما يجب ويليق. وأنّ المهمّ هو كونه يملك عقلًا متّقدًا ومتفاعلًا، وهو ما يجب التّركيز عليه، بدل التّركيز على حركاته ونظراته وابتساماته الذّابلة.

ومن هذه الخرجات، ترتيب لقاءات له بنخبة من وجوه الخارج البارزة، كان آخرها الرئيس الفرنسي الشابّ إيمانويل ماكرون، وذكر الصفتين في هذا السّياق لهما دلالة خاصّة، وقد ذهبت بعض وجوه الدّاخل، من غير تمييزها بصفة معيّنة، إلى تعويض الرّئيس بصورته، إذ راح رئيس الحزب الحاكم يخاطبها في أحد تجمّعاته، كما صافحها نخبة من رجال القانون.

وارتبط ظهور الرّئيس بوتفليقة هذه المرّة، بالإشراف على إعادة فتح مسجد "كتشاوة" العائد إلى الفترة العثمانية في البلاد، وقد أشرفت على ترميمه الحكومة التّركية لهذه الخلفية، وكذا افتتاح الموقع الأثري الرّوماني، الذي اكتشف حديثًا في قلب الجزائر العاصمة.

وهنا تطرح هذه الأسئلة نفسها: ما معنى الاهتمام بمسجد موروث عن العهد العثماني، وإهمال القصبة، التي تنتمي إلى الفترة نفسها، رغم تصنيفها ضمن التّراث الإنساني من طرف منظمة اليونيسكو عام 1992؟ إذ تكفي معاينة بسيطة لجنباتها وأزقّتها وبيوتها وسطوحها وجدرانها لإدراك مخاطر السّقوط التي تتهدّدها.

في حين لم يتدخل بوتفليقة لحل مشكلات الشعب الجزائري الأهم، ظهر في الصورة لافتتاح مسجد وموقع أثري!

لماذا قبلت الحكومة الجزائرية إشراف الحكومة التّركية على عملية ترميم المسجد، ورفضت طلبها الإشراف على التكفّل بعملية ترميم حيّ القصبة، الذي يشكّل نواة مدينة الجزائر منذ القرن الـ11؟ لماذا تزامنت إعادة فتح المسجد مع فتح الموقع الأثري الرّوماني؟

اقرأ/ي أيضًا: جمهورية الجنرال توفيق

إنّ قراءة بسيطة لطبيعة الذّهنية البوتفليقية القائمة على تقديس الذّات، فهو يتصرّف بصفته سلطانًا يملك الشّعب لا رئيسًا يملكه الشّعب. تجعلنا ندرك خلفية تركيزه في سنواته الأخيرة على المسجد ذي الرّمزية الخاصّة في المخيال الشّعبي العام. فالرجل لم ينجز مستشفى أعظم، رغم أنه اضطرّ إلى العلاج في فرنسا، لكنّه أنجز مسجدًا أعظم، رغم وجود 25 ألف مسجد في الفضاء الجزائري.

ولم يتدخّل كذلك بوتفليقة لوقف مجازر تحدث في مجال الغذاء، من ذلك تأكيد المنظّمة العالمية للصّحة على أنّ المشروبات والعصائر المستهلكة في الجزائر غير صحية تمامًا، لكنّه تدخّل لتعطيل قانون تحرير بيع المشروبات الكحولية.

وفي الوقت الذي لم تتحرّك فيه المؤسّسة الأمنية لتوقيف ناهبي المال العام، مع أن "ريحتهم طلعت" من خلال الصّحافة الحرّة، تحرّكت لتوقيف المختلفين دينيًا ومذهبيًا. وفي الوقت الذي سجن فيه شباب مدوّنون بتهمة التهكّم على الرّئيس، لم تتحرّك الحكومة لمسائلة عميد السلفيين ذي الحظوة السّعودية في الجزائر، وقد كفّر من لا ينتمي إلى مذهبه من الجزائريين.

هذه نماذج قليلة، من جملة عشرات الأدلّة، على أن الزّمن البوتفليقي أدرك عمق الضّمير الدّيني الشّعبي الجزائري، فراح يغازله من خلال جملة قرارات وسياسات وخرجات حتى يضمن البقاء في السّلطة ويبرّر ذلك بخدمة الدّين، عوضًا عن تبريره بخدمة المواطن. أمّا تزامن فتح المسجد مع فتح موقع أثري روماني، فهي رسالة للفضاء الغربي، مفادها أنه في سعيه لانتهاز أسلمة المجتمع بدل توقير إسلامه، لا ينسى البعد المتوسّطي والإنساني له.

تقوم الطبيعة الذهنية لبوتفليقة على تقديس الذات، فهو يتصرف كسلطان يملك الشعب، لا كرئيس يمكله الشعب

ماذا لو كان هذا الاستثمار السّياسي في الضّمير الدّيني الشّعبي باتجاه تثمين قيم العلم والعمل والرّوح المدنية؟ لماذا ساهم هذا الضّمير الدّيني في تحرير البلاد من الاحتلال، لكنّه استكان لحكومات الاستقلال في تعسّفاتها المختلفة؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

عصر بوتفليقة.. من تقديس الوطن إلى تقديس الفرد

عيد ميلاد بوتفليقة على فيسبوك.. وليمة للسخرية