سيَّاط اللُّو

سيَّاط اللُّو

لوحة لـ نزار صابور/ سوريا

نتبرَّم مِن الحياة ومِن سوء حظِّنا فيها، نتحسَّر على ما فات ونتطلَّع للآت وتجلدنا اللَّو..

لو التي تفتح عملَ الشيطان، وهي دالةٌ على امتناع الجواب لامتناع الشَّرط.

لو كنتُ.. لمَا صِرتُ..

لو لا فُلان.. لكان..

أرأيتَ أنَّ لا شيء تغيَّر بعد اللُّو في المثالين.

لقد استمعْتَ لهَسْهَستِها بداخلكَ مرَّات والأشياء ظلَّت هي هي، بلْ كما أُريد لها أن تكون، ولكن الذي تشقَّق، قفصُكَ الصدري وهو في غِنى عن ذلك، ولو أرَحْتَهُ مِن العذاب لكان خيرًا لك..

عُدنا للُّو قبلَ أرَحْتَهُ.. ومِن دون أنْ نشعر!

لماذا لا نستطيع التخلُّص من اللُّو؟

ببساطة لأنَّنا لا نربط نتائج الحاضر بأفكار الماضي، فكلُّ ما نعيشه الآن كان أفكارًا قديمة، صاحتْ بداخلنا، فنَمِّيناها واستجَبنا لإلحاحها حتَّى عَظُمتْ وبرزَتْ إلى سطح الحياة، فلماذا نلوم أنفسنا إذًا؟!

فقط هناك أُناس يستمِعون لصوت النجاح ويُقاتلون مِن أجله، وأُناس يستمعون لصوت الخيبة ويستسلمون للمثبطات مِن أوَّل خطوة.

لنتَعاطى أسباب الوُصول بجِديَّة، وإذا ما سبقَ القَدر فلنُسَلِّم قانعين.

أين الرِضى؟!

الرِضى مِن أعظمِ بواعث السعادة.

الرِضى بكلِّ شيء، بالمَنع والعطاء، بالسُّقم والشِّفاء، بالبؤس والرَّخاء..

ولكي يتحقَّق الرِضى لا بُدَّ مِن مُداومة الاتصال مع الله في كلِّ حين.

رُبَّما هذا الاتصال يبدو صعبًا لِمن ألِفَ طَرق أبواب المخلوقين أشواطًا مِن عُمره، فلو عَلِم أنَّ مَنفَعَته ومضرَّته ليستْ بأيديهم، وإنّما سُخِّروا لتتحقَّق المَنفعة والمَضرَّة لمَا وقف عند أبوابهم لحظة..

عُدنا للُّو قبلَ عَلِم.. ومِن دون أنْ نشعر.

ولماذا عُدنا؟.

لأنَّنا لم نتيقَّن بعد أنَّ اللُّو لا تُفيد، ومُستمسِكين بها، نضعُ عليها وِزرنَا، فتجلدُنا مُجدَّدًا.

لنستمْتع باللَّحظة التي نعيشها، أليس الغد في عِلْم الغيب؟

إنَّ الذي ركَّب جُملة تأمين المُستقبَل ركَّبها للخوَّافين على حياتهم، فزرَعَ في نفوسهم الهواجس وأعاشَهم دومًا قَلقين!

ولنقِف على اللُّو في آية مِن آيات الله.

"لو يجدون ملجأً أو مغارات أو مدخلًا لوَلّوا إليه وهم يجمحون".

يا سَلام على البلاغة!

يُفسِّرها الطنطاوي فيقول: المنافقون جُبناء، والملجأ اسم المكان الذي يلجأ إليه الخائف للاحتماء، والمغارات جمع مغارة، والمدّخل بتشديد الدال، اسم للموضع الذي يدخلون فيه بصُعوبة ومَشقَّة لضيقه، كالنَّفق، وقوله يجمحون، أي يُسرعون أشد الإسراع. مأخوذ مِن الجموح، وهوَ أن يغلبَ الفرس صاحبه في سيره وجَريِّه.

ففي الآية الكريمة تصوير مُعجز لِمَا كان عليه أولئك المنافقون مِن خوفٍ شديد مِن المؤمنين، ومِن بغضٍ دفين لهم، حتَّى أنَّهم لو وجدوا شيئًا مِن هذه الأمكنة التي هي منفور منها، لأسرعوا نحوها إسراعًا شديدًا، لكن إرادة الله فوق تمنيَّاتهم، لكي ينصر دينه غصبًا عن أُنوفهم وهم يُشاهدون.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ملاحظات على الهامش

ماذا لو كانت هذه الأغنية معطفًا؟