شارع محمد محمود اليوم.. محاولات طمس الهوية

شارع محمد محمود اليوم.. محاولات طمس الهوية

إحدى جداريات شارع محمد محمود سنة 2014 (محمد الشاهد/أ.ف.ب)

لمن لا يعرف شارع محمد محمود، فهو أحد أهم شوارع وسط القاهرة المتفرعة من ميدان التحرير، والذي شهد أحداثًا استثنائية ضمن فعاليات الثورة المصرية حتى بات اسم الشارع مقترنًا بالأحداث التي وقعت فيه قبل 6 سنوات ومقترنًا بعبارة "عيون الحرية"، وهو الاسم الذي استبدله الثوار لمحمد محمود لما وقع فيه من أحداث قنص لعيون المتظاهرين، كما أنه الشارع الأبرز والأشهر الذي خلد ذكرى الثورة وأحداثها عبر رسومات وجداريات كست أبنية الشارع بأكمله.

يمثّل شارع محمد محمود حدثًا خاصًا لكل من حضره سواء خرج منه سليمًا أو مصابًا، وشكّلت أحداثه منذ ست سنوات وجدان عدد كبير من جيل الشباب الحالي

تزامنًا مع ذكرى أحداث محمد محمود في كل عام والتي توافق التاسع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر، نجد أشخاصًا مجهولي الهوية يقومون بطمس تلك الرسومات والجداريات بدهن الأبنية الموجود بالشارع، وفي كل مرة يكون السبب مختلفًا، وفي كل مرة يُقال إنه سيسمح للرسامين بإعادة الرسم من جديد إلا أن رسومات عدة لم تعد موجودة بعد، وأحد أهم الرسومات الشاهدة على الثورة تم محيها، تلك الرسمة على جدار الجامعة الأمريكية التي جمّلت مدخل شارع محمد محمود من ناحية ميدان التحرير والتي حملت عنوان "اللي كلّف ماماتش".. تلك الرسمة تحديدًا مُحيت أكثر من مرة.

اقرأ/ي أيضًا: يكتبون أنفسهم على الجدران

وفي كل مرة كان يُعاد رسمها بإضافات تناسب الوضع الراهن، ففي البداية كانت صورة تحمل النصف الأيمن لوجه الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك والنصف الأيسر لوجه المشير حسين طنطاوي، لكن وفي كل مرة تُمسح تلك الرسمة وتُعاد بإضافة وجه آخر، مرة أحمد شفيق، ومرة محمد مرسي، ومرة عمرو موسى وهكذا، والآن أصبح مدخل الشارع قاتمًا كئيبًا بلا شاهد على الأيام الخوالي، واليوم بعد أسبوع واحد من الذكرى السادسة لأحداث محمد محمود، ظهر عدد جديد من العمال يطلون الرسومات القليلة المتبقية في الشارع.

إحدى الجداريات الشهيرة سابقا في شارع محمد محمود

إحدى الجداريات الشهيرة سابقا في شارع محمد محمود

يمثّل "محمد محمود" حدثًا خاصًا لكل من حضره سواء خرج منه سليمًا أو مصابًا بجرح أو ندبة أو عاهة ستلازمه بقية حياته، وأدّعي أن تلك الأحداث شكّلت وجدان عدد كبير من جيل الشباب الحالي، وكل منهم يحمل ذكريات من ذلك النوع الذي لا يُنسى، ملايين الذكريات والمشاهد الخالدة بالذاكرة البعيدة، وكل المحاولات المتكررة لطمس هوية الشارع وإعادة تشكيله مرة أخرى لن تنجح في المرور، فربما أصبح شكل الشارع مختلفًا ورائحته مختلفة وجدرانه شبه خالية من الرسومات التصويرية لمشاهد الثورة ورموزها وشعاراتها، ولكنه لا يزال الشارع نفسه في عقول كل من مرّ خلاله خلال فترة الثورة.

اقرأ/ي أيضًا: ما كتبه شهيد مجهول إلى صديقه

كل حكومة وردت مصر خلال السنوات الأخيرة كانت أغبى من سابقتها، وتعاملت مع جداريات شارع "محمد محمود" بمبدأ انتقامي لا يجدي نفعًا

عندما كنت متفائلاً ساذجًا أثناء أحداث محمد محمود وما بعدها، عزائي الوحيد كان يكمن في أن يومًا ما ستنجح الثورة وسيتحول ذلك الشارع إلى مزار سياحي شهير بقلب القاهرة، لن يُسمح بمرور السيارات من خلاله، سيُنزع الاسفلت القذر ويُستبدل بطوب حجري باهظ الثمن ليصبح ممشى شهير بجدران مرسومة تحكي تاريخ الثورة، كنت أمنّي نفسي بحكومة عاقلة تجني مليارات الجنيهات من السيّاح الزائرين ممن يريدون مشاهدة أحداث الثورة عن قرب وملامسة الجدران المتشبعة بدماء وعرق وبصمات المتظاهرين، ولكن كل حكومة وردت على تلك البلاد كانت أغبى من سابقتها، كل الحكومات تملك ذلك العقل الطفولي الصغير الذي يتعامل بمبدأ انتقامي مع المسائل التافهة التي لا تجدي نفعًا، فيجد انتصاره في مسح بضع رسومات على الجدران معلنًا انتصاره الزائف الغبي على الشعب الذي يحكمه.

إن محاولات طمس هوية شارع محمد محمود، وإن نجحت ظاهريًا، فلن تنجح في طمس هوية جيل بأكمله اختار أن يرسم أحلامه وطموحاته على جدران ذلك الشارع، ما تلك الرسوم إلا قشور سطحية لما وقر في قلوب المتظاهرين، وتدمير القشرة لن ينجح يومًا في إفساد القلوب، سيظل محمد محمود شوكة مؤلمة في حلق أي نظام قمعي، وستظل ذكراه خالدة مهما حاولوا تفريغها من مضمونها وتزوير حقيقتها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رسام "الكوميكس" عمرو عكاشة..صوت شبابي متفرد

الجدران لا تكذب.. من عبد الناصر إلى السيسي