صناديق الإعاشة للانتقام من الانتفاضة اللبنانية

صناديق الإعاشة للانتقام من الانتفاضة اللبنانية

تسعى الأحزاب اللبنانية إلى الإعاشة من أجل فرض علاقة خضوع بينها وبين الناس (Getty)

في لبنان تقلّد الأحزاب نفسها. تتبع بعضها البعض، وتنافس بعضها البعض. تحاول ترسيخ حدود طوائفها بصناديق "إعاشاتها". في عكار، يوزع التيار الوطني الحر صناديق برتقالية. في الإقليم يوزع تيار المستقبل كراتين زرقاء، وتحضر إلى الذاكرة الصورة الشهيرة التي يعرفها اللبنانيون. صورة كرتونة الإعاشة الحريرية في بيروت، التي انتقدها أعداؤها، وما انفكوا يقلدونها. كان ذلك قبل خروج جيش البعث من لبنان، ولكن روح "البعث" بقيت ماثلة في جميع أحزاب السُلطة. في الجنوب توزع حركة أمل صناديقها أيضًا، وقبل هذا كله، وقبل الانتفاضة بأسابيع، ضجّت الدنيا بتقرير عرضه تلفزيون "المنار" التابع لحزب الله، وتظهر فيه عائلة وهي تتلقى المساعدات. وغيرهم كثيرين.

في لبنان تقلّد الأحزاب نفسها. تتبع بعضها البعض، وتنافس بعضها البعض. تحاول ترسيخ حدود طوائفها بصناديق "إعاشاتها"

الجميع يوّزع، ويصوّر، وليس بحاجة لأن يقول. كل كرتونة بما فيها تنضح. الأحزاب تنتقم من الناس. توّزع وتعلن: بإمكاني أن أذلكم. توّزع حصصًا غذائية، وتقول: أنا فقط أحدد متى تجوعون، وكيف تجوعون، ومتى تموتون من الجوع. ليست مجرد محاولة تنصل وقحة أيضًا. إنها عملية ثأرية من الانتفاضة. كذلك إنها عملية تبادل معلنة، على قاعدة ظاهرة هي الهرمية الطائفية، وقاعدة باطنية أكثر تعقيدًا: يجب أن يكون هناك محتاجون، ويجب أن يكون هناك دليل إلى حاجتهم. دليل واضح لا يحتمل الإنكار: أن يمدوا أيديهم، وأن تجد هذه الأيدي من "يتكرم" عليها، أو يتصدق إليها. هذه ثقافة ولديها وظيفة.

اقرأ/ي أيضًا: في بيروت.. زحمة يا دنيا زحمة

"الإعاشة" عملية تبادل خاسرة أيضًا. تبادل الحسابات المصرفية الكبيرة في سويسرا، والمحتجزة في مصارف لبنان، بما تمنحه السلطة المهيمنة، التي توهم الناس أنه لا حلول، وعليهم أن يقبلوا بأقدارهم، وبما يحصلون عليه في صناديق حظهم. ليس مهمًا ما الذي تحويه هذه الصناديق، المسماة صناديق الإعاشة، بقدر ما أنه محاولة ترسيخ لنوع محدد من العلاقة بين الناس وبين الأحزاب المتسلّطة، التي تشكّل مع بعضها جسدًا داخل جسد النظام، ويشكّل كل حزب منها جسدًا خاصًا يعمل ضمن حدود "الطائفة" وحدود النظام. العلاقة التي نتحدث عنها ليست علاقة "أيادي بيضاء"، ولا علاقة "الخير" ولا شيء من هذا. هذا نجده فقط في أدبيات القصور التي تنظر إلى ما هو خارجها من فوق. العلاقة التي نتحدث عنها هي علاقة تبعية، والقصد من حركة توزيع الإعاشات على جانب لا يغفل غيرة الأحزاب من بعضها البعض، ليس ترسيخ التبعية وحسب، بل التأكيد بأنه ليس للناس أي خلاص سوى هذه التبعية. القصد هو القول لا تثوروا، لا تنتفضوا. لا تفعلوا شيئًا، ليس لديكم أي خلاص خارجنا أو بدوننا.

المفارقة أن أمين عام حزب الله كان واضحًا، عندما قال الأمر نفسه في أول خطاب له تعليقًا على الانتفاضة. قال إن المتظاهرين يمكنهم أن يناشدوا ويطالبوا، لكن وحده الحزب يحقق ما يريد، ولا ينسحب قبل أن يحقق ما يريد. المفارقة الأولى أن المرة الوحيدة التي تظاهر فيها الحزب وأقام في الساحتين (الشهداء ورياض الصلح) كانت للمطالبة برحيل حليف اليوم من داخل النظام، وهو الرئيس السابق للحكومة، فؤاد السنيورة.

والمفارقة الثانية أن السنيورة، وبين المزح والجد، وفي نكات اللبنانيين وبينهم وبين بعضهم البعض، يعتبرون السنيورة مسؤولًا مباشرًا عن السياسات الاقتصادية الفاشلة، إن لم نقل أكثر من ذلك، احترامًا لقوانين الصحافة. المفارقة الثالثة، أن الحزب أقام فعلًا في الساحتين، ونصب الخيم أيضًا، ولكنه خرج بخفي حنين، وبقي السنيورة، بينما نجح المتظاهرون في 17 تشرين الأول/أكتوبر، من خارج أي استقطاب طائفي، في إجبار سعد الدين الحريري على الاستقالة والتنحي، وكان واضحًا للجميع الجهة التي تتمسك بالحريري.

 المفارقة الرابعة، أن نصرالله، وفي خطاب 8 آذار الشهير، الذي ربط فيه بين سوريا وبين بشار الأسد مؤسسًا لمرحلة باتت نتائجها معروفة للجميع، قال جملته الشهيرة "لبنان ليس أوكرانيا"، معترضًا على التظاهر ونصب الخيم، قبل أن يقوم بالأمر نفسه. المفارقة الخامسة، أن الحزب وحلفاؤه لعبوا دورًا أساسيًا في محاولات قمع الانتفاضة الأخيرة وإجهاضها.

صحيح أن ظاهرة توزيع "الإعاشات" أقل من غيرها عند الحزب، لكن الظاهرة بحد ذاتها مناسبة له لاحتواء الجماهير على أساس طائفي. وهذه ليست المسألة الوحيدة التي يلعب فيها لعبة النظام اللبناني ويربح. بالنسبة لغالبية اللبنانيين، حزب الله هو الأقل مشاركة في الصفقات، وفي الانتفاع، وفي جني مكاسب مباشرة من الوجود في الوزارات والمواقع في الدولة. حتى أنه عبر مرارًا وأعلن بصراحة عن مصادر تمويله الخارجية وهذا ليس خافيًا على أحد. لكن لم يعد ممكنًا، إخفاء استماتة الحزب خلال الانتفاضة، لحماية هذا النظام، لأن سقوطه يعني سقوط كل شيء، واحتمال بناء نظام جديد تقوم العلاقة فيه بين المواطن والدولة على أساس جديد، غير أساس الحاجة والإعاشة، على ألا تمر هذه العلاقة بجسر هو الطائفة، ومجموعة أحزاب تمثل هذه الطائفة. كان هذا كابوسًا للحزب ولجميع الأحزاب التي هي من النوع نفسه.

اقرأ/ي أيضًا: المصارف اللبنانية: إذلال الناس أو الإضراب

الانتفاضة حدث مرعب لجميع الأحزاب. هكذا، فور شعورها بركود الانتفاضة قليلًا، سارعت للانتقام من الذين انتفضوا ضدّها. سارعت للتأكد من أن كل شيء عاد إلى طبيعته. سارعت لتقديم نفسها كممثل وحيد ونهائي لعلاقة البشر مع الدولة، وليس مهمًا إن كان ذلك إذلالهم. فقد دأبت العادة أن تذل هذه الأحزاب مناصريها، لأن شروط انتمائهم إليها لم تقم في الأساس على قاعدة متساوية. الأحزاب هي إعاشة جماهيرها، هي بالضبط ما يوجد في صناديق الإعاشة.

لا يوجد الكثير في الصناديق. في أفضل الأحوال القليل من زيت الزيتون وأكياس حبوب وبعض المعلّبات. من السهل القول إن الذي يقبل بالقليل هو الذي لا يملك شيئًا، لكن الحقيقة أن الذي يقبل بالقليل هو الذي لا يمكنه إلا القبول. لوقتٍ طويل كانت العلاقة هكذا بين أحزاب الطوائف وبين جماهيرها: عليكم القبول بما نعطيكم إياه، لأن هذا هو كل شيء. لا يوجد شيء خارج هذه الصناديق أيضًا، سوى الانتفاضة. لا بديل عن تجدد الانتفاضة.