"رقصة القبور".. درس في حكاية المهزومين

مصطفى خليفة (الجزيرة)

قَلَّ أن وجدت رواية عربية تحمل عنوانًا يرافق فصولها كظلها مثلما فعلت الرواية الثانية لمصطفى خليفة "رقصة القبور" (الآداب، بيروت 2016). إذ ترقص القبور على امتداد صفحاتها عند كل مقتلة ترتكب بحق سلالة الخوالد، وكأن ما يحدث هو فعل تأسيسي يؤبد مصير الإبادة لنسل خالد بن الوليد، ويحتفي في الوقت نفسه بنجاة أحد أفراد السلالة الذي يعيد تأسيس ملك العائلة المتوارية متكئًا على خلاصات وتقاليد الأجداد.

يأسرنا مصطفى خليفة في برزخٍ بين ما هو حقيقة تاريخية وتوليفة خيالية

بالإضافة الى ذلك نرى "رقصة القبور" في شبح الموت الذي يرافق شخصيات الرواية يوميًا سواء في السجن السياسي، خلال التعذيب، وأمام تهديدات النظام، أو عند معارضة طائفة مارال الأرمنية لزواجها من عبد السلام. ترقص القبور أيضًا عند موت الأحاسيس أو إعادة ولادتها، كما حدث مع عبد السلام عندما استفاقت فيه ذكرى ماريا، حبّه الأول، بعد سنوات طويلة.

اقرأ/ي أيضًا: مصطفى خليفة.. القبور ترقص في سوريا

تقدم الرواية درسًا في الحقل الأدبي ليس فقط بوصفها حكاية المهزومين إنما كونها تعيد تشكيل التاريخ بخيالٍ ملقح بأحداثٍ حقيقية، فتأسرنا في برزخٍ أرق من جناح الفراشة بين ما هو حقيقة تاريخية وتوليفة خيالية. مثال على ذلك فإن شخصية المارشال في الرواية لا تدع مجالًا للشك بأن المارشال هو سيّئ الذكر حافظ الأسد، أما الخوالد، وإن كان في حكايتهم استعادة لإبادة الأمويين ونجاة عبد الرحمن الداخل، فإنهم قضوا في طاعون "عمواس"، هذا ما تؤكده كتب التاريخ، لكن ماذا لو اختار القاتل استخدام الطاعون ستارًا للمجزرة؟ ألا يحدث هذا الْيَوْمَ؟! بحيث ترتكب مئات المجازر تحت ستار الإرهاب. من هنا فإن مصطفى خليفة يفتح الباب من خلال روايته على منجم أدبي، لن يستطيع روائي واحد الإحاطة بينابيعه، لكنها دعوة للجميع للبدء في السير بهذا النهج.

تبقى مسألة أخيرة، لقد أخطأنا حين اعتقدنا أن قوة رواية مصطفى خليفة الأولى "القوقعة" متأتية من قوة أحداث التجربة الشخصية في سجن تدمر الرهيب، وأن ما حملته من شحنات وجع مترافقة مع دفق صرخات السوريين والسوريات في الشوارع والميادين شكل دفعًا إضافيًا للرواية. الْيَوْمَ تكشف رواية "رقصة القبور" عن قدرات وإلمام واسع وعميق بالفن الروائي، وبكيفية بناء عوالم مكانية وزمانية خاصة وعامة. وهو إذ يفعل كل هذا بأسلوب أنيق يؤثث عوالمه بشخصيات متخيلة حية قادرة على نقلنا إلى قلب الأحداث، التي تعايشها سواء اتصلت بالشأن العام أم باللحظات الحميمية الخاصة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

جولان حاجي.. بنات الثورة السورية

راهيم حسّاوي: أنا سريع مثل الكهرباء