ريحٌ تصفّر مثل غجريٍّ

ريحٌ تصفّر مثل غجريٍّ

نداء بدوان/ فلسطين

1

شيءٌ ما ينبحُ عليّ من الداخل. تستطيعُ أيّةُ امرأة بيديها النحيلتين أن تلمسَ فراءه الكثيف وتحسّ بلهاثه المتوتر. ثمة عتمة جارحة تطلّ برؤوسها الألف من الشقوق الصغيرة. عتمة كافية لاستدراج أقسى الكآبات. لماذا أنت حزين إلى هذه الدرجة؟ تهمس المرأة التي تقطع شرايينها في حوض استحمام دافئ... ثم تواصل الغناء. لماذا أنت حزين إلى هذه الدرجة؟ يسأل العنكبوت الوحيد في الزاوية ثم يواصل نسج خيوط غير مرئية. لماذا أنت حزين إلى هذه الدرجة؟ يخاطبك الرجل الغريب من صورة قديمة بالأبيض والأسود... ثم يواصل الموت. شيء ما ينبح عليّ من الداخل. أردتُّ اقتلاعه عنوة. لكنني لم أعد أعرف مكانه حقًا. تحت جلدي نساءٌ ومراثٍ لا تنتهي.. أخذتني كقافلة منسية إلى حلم. وألقتني في جحيم دام من الهواجس. حدثتني أصابعي عن خوفها من البتر. حدثني فمي عن شهوته الهائلة في الصمت. حدثني دمي عن شرايين مقطوعة. وحدثني قلبي عن غربان وكلاب تقوده إلى الخلاص. الأرض مستديرة كمشنقة... مشنقة لا نهائية.. لكنني أمشي... وأمشي قرب الحافة. شيءٌ ما ينبح عليّ من الداخل... يدفعني إلى الحافة أكثر... الحلم أزرق... العتمة زرقاء... الوديان السحيقة زرقاء...

والريح تصفّر حولي مثل غجريٍّ ثمل.

 

2

أردت أن أبرر لنفسي كل شيء؛

وقوفي بملابس النوم أمام المرآة

في الرابعة صباحًا

حلمي المتكرر بقبو معتم

في بيتنا القديم،

مشاجراتي الدامية

مع رجال وأشباح أشدّاء

على طريقة دون كيشوت،

وحدتي

التي تبصق في وجهي

وتطالبني بزوجة

وأصدقاء وأولاد كثيرين،

عدم قدرتي على إنهاء أي شيء،

الخوف من الحديث

طويلًا

من الكلمات

من الشعر

الخوف فحسب.

لقد كان هناك خلل ما

على الدوام،

ثمة أبواق تطاردني

ثمة أبواب وبوّابون

ثمة مناجم معطلة

وعمال

عالقون في الردم

يطاردونني.

مختبئًا

منهم

في هذا المنزل المهجور،

منهمكًا في الإنصات

مثل راهب متوحد،

أعد المكائد

كي أتخلص منهم جميعًا

وأقتلهم

داخلي.

ثم بعدها

سيكون علي أن أبرر لنفسي

كل شيء،

كل شيء..

كأن أشرح لها مثلًا

كيف انتهى بها الأمر هنا

عالقة معي

داخل مرآة مكسورة

مع ألف روح سوداء

وحجر واحد

يشبه وجهي!

 

3

النساء الجميلات

لا يفكرن كثيرًا

قبل الخروج

في موعد مع الموت.

فقط يتركن جثثهن

كملاحظات قصيرة

على السرير،

في النهر،

في قبو معتم،

في المكتبة

أو حتى متدليات

من السقوف

وجذوع الأشجار

بخفة

لا مثيل لها.

البارحة،

قررت امرأة

أن تهب نفسها

كوليمة للموت.

جاءت بحبل ملون

وكرسي

ثم شنقت نفسها

بلا تردد.

النمل المحتشد

في ثيابها

ومع آخر أنفاسها

كان قد بدأ

في صعود الحبل،

طيور سوداء غامضة

حطت على كتفيها النحيلتين،

العشب الوحشيّ

شق الجدران

ونما على كل شيء،

كذلك الفراشات

التي سمعت بموتها

 من الغابة

جاءت بخيوط الحرير الدافئة

لتنسج شرانقها حولها،

وأنا نمت تحت جثتها

ليلة كاملة

دون أن أحلم!

 

اقرأ/ي أيضًا:

رامي وجنى

التي لا تسمى