تخييط الأفواه وتمزيق الجسد..لغة الاحتجاج الجزائرية

تخييط الأفواه وتمزيق الجسد..لغة الاحتجاج الجزائرية

تخييط الأفواه وتمزيق الجسد.. لغة الاحتجاج جنوب الجزائر(الترا صوت)

احتجاج من نوع خاص، طريقة في لفت انتباه الرأي العام، بالصورة والفعل دون الأصوات، مشاهد تخييط الأفواه والإضراب عن الطعام وتمزيق الجسد بـ"شفرات" الحلاقة وتعليق حبال حول الرقاب، هي مشاهد احتجاجات شباب عاطل عن العمل في محافظة ورقلة، 680 كيلومترًا جنوب العاصمة الجزائرية، وطريقة التعبير عن تذمرهم من التهميش والإقصاء، صور صادمة لكنها خطوة أخرى من التصعيد في احتجاج بدؤوه قبل شهر تقريبًا، من أجل الحصول على عمل يحصلون معه على العيش الكريم.

مشاهد تخييط الأفواه والإضراب عن الطعام وتمزيق الجسد وتعليق الحبال حول الرقاب، هي مشاهد الاحتجاجات الأخيرة في ورقلة الجزائرية

"لن نتكلم ولن نأكل" و"إما العمل أو الانتحار"، "أعطونا حقنا في الشغل"، "نحن ننام على البترول ولا نستفيد من مناصب"، هي شعارات العشرات من العاطلين عن العمل في محافظة "ورقلة" النفطية، كلمات تعبر عن رسائل استياء ورفض واستنكار للوضع السائد في المنطقة، التي تحوز أكبر نسبة من المحروقات في الجزائر.

اقرأ/ي أيضًا: الجزائر.. حراك اجتماعي متصاعد

وبرأي المتتبعين للشأن الاجتماعي والاقتصادي في الجزائر فإن ما يحصل هو تصعيد صارخ للاحتجاج على واقع البطالة في منطقة "ورقلة"، واستمرار لغضب الشباب العاطل عن العمل، فالمنطقة تشهد كل أسبوع اعتصامات على مستوى البلديات وإدارات المؤسسات الحكومية، وخصوصًا بمنطقة "حاسي مسعود"، عاصمة النفط والغاز في الجزائر، والتي تتوفر على العشرات من شركات الاستكشاف والتنقيب عن ثروات البترول والغاز.

وأخذت عمليات الانتحار المتفرقة هنا وهناك في عديد المدن الجزائرية، أبعادًا أخرى خطيرة، بحسب الباحث في العلوم الاجتماعية الأستاذ عادل لخضر، الذي أضاف: أن "طريقة تهديد شباب ورقلة بالانتحار عن طريق تخييط الأفواه وتشريح الجسد ما هي إلا وسيلة ضغط وإثارة لانتباه الرأي العام باعتبار انتهاجهم كل الطرق العادية والتي لم تجد نفعًا".

وذكر الباحث في العلوم الاجتماعية لـ"الترا صوت" أن "الانتحار في الجزائر أخذ طرقًا عديدة أهمها الحرق والارتماء من مكان عال ولهذا التصعيد ما يبرره واقعيًا، فالمحتجون يعتقدون بأن المنطقة البترولية استقطبت الآلاف من عمال المناطق الشمالية للجزائر فيما حرم سكانها من فرصة التوظيف".

اقرأ/ي أيضًا: احتجاجات الجزائر.. العيش الكريم أولًا ودائمًا

رغم ثراء محافظة ورقلة، جنوب الجزائر، بالمحروقات والشركات النفطية إلا أن شبابها يعاني التهميش والبطالة

في المقابل، يرى المختص في علم النفس الاجتماعي حسين عبد اللاوي أن "الأمر يتعلق بسلوك انحرافي ومرضي ظهر في الجزائر بعدما تلاشت آليات الضبط". ويضيف المتحدث: أن "هذا السلوك يرجع أساسًا إلى وجود فجوة أو فراغ ما بين المعايير والقيم والقواعد الاجتماعية من جهة والأفراد من جهة أخرى، فعندما يحدث الفراغ أو المفارقات يختار الأفراد الانتحار".

في السنوات السابقة كانت هذه الاحتجاجات بعيدة عن الأضواء وعدسات الكاميرا، حيث تقول المتابعة للشأن الاجتماعي الصحافية سندس بن سديرة، لـ"الترا صوت" أنها "كانت عبارة عن أفعال معزولة ولا ترتكب في الساحة العامة، لكن أصبح اليوم الانتحار سلوكًا ظاهرًا أو استعراضيًا، مثلما حدث في مدينة ورقلة".

ويرتبط الانتحار في الجزائر خاصة بالمشاكل الاجتماعية التي تفشت في المجتمع وخصوصًا الفقر والبطالة وعدم توفر السكن، وهي مشاكل أصبحت تعد من الأسباب الحقيقية لإقدام المواطنين على قتل أنفسهم. واعتبرت بن سديرة أن "تصرفات المحتجين الأخيرة تصنف ضمن المواقف الانهزامية والتدمير الذاتي، لكنها في نفس الوقت تعكس واقعًا متأزمًا وصعبًا".

من جانبه، يلفت المحلل السياسي أحمد حمداني إلى أن "هناك أغلبية صامتة في الجنوب الجزائري تعاني من التهميش"، مضيفًا أن "هذه الاحتجاجات تفتح ملفات سكان الجنوب الجزائري وتفتح معها جراح السكان وخصوصًا أصحاب الشهائد العليا العاطلين عن العمل ومن الملفات ما يتعلق بالجهوية والمحسوبية في التوظيف ومركزية القرارات في عمليات قبول تشغيل العاطلين في المناطق الصحراوية".

خلفيات وتراكمات خطيرة جدًا قد تنعكس من مشكل البطالة بالجنوب الجزائري، حيث يؤكد حمداني أن "الحكومة الجزائرية غفلت عن أن الجنوب وشبابه هو صمام أمان العمق الاستراتيجي لأن عملية تنمية مناطق الجنوب بإمكانها امتصاص البطالة والخفض من حدة الغضب في الشارع الجزائري عامة".

اقرأ/ي أيضًا:

"سونطراك 1".. مفتاح فضائح الفساد في الجزائر

نعيمة صالحي.. الواجهة النسوية الصاعدة في الجزائر