رئيس الحكومة اللبنانية الجديد.. خطاب بعِدة التسعينات

رئيس الحكومة اللبنانية الجديد.. خطاب بعِدة التسعينات

يمكن اعتبار حسان دياب بريقراطيًا متحمسًا (فيسبوك)

الفارق الرئيسي بين الرئيس سعد الحريري، الذي قضى وقتًا في رئاسة الحكومة اللبنانية أكثر من أي أحد آخر خلال العقدين الأخيرين، وبين الرئيس الحالي، حسان دياب، هو أن الأول كان يمرر الكثير من الابتسامات. وأحيانًا كان يلقي النكات أثناء تلاوة كلماته. ما يجمعهما، هو أنهما كلاهما، يخطئان في بعض مخارج الحروف، وفي تشكيلها أحيانًا، فتبدو العربية لغة عصية عليهما. كما أن الحريري حرص أن يكون "ليبراليًا". ليس في سياساته الاقتصادية وحسب، بل في "التجهيز السينوغرافي" الذي يرافق خطاباته.  نتحدث عن المنبر القريب من الصحافيين، عن وجود صحافيين، عن الإفراط بالاهتمام في الديكور، وعن أشياء أخرى كثيرة، ولا سيما صورة "السيلفي" مع الصحافيين والصحافيات.

هناك مظلة فوق رأس حسان دياب. نعرف من يمسكها. ولا نعرف متى يزيحها، فيهطل عليه غضب ثلاثين عامًا. وهذه المظلة ليست طائفته، مثل مظلات الرؤساء والسياسيين الآخرين، التي ترنحت خلال الانتفاضة

كلمة دياب الأولى، جزء من خطاب بالمعنى العام للكلمة. في حضور صاحب الكلمة، في تصورات الناس عنه، وعلى الشاشة أيضًا حيث بث الخطاب، بدا المشهد من التسعينات. المضمون كان جديدًا من على منبر رسمي، وليس جديدًا بحد ذاته. قد يكون زج العامل السينوغرافي لقراءة الخطاب أمرًا مبالغًا فيه، كون الحكومة قالت إنها اتخذت قرارات مصيرية. لأول مرة تحدث رئيسها في نقاط جديدة، مثل حجم القطاع المصرفي المضخم في البلد، ومثل النظام الضريبي غير العادل، من بين أشياء أخرى، أهمهما التوقف عن دفع الديون. لم يتحدث دياب عن إعادة هيكلة الديون، نظرًا لضيق الوقت، ذلك رغم أن هذه الآلية، تشبه إعادة انتاج السُلطة لنفسها، وهذه العملية أهم من التجهيز السينوغرافي، فالأخير تفصيل بينما العملية نفسها تمثيل من تمثيلات علاقة الخطاب بالزمن.

اقرأ/ي أيضًا: الحكومة اللبنانية تأخذ الثقة وسط قنابل الدخان

ثمة ما يجعل الخطاب يبدو حديثًا. فدياب، بالنسبة للبنانيين عمومًا، ليس شخصًا معروفًا، وهم يعتقدون أنه يشبه "صورة" عن رئيس حكومة لا يعرفونه. يحاولون أن يتعرفوا إليه، فلا يجدونه. وثمة ما يجعل الخطاب يبدو قديمًا ومستهلكًا على نحو يجعل إنكار قدمه مستحيلًا: تجهيز الحكومة نفسها، وأثاثها الطائفي نفسه. تلك السينوغرافيا البليدة نفسها. ثمة شخص ما، لا يظهر في الصورة، لكنه يقف خلف حسان دياب. ليس شخصًا واحدًا، ربما مجموعة أشخاص. وليسوا فريقًا من الاختصاصيين الذين سيساعدونه على العمل. فالجالسون أمام منبره، أتت بهم أحزاب وطوائف أيضًا. إنهم من "النخب الطبقية" في طوائفهم، وقد منحتهم صفاتهم الجامعية وتجاربهم المشابهة نوعًا من الحصانة، تشبه تلك الحصانة التي منحها "اتفاق الطائف" للزعران بعد نهاية الحرب. ولكن، هل اختفى هؤلاء الزعران تمامًا؟ أيضًا يعرف اللبنانيون، أن الإجابة لا. لم يختفوا. أيضًا، يعرفون، أن جميعهم تورطوا في الحرب، وأنه لا يمكن إخفاء الجميع، وأنه لا يجوز تقديس السِلم لمجرد أنه سِلم.

هل تم التخلص من السُلطة التي أنتجتها الحرب مع إفرازاتها؟ هذا أحد الأسئلة، الذي قد تسبقه أسئلة عن صيغة الكيان نفسه وأسطورة الميثاقية. ربما يكون الرئيس الجديد يعرف الإجابة عنه، وربما لا. الرؤساء لا يعرفون كل شيء بالضرورة، وأحيانًا لا يعرفون شيئًا. لكن رعاة الحكومة اللبنانية. في دوامة السُلطة وهم يحركونها. وربما تكون المصالح التي تجمعهم مع معارضي هذه الحكومة بالتحديد، ما زالت أكبر من المصالح التي تجمعهم مع حكومتهم نفسها. لذلك، وطوال الوقت، كان الإنصات إلى خطاب حسان دياب مشوبًا بالحذر. هناك صوت آخر يخرج من صوته، وشخص آخر غيره، قد ينفّذ كلامًا آخر.

يمكن وصف الرئيس الجديد بالبيروقراطي المتحمس. جاء في مؤتمره الصحافي أن "الإجراءات ستساعد لبنان على التحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج". طبعًا، هذا ليس صحيحًا من الناحية الاقتصادية. ولا يحتاج أحد إلى التخصص في الاقتصاد، ليعرف أن عملية مثل هذه تحتاج إلى جهد طويل، لا يمكن اختزاله ببضعة إجراءات لم تنفّذ بعد. يعرف اللبنانيون جيدًا، في السياسة، أن رئيس الحكومة الجديد شخص أتى به تحالف يجمع حزب الله مع عون، وضم إليه بحكم حسابات الحزب حلفاء آخرون، ويعرفون أن ما يقوله، ليس رأيه الشخصي، وليس رأي فريقه، لأنه لا يملك فريقًا. لم يأت به ائتلاف، ولم يصل إلى الحكومة بفضل الكاريزما، ولم يخض امتحانًا من أجل وظيفة فحصل عليها. للإنصاف ربما تجب الإشارة إلى أنه ليس وريثًا مثل غالبية جيل الطوائف اللبنانية. بهذا المعنى، كان اللبنانيون يشاهدون رئيسًا يتحدث، لكنهم ورغم رغبتهم بالتصديق بعد انتفاضة طويلة، لا يستطيعون رؤية هذا الرئيس. يسمعون كلماته، وهي في جوانب منها تعبّر عن مطالبهم، لكنهم يحاولون التذكر، أين سمعوها قبل ذلك. جزء كبير من هذا الكلام سمعوه في التسعينات تحديدًا. فترة الأوهام واستعادة البورجوازيات الصغيرة لمواقعها وتمتينها.

هناك مظلة فوق رأس حسان دياب. نعرف من يمسكها. ولا نعرف متى يزيحها، فيهطل عليه غضب ثلاثين عامًا. وهذه المظلة ليست طائفته، مثل مظلات الرؤساء والسياسيين الآخرين، التي ترنحت خلال الانتفاضة. لكنه لم يكن على عجل. تحدث كالخطباء، كما لو أنه يعرف هذه المهنة منذ وقت طويل. وكان ينفعل ويحاول أن يتفاعل مع خطابه بنفسه، لكي يتفاعل الناس معه. استخدم قاموس اليمين اللبناني، فقال "النزوح" بدلًا من "اللجوء". وتحدث عن "تداعيات النزاعات والحروب"، بينما يشارك الحزب الذي سمّاه رئيسًا للحكومة بالقتال في إدلب، على حدود بعيدة. وبينما يريد الحزب حلّ مسألة الكهرباء، لكي تهدأ الناس، وتصرف النظر عن "حروبه ونزاعاته"، أراد دياب أن يكون "رجل دولة"، بالمعنى الذي يتحدث عنه اللبنانيون.

اقرأ/ي أيضًا: لبنان يعلن الإفلاس.. فمن يدفع الثمن؟

تحدث عن أشياء كثيرة. التوقف عن الاستدانة. جيد، ولكن هذا تأجيل للأزمة وليس حلًا. كيف يمكننا الدفع للدائنين واللبنانيين لا يمكنهم الحصول على ودائعهم؟ هذا سؤال جيد أيضًا، والإجابة عليه مرهونة باستعادة اللبنانيين لودائعهم.  وعد بتوفير 350 مليون دولار في العام من إصلاح قطاع الكهرباء، وهذا جيد أيضًا، لكن الرقم بالكاد يذكر في عملية إنقاذية. ولعل الجملة الأهم في خطاب دياب، والتي تختزل فهمه لموقعه ووظيفته، مقابل الحسابات الإقليمية والداخلية المعقدة لمن سمّاه رئيسًا للحكومة، هي تلك الجملة التي قالها بصدقٍ وتأثر شديدين: "بلدنا رائع واستثنائي". هذا الاعتقاد، الذي ساد لوقت طويل بعد الحرب، منذ أواخر التسعينات تحديدًا، كترياق للتخلص من آثارها، على غرار المدائح التي تكال للقرية اللبنانية في المسرح الرحباني، ليس مجرد اعتقاد، بل لعب دورًا في تعزيز هيمنة قطاعات الخدمات على قطاعات الإنتاج. في الواقع، بلدنا ليس رائعًا وأكثر من أي وقت مضى، ليس استثنائيًا.

استخدم دياب قاموس اليمين اللبناني، فقال "النزوح" بدلًا من "اللجوء". وتحدث عن "تداعيات النزاعات والحروب"، بينما يشارك الحزب الذي سمّاه رئيسًا للحكومة بالقتال في إدلب

المشكلة الرئيسية مع التسعينات – السياسية في لبنان، هي أن أجهزة استخبارات حزب البعث كانت تتدخل وتحدد وتعيّن وتفعل في لبنان تقريبًا ما تفعله سوريا. تحتاج هذه العلاقة إلى دراسات أكثر جدية، بحيث لا يمكن اختزالها ببعض السطور، تنتهي بتبرئة السياسيين اللبنانيين وتحويلهم إلى ضحايا. وهذا ما حاول هؤلاء فعله بعد واحدة من أكبر عمليات الاستلاب في التاريخ، أي 14 آذار 2005. لكن في بلادنا، يمكن الاستفادة من تجربة "الرئيس المعيّن" المحاط دائمًا بمجموعة من "الأقوياء"، الذين يستندون إلى أرضية عميقة وليس إلى دولة عميقة، بعدة خلاصات. يمكن أن يكون هذا الرئيس شخصًا لطيفًا في فترات متفاوتة. يمكن أن يحبّه الناس فجأة، ويمكن أن يكرهوه فجأة. يمكن أن يقوم بأشياء كثيرة، ويقول أشياء أكثر منها. لكنه في النهاية، لن يكون حقيقيًا.