"سنة الأحلام الخطيرة".. لماذا انتفض العالم في وجه الأنظمة السياسية؟

تشترك الاحتجاجات حول العالم بأنها خرجت عفوية وبدون قيادة (Getty)

كان العالم قبل 51 عامًا يعيش على وقع الاحتجاجات الشعبية التي فجّرتها انتفاضة الطلبة الفرنسيين في آيار/مايو 1968. وأشار معظم التقارير التي تحدثت عن تلك الفترة إلى أن باريس كانت العاصمة التي أذنت بانطلاق الاحتجاجات الشعبية في مختلف أنحاء العالم حينها، وقُدم متظاهروها "الغاضبون" كرمز انضم مختلف الأيديولوجيات إلى صفوفهم، حيثُ يصف المؤرخون المتظاهرين عندما وضعوا المتاريس في الأحياء الباريسية بأنهم "كانوا أشخاصًا لا يعرفون شيئًا عن الثورة".

 بعد 50 عامًا على ثورة عام 1968 تعود الاحتجاجات لمختلف العواصم على الخارطة السياسية. لا يمكن تشبيه ما يحدث اليوم إلا بتلك الانتفاضة، حيثُ تئن الأنظمة تحت وقع الاحتجاجات المنادية بالتحول الديمقراطي

خلفت المشاهد التي عرضت عبر شاشات التلفاز عن احتجاجات باريس دفعًا كبيرًا لدى جيل الشباب في الدول الغربية، حيثُ ساهمت الشبكات الإخبارية بتقاريرها المسائية التي تنقل تطور الأحداث في باريس بشكل يومي، بتأجيج غضبة الشباب في مختلف أرجاء العالم، لتنتقل الاحتجاجات إلى العواصم الأوروبية ودول الأمريكيتين حتى وصلت حمى الاحتجاجات إلى "المدينة النائمة لندن"، باستثناء منطقة الشرق الأوسط التي كانت تشهد بالتزامن مع احتجاجات عام 1968 صراعات عسكرية على السلطة، أفضت في نهاية المطاف لاستلام الديكتاتوريات العسكرية الحكم.

أقرأ/ي أيضًا: المشكلة اللاتينية.. التحولات الديمقراطية تطيح باليسار المأزوم

تميزت احتجاجات 1968 بأنه لم يكن مخططًا لها مع الحركات الاحتجاجية التي عمّت باقي المدن الغربية، ومع ذلك كانت المطالب التي رفعها المحتجون متشابهة فيما بينها، مدفوعين برغبة التمرد على السياسات العالمية التي كانت تشهد يومها أفول موجات الديمقراطية، وطالبت معظم الاحتجاجات بإنهاء الحرب الأمريكية على فيتنام، وتحسين النظام التعليمي والاقتصادي، إضافًة لمطالب اجتماعية مرتبطة بالتعددية الثقافية، والحريات السياسية.

ورفعت الحركات الاجتماعية التي نشأت في المدن الأوروبية شعارات مناوئة للأيدلوجيا الشيوعية السوفيتية، حيثُ طغى على الحركات الأوروبية أفكار اليسار الراديكالي للتحرر من جميع القيود التي فرضها النظام العالمي المنقسم لمعسكرين، عندما كانت الحرب الباردة في ذروتها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

لم يستطع المحتجون في عام 1968 أن يصلوا إلى تحقيق مطالبهم، فقد بقيت دول الكتلة الشرقية التي انتفضت للاستقلال عن سياسة الاتحاد السوفييتي الشيوعية تحت حكمه حتى تفككه في عام 1991، وفي إسبانيا بقي الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو في الحكم حتى وفاته عام 1975. ويمكن إسقاط الأمر على مختلف المدن التي شهدت احتجاجات، حتى طلبة باريس أنفسهم لم يستطيعوا تحقيق معظم مطالبهم، قبل أن يشهد العالم موجًة من الديمقراطية منذ عام 1980 لكنها لم تستطع إنهاء الصراعات العسكرية في مناطق عديدة، أو على أقل تقدير كانت هذه الديمقراطية محصورًة في بعض المناطق، ولم تصل بطبيعة الحال إلى الشرق الأوسط.

أزمة النظام العالمي

أحد أهم ركائز السلام العالمي الذي تشهده الدول الغربية الكبرى يرجع للاتفاقيات السياسية المبرمة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ما بين عامي 1945 – 1950. يمكننا أن نستثني من هذه المعادلة اتفاقية سايكس – بيكو التي مضى على سنّها مائة عام، ونشهد فصول نهايتها حاليًا بما بات يعرف بـ"صفقة القرن"، والصراعات العسكرية التي تخيم على منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.

فعليًا بدأ استقرار النظام العالمي الجديد بانهيار الاتحاد السوفييتي، وتحوله لنظام القطب الواحد تحت مظلة الولايات المتحدة التي أصبحت "شرطيًا على العالم"، وشهد نوعًا من موجات الديمقراطية التي كانت تروج لها السياسات الأمريكية، قبل أن تنهار بإعلان واشنطن بالاشتراك مع لندن شن الحرب على العراق في عام 2003، بالتزامن مع تجدد موجة من الديمقراطية بصعود اليسار في دول الأمريكيتين قبل أن تنهار تحت سياسته الاقتصادية الفاسدة.

أما بالنسبة للراهن السياسي حول العالم، فإن أحد أهم الأسباب التي دفعت السكان في عدد كبير من دول العالم للاحتجاج، حسب عديد من الخبراء، كان الأزمة التي يواجهها النظام العالمي الجديد، نتيجة صعود الشعبويين وأحزاب اليمين المتطرف للحكم بسبب عدم تقديم الأحزاب الكلاسيكية برنامجًا واضحًا على مختلف الأصعدة أولًا، وتأجيجها للصراعات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط بسبب سياستها المتذبذبة ثانيًا، الأمر الذي نجم عنه تدفق اللاجئين إلى الدول الأوروبية للبحث عن الأمان، إضافًة للاجئي المناخ الذين تزايدت أعدادهم خلال السنوات الأربع الماضية.

الاتحاد الأوروبي مثالًا على انهيار النظام العالمي  

إذا أخذنا الاتحاد الأوروبي كنموذج لتحليل أزمة النظام العالمي، يمكننا ملاحظة ارتفاع الأصوات القومية المنادية بحماية الأوروبيين من التغيير الاجتماعي بسبب سياسة الأبواب المفتوحة للمهاجرين، مدفوعًة بسردية السلام والأمان، وهدفها يكمن في إعادة تأسيس مركزية سياسية للدولة القومية بناءً على النظام الاجتماعي التقليدي الذي كان يعيشه العالم سابقًا، مقابل تراجع الخطاب الديمقراطي المؤسس على تعزيز حقوق الإنسان.

تعزز هذا الخطاب بصورة واضحة مع فوز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة عام 2016، بعد رفعه شعار "أمريكا أولًا"، والتعاطي من وجهة نظر أحادية في السياسة الخارجية دون أن يمارس أي مشاورات مع الدول الحليفة، ومن الملاحظ أنه منذ تولي ترامب منصبه رسميًا في البيت الأبيض، بدأت الأحزاب اليمينية بتصعيد خطابها القومي لتعزيز المصالح الوطنية على مصالح استقرار النظام العالمي، وأعطى زخمًا قويًا لهذا الخطاب ظهور قوى سياسية مناهضة للديمقراطية في المجتمعات الغربية والشرقية.

تميزت احتجاجات 1968 بأنه لم يكن مخططًا لها مع الحركات الاحتجاجية التي عمّت باقي المدن الغربية، ومع ذلك كانت المطالب التي رفعها المحتجون متشابهة فيما بينها

يواجه الاتحاد الأوروبي اليوم أزمًة غير مسبوقة، ليست بدايتها دخول أحزاب اليمين المتطرف إلى البرلمان الأوروبي، أو انتظار الانتخابات البرلمانية التي ستقرر مصير بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، إنما بدأت مع السياسة الخارجية غير المتوقعة لإدارة ترامب، بعدما كانت واشنطن من أشد الداعمين لسياسة الاتحاد الأوروبي في إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، وكذلك الأمر مع ظهور أصوات مناهضة للاتحاد من الدول الأعضاء.

حتى أن الأزمة بدأت تطال حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي تأسس عام 1949، ويمكننا هنا الإشارة لتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي وصف فيها الحلف بأنه يعيش حالة "موت دماغي"، مضيفًا أن "الحلف الأطلسي كنظام لا يضبط أعضاءه. وانطلاقًا من اللحظة التي يشعر فيها أحد الأعضاء أن من حقه المضي في طريقه، فهو يقوم بذلك. وهذا ما حصل"، في إشارة للسياسات الأحادية التي تتخذها الدول الأعضاء داخل الحلف.

في تصريح ماكرون الذي جاء ضمن سياق حوار مطول أجرته مجلة إيكونوميست، أشار إلى أنه من أهم المخاطر التي تهدد الاتحاد الأوروبي أو الدول الأوروبية بشكل عام نسيانها أنها مجموعة، ويأتي بعدها السياسة الأمريكية الأحادية التي انفصلت عن المشروع الأوروبي، وتنامي النفوذ الصيني الذي يهمش أوروبا بشكل واضح، فضلًا عن استعادة روسيا مركزها ضمن الدول الكبرى بتحالفها مع الصين.

ويعزز ذلك التوجه لدى أنقرة وطهران، الطموحتان لاستعادة مركز ثقلهما الإقليمي على الخارطة العالمية، أي أن العالم الذي كان يعيش على سياسة القطب الواحد، بدأ مؤخرًا يحاول التعايش مع سياسة الأقطاب المتعددة مقابل عدم إيجاد حلول للأزمات الاقتصادية، والصراعات العسكرية، وسط تراجع في مؤشرات الديمقراطية على الخارطة السياسية.

"سنة الأحلام الخطيرة".. لماذا انتفض العالم في وجه الأنظمة السياسية؟

اليوم؛ بعد مضي 50 عامًا على احتجاجات عام 1968 تعود الاحتجاجات لمختلف العواصم على الخارطة السياسية. لا يمكن تشبيه ما يحدث اليوم في أرجاء العالم إلا بتلك الانتفاضة، حيثُ تئن الأنظمة الحاكمة تحت وقع الاحتجاجات الشعبية المنادية بالتحول الديمقراطي، والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، كما أنها جاءت منفصلة عن احتجاجات "الربيع العربي"، نظرًا لأن اندلاعها كان ناجمًا عن أسباب مختلفة، قبل أن تتحول في تصعيد خطابها حتى بلغت ذروتها بإعلانها عدم التراجع حتى تحقيق مطالبها، ما يجعلنا نقتبس عنوان الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك "سنة الأحلام الخطيرة" لإطلاقه على عام 2019.

أكثر ما ميّز الاحتجاجات التي عمّت المدن العالمية منذ شهرين، أنها كانت عفوية بدون قيادة لها، مذكرًة بطبيعة الاحتجاجات التي خرجت في وول ستريت عام 2011، والمظاهرات المناهضة لسياسة التقشف التي تبنتها اليونان وإسبانيا، عندما خرج المحتجون إلى الشوارع دون أن توجه إليهم أحزاب المعارضة دعوات للتظاهر، ولذلك فإن هذه التظاهرات لا تعجب الأنظمة السياسية، نظرًا لوقوفها عاجزًة أمام دعوة المحتجين للمواطنين في المنازل بالانضمام إليها.

لكن بحسب ما يرى محللون، فإن عدم وجود قيادة أو شخصيات فردية تقود الاحتجاجات قد يساعد على تصاعد العنف، ويؤدي لمزيد من التوتر بين السلطات المحلية والمحتجين لعدم وجود قيادة تنادي بمطالبهم، إلا أنهم في مقابل ذلك نجحوا بإثارة مجموعة من الأسئلة لم تكن موجودة سابقًا، وأظهروا وجود نسبة كبيرة من المواطنين لا يشعرون بأنهم يملكون ممثلين عنهم في الحكومات المحلية.

  • دور وسائل التواصل الاجتماعي في الاحتجاجات .. كن مثل الماء لا شكل له

اعتمد المحتجون في تنظيم نشاطاتهم المناوئة للسياسات الحكومية المحلية على وسائل التواصل الاجتماعي، وسمحت لهم بتوجيه المقترحات، ونشر مقاطع مصورة تظهر تعرضهم للانتهاكات من قبل قوات مكافحة الشغب. ويمكن القول إن شبكات التواصل الاجتماعي بخاصية البث المباشر، كانت من وسائل الدعم الأساسية للاحتجاجات في عصرنا الراهن، الأمر الذي دفع بعض الدول لقطع شبكة الإنترنت لعزل المحتجين عن العالم الخارجي.

كان من أبرز ما ساهمت السوشيال ميديا به فيما يتعلق بالاحتجاجات الشعبية، أنها تجاوزت التسلسل الهرمي للاحتجاجات المتمثل بالقيادات التقليدية من الأعلى إلى الأسفل،  نظرًا لأن قمع الاحتجاجات التي لا تعتمد على قيادة لها يصبح أكثر صعوبة، وأظهرت هذه الاحتجاجات أنها ستكون غير متعاطفة مع أي قيادة من الممكن أن تنصب نفسها داخلها للحصول على القوة في مواجهة الحكومات المحلية، وجعلت المحتجين غير مرئيين في الوقت نفسه. يمكن النظر في هذا الإطار للشعار الذي رفعه المحتجون في هونغ كونغ، عندما تبنوا في واحد من شعاراتهم، جملة للفنان الشهير بروس لي: "كن مثل الماء.. لا شكل له".

إلى جانب ذلك لعب نشر المقاطع المصورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في تبادل تجارب المحتجين للتعاطي مع قمع السلطات المحلية للاحتجاجات. في تشيلي تحدت مغنية الأوبرا آيلين روميرو، حظر التجول الذي فرضته السلطات المحلية في 21 من الشهر الماضي، بعدما أخرجت رأسها من نافذة منزلها، وهي تؤدي أغنية "نستحق العيش في سلام" للفنان الثوري فيكتور خارا، المغني الشعبي الشهير الذي اُغتيل بعد أيام من الانقلاب العسكري على يد الجنرال أوغستو بينوشيه في 1973.

  • الاقتصاد يشل حياة الملايين

تقول مجلة العلم الأحمر الماركسية الأسترالية في تقرير لها يحلل أسباب الاحتجاجات الشعبية التي ضربت أكثر من 20 دولة على مستوى الخارطة العالمية، إن الهوية المشتركة لهذه الاحتجاجات تقوم على إحساس مشترك بالكراهية من الطبقة الثرية، لذلك فإن أولى الاحتجاجات التي اندلعت في بلد ما، ألهمت مواطني الدول الأخرى بتخطيها حواجز الحدود الوطنية، وخلقت حالة من التضامن بين مختلف الثقافات كان لا يمكن تصور حدوثها عند الغالبية قبل ستة أشهر.

وفي إشارة إلى تدني الأوضاع الخدمية والاقتصادية، تستعين المجلة بالأسباب التي أوردتها الإيكونومست للحديث عن الاحتجاجات في لبنان، بقولها إن "شكاوى اللبنانيين كثيرة بحيث لا يمكن ذكرها، نقص في الكهرباء، المياه غير صالحة للشرب، انهيار البنية التحتية، بيئة مسمومة، ركود في الاقتصاد، وانتشار للفساد"، وتعلق العلم الأحمر على ما ذكرته الإيكونومست بالقول إن الغضب يسود أنحاء العالم بسبب عدم المساواة، وانتشار الظلم، وارتفاع أسعار الكهرباء، والوقود، والغذاء، والركود الاقتصادي، وتخفيض الأجور، وتقليص رواتب المتقاعدين، وانهيار أنظمة الصحة والتعليم، وتختم حديثها بالإشارة إلى أن "البطالة تشل حياة الملايين".

يعد الاستياء الاقتصادي الناجم عن ارتفاع معدلات التضخم، وسياسة التقشف التي يفرضها صندوق النقد الدولي على الدول، مقابل انفتاحهم على اقتصاد السوق الحر، أحد أهم الأسباب التي دفعت سكان الدول للاحتجاج، رغم أن معظمهم قد يكون غير مدرك للدور السلبي الذي يلعبه صندوق النقد نتيجة الشروط القاسية التي يفرضها على الدول الساعية للاستدانة منه.

في تشيلي كان رفع أسعار تذاكر المترو بنسبة أربعة بالمائة المرحلة الأخيرة من نفاذ صبر الطبقات الاجتماعية التي تكافح في مجتمع غير متكافئ مقابل تراجع سياسات الحكومة التشيلية الاقتصادية الداعمة لها. وتشير مجلة العلم الأحمر إلى أنه خلال العقود الأربعة الماضية عملت السياسات النيوليبرالية على جعل طبقتي العمال والفقراء يدفعون ثمن أزمة النظام العالمي المتصاعدة تدريجيًا.

وتقول منظمة العفو الدولية في تقرير لها إن فجوات الدخل الواسعة في العديد من المدن التي تضربها الاحتجاجات، غالبًا ما جعلت الشباب الذين يقودون النشاط في العديد من المناطق يشكون بأنهم سيصلون إلى الوضع الاقتصادي لوالديهم، لافتًة إلى أن غضبهم موجه نحو النخب السياسية التي ينظر إليها على أنها بعيدة المنال، وتخدم فقط نفسهما وغيرها ممن هم في وضع مماثل لها.

اقرأ/ي أيضًا: احتجاجات عالمية على شروط معولمة.. السترات الصفراء أطلقت الشرارة

وتضيف بأن تأثير التقشف على الناس لا يزداد إلا سوءًا، مستندة لأحد التقارير التي تحدثت عن تأثر ثلثي سكان العالم  بإجراءات التقشف بحلول عام 2021، مما يؤثر على قرابة ستة مليارات شخص، مع التنويه لأن التكلفة البشرية تشمل الملايين الذين يتم تسريحهم من العمل نتيجة لهذه الإجراءات مع قلة فرص العمل البديلة، ووصول النمو الاقتصادي العالمي لأدنى مستوياته منذ الأزمة المالية التي ضربت العالم عام 2008.

ويظهر واضحًا حجم التفاوت الطبقي إذا ما دققنا جيدًا في أسباب الاحتجاجات الشعبية التي ضربت أكثر من عشرة دول لأسباب اقتصادية، منها العراق والإكوادور وهايتي وفرنسا، وإيران مؤخرًا، لكن هذا التفاوت الطبقي لا يقتصر فقط على الدول التي اندلعت في مدنها الاحتجاجات، إنما يشمل باقي الدول على الخارطة العالمية، غير أن الاحتياجات المعيشية البسيطة في دول الاحتجاجات أصبحت العامل الأساسي للغضب الذي ظهر في الشوارع بطريقة غير متوقعة، وهذه الرؤية يتفق معها مؤيدو سياسات اقتصاد السوق الحر.

وعلى الرغم من أن الاقتصاد العالمي يواجه مجموعة من المشاكل التي أدت إلى تأجيج الاحتجاجات في أكثر من بلد، فإنه لا يتم التعامل معها بتلك الجدية التي تم التعامل بها قبل عشرة أعوام، حينما كان العالم على شفا حفرة من الدخول في كساد الاقتصاد وارتفاع نسبة البطالة، حيثُ تظاهرت أعداد قليلة خلال تلك الفترة، أما في الاحتجاجات الحالية فإننا نشهد مشاركة الجميع من جيل الشباب إلى متوسطي العمر وكبار السن، ما يدل على أن الأزمة الاقتصادية الحالية أعمق بكثير من الأزمة السابقة.

هذا أحدث إحصاء عن التفاوت الطبقي في العالم

يمكننا هنا الاستعانة بتقرير إحصائي نشرته وكالة بلومبيرغ مطلع الشهر الماضي لإيضاح حجم عدم المساواة الاقتصادية على مستوى العالم، وللمفارقة فإن نشره جاء قبل توسع رقعة الاحتجاجات الشعبية على الخارطة العالمية ببضعة أيام.

أشارت الإحصائية لوجود 1.5 مليار شخص لا يملكون أي ثروة مالية، مقابل امتلاك 1.7 مليار شخص ألف دولار، وتسجيل 1.3 مليار بثروة تبلغ عشرة آلاف دولار، وبعدها يهبط العدد إلى 436 مليون شخصًا بثروة مائة ألف دولار، وينخفض بشكل كبير حتى يصل إلى 40 مليون شخصًا بثروة واحد مليون دولار.

وتسجل الإحصائية ثروة عشرة ملايين دولار لـ1.7 مليون شخصًا، ثم يتناقص العدد إلى 49 ألف شخص بثروة تبلغ مائة مليون دولار، ويتراجع أكثر إلى 2.7 آلاف شخص بثروة تصل لمليار دولار، ومائة وخمسون شخصًا بثروة تبلغ عشرة مليارات دولار، وأخيرًا شخصين فقط تبلغ ثروة كل واحد منهم مائة مليار دولار، ويمكننا ملاحظة حجم التفاوت بالثروات بشكل واضح عندما يصل حجم المبلغ إلى مليون دولار، ما يعني وجود أكثر من أربعة مليارات لا يملكون ثروة مالية تزيد على عشرة آلاف دولار.   

  • أقل من 5 بالمائة يعيشون في ديمقراطيات كاملة

لا يمكن حصر مطالب المحتجين الغاضبين في الشوارع فقط بالأزمة الاقتصادية العالمية، إنما يضاف إليها المطالب السياسية، والدفاع عن الحريات المدنية والديمقراطية، كما الحال في تشيلي عندما أجبر المحتجون السلطات المحلية على كتابة دستور جديد للبلاد، أو لبنان التي تداخلت فيها المطالب الاقتصادية مع السياسية، ومحتجو هونغ كونغ الذين يتظاهرون منذ خمسة أشهر للدفاع على الديمقراطية من النفوذ الصيني، أو مطالب المحتجين في إقليم كاتالونيا بالانفصال عن حكومة مدريد المركزية.

يصف المدير العام لمجموعة صوفان للاستشارات الأمنية علي صوفان، ما يحدث من احتجاجات شعبية بالقول: "إنهم الشباب الذين بلغ الأمر لديهم حده، هذا الجيل الجديد لا يصدق ما يراه من نظام فاسد للطبقة السياسية والاقتصادية في بلدانهم، ويريدون التغيير"، وبحسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية فإن امتداد الديمقراطية تعطل على مستوى العالم، مما سبب إحباطًا للمواطنين من حكوماتهم المحلية لعدم استجابتها لمطالبهم.

وكمؤشر على تراجع الديمقراطيات في العصر السياسي الراهن، توضح الصحيفة الأمريكية أنه قبل 20 عامًا حصلت 70 بالمائة من الاحتجاجات التي طالبت بتغيرات سياسية على ما تريد، وهي نسبة بقيت تتصاعد منذ خمسينات القرن الماضي، لكن هذا التوجه بدأ بالانخفاض منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، وتحولت نسبة النجاح لـ30 بالمائة، ما يعتبر تراجعًا صاعقًا للديمقراطية.

 يقول الكاتب بورزو دراغي في مقال منشور على موقع الإندبندنت الإلكتروني، موضحًا الأسباب التي أدت إلى غضبة السكان في مختلف أنحاء العالم، إنه عندما انتهت الحرب الباردة قبل 30 عامًا، بدلًا من أن يقوم ورثة النظام الدولي ببناء العالم على لحظة السعادة والوفاق، قاموا ببنائه على أسس من انعدام المساواة والعدالة الاقتصادية، وصحبوا ذلك بدعم الأنظمة البوليسية التي ينفجر العالم الآن في مواجهتها تعبيرًا عن الضيق وعدم الرضا، أمام فشل قيادات العالم الذين يجتمعون سنويًا في المنتجع الشهير للتزلج على الجليد، في إشارة لمنتدى دافوس الاقتصادي.

ويرى مدير منظمة فريدوم هاوس الأمريكية مايك أبراموفيتز أن الخطر الذي يواجه الديمقراطيات في العالم يكمن في الديمقراطية الأمريكية التي لن تكون دائمة إلى ما لا نهاية، بالأخص في ظل وجود رئيس "لا يحترم سوى القليل من مبادئه"، مشيرًا إلى أن التراجع المستمر للديمقراطية الأمريكية سوف يساعد على تسريع تراجع الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، ووفقًا لمؤشر الديمقراطية الذي نشرته مجلة الإيكونومست مطلع العام الجاري فإن 4.5 بالمائة من سكان العالم يعيشون في دول محكومة بأنظمة ديمقراطية كاملة.

يظهر واضحًا حجم التفاوت الطبقي إذا ما دققنا جيدًا في أسباب الاحتجاجات الشعبية التي ضربت أكثر من عشرة دول لأسباب اقتصادية، منها العراق والإكوادور وهايتي وفرنسا

وكان الباحثون في المنظمة الأمريكية قد خلصوا إلى أن الديمقراطية الليبرالية قد بدأت بالتراجع منذ أكثر من عقد من الزمن، إذ إنه اعتبارًا من عام 2006 شهدت الحريات الديمقراطية انخفاضًا في 116 دولًة، مقابل نموها في 63 دولة فقط، وترى إحدى كبار مديري قسم الأبحاث والتحليلات في المنظمة سارة ريبوتشي أن المجتمعات ضمن أنظمة ديمقراطية قد تجد نفسها معزولة في عالم أكثر فوضى وخطورة إذا استمر التوازن السياسي بدعم صعود الأنظمة الديكتاتورية.

  • كوكب الأرض يواجه حالة طوارئ مناخية

يضاف إلى المطالب السياسية والاقتصادية للمحتجين في العواصم العالمية، مطلب آخر ينحصر بالتغيير المناخي، ومكافحة التدهور البيئي، انعكس في المظاهرات التي نظمتها حركة تمرد ضد الانقراض العالمية في أمستردام ولندن وسيدني الشهر الماضي، في محاولة للفت انتباه المسؤولين للاهتمام أكثر بالمسائل البيئية.

أقرأ/ي أيضًا: دول الأمريكيتين تنتفض.. الاحتجاجات الشعبية تتوسع من تشيلي إلى هايتي

وأطلقت المجموعة مطلع الشهر الجاري مقطعًا مصورًا تحدث ضمنه مجموعة من الإعلاميين ونجوم السينما والأطفال عن المخاطر البيئية التي تواجه عالمنا المعاصر، وقال مقدم البرامج التلفزيونية البريطاني كريس باكام في المقطع المصور: "الوقت نفد.. يتعين اتخاذ إجراء الآن.. وإلا فسنواجه عواقب لا يمكن تصورها للحياة على الأرض"، مضيفًا "فإذا كان قادة التغيير نائمين خلف عجلة القيادة، فقد حان الوقت لهزهم وإيقاظهم بيد.. وتمكين أنفسنا لإحداث التغييرات الخاصة بنا باليد الأخرى".

وتعتبر مسألة التغيير المناخي التي يعاني منها سكان العالم، واحدة من أهم الأزمات العالمية التي تحتاج تضافر جهود جميع الدول لإيجاد حل لها، فقد حذر 11 ألف عالمًا في بيان نشرته صحيفة الغارديان البريطانية من أن "كوكب الأرض يواجه حالة طوارئ مناخية لتأمين مستقبل مستدام"، وأضافوا أنه "يجب علينا تغيير الطريقة التي نعيش بها، ويتضمن ذلك تحولات كبيرة في الطرق التي يتعامل ويتفاعل بها مجتمعنا العالمي مع النظم البيئية الطبيعية".

لا يمكن حصر مطالب المحتجين الغاضبين في الشوارع فقط بالأزمة الاقتصادية العالمية، إنما يضاف إليها المطالب السياسية، والدفاع عن الحريات المدنية والديمقراطية

وأشار العلماء في بيانهم إلى عدم وجود أي وقت ضائع، لأن "أزمة المناخ أصبحت واقعًا، وتتسارع وتيرتها على نحو فاق توقعات معظم العلماء.. إنها أخطر مما كان متوقعًا، وتهدد النظم البيئية ومصير البشرية"، فيما قال أحد المشاركين في صياغة البيان توماس نيوسم، إنه "يجب متابعة ومراقبة مجموعة أكبر من المؤشرات، تتضمن النمو السكاني، واستهلاك اللحوم، وفقدان الغطاء الشجري، واستهلاك الطاقة، والوقود الأحفوري، والخسائر الاقتصادية السنوية بسبب ظروف الطقس غير المواتية"، على أن يشمل ذلك "علامات الأنشطة البشرية المقلقة للغاية".

 

أقرأ/ي أيضًا:

 هونغ كونغ تنتفض في وجه الصين: ماذا يحدث في أكثر الدول حرية اقتصادية في العالم؟

شعوب أسقطت انقلابات.. تشيلي