رؤوس تيري نوار.. فنون ألهمها الجدار

رؤوس تيري نوار.. فنون ألهمها الجدار

الرسام الفرنسي تيري نوار

مرّت الذكرى الثلاثين على سقوط جدار برلين يوم التاسع من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري. حدث تاريخي مثل هذا لا يمكن أن يمرّ دون التوقف عنده وإعادة تذكر الأحداث التاريخية والتطورات التي سبقت وجود أو أدت لوجود هذا الجدار، بالتزامن مع ما تشهده عواصم عربية وعالمية عديدة من تظاهرات وانتفاضات ومليونيات تحاول إسقاط جدران من أنواع أخرى، جدارن بشريّة ومعنوية راسخة منذ وقتٍ طويل.

العيش في ظل جدار إسمنتي وبرج مراقبة، مدة 28 عامًا، يُنتج منظومة فكرية تقوم على الخوف والقلق

مثلما ألهمت خسارة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية الحلفاء لتقسيمها إلى مناطق نفوذ، ومن ثم بناء جدار طويل يقسمها بين معسكرٍ شرقي وغربي، أسّس ذلك لوجود جدار آخر فصل العاصمة برلين بين شرق وغرب، يمكن اعتباره ابنًا شرعيًّا للدعاية السياسية التي رافقت أجواء الحرب الباردة بين المعسكرين. كذلك خلّف العديد من الانقسامات والاضطرابات المعنوية والنفسية لدى سكان المدينة التي انقسم فيها كل أمرٍ إلى نصفين، الجغرافيا، الأشخاص، الأفكار والمشاعر.

اقرأ/ي أيضًا: جدران حلب.. حكاية البريد والساعي

اختبار إمكانية العيش في ظل وجود جدار إسمنتي وبرج مراقبة، نقطة تفتيش وأجهزة إنذار، حدود إسمنتية بطول 3,60 متر، لمدة 28 عامًا، أنتج منظومة فكرية تقوم على الخوف والقلق، تُذكّر على الدوام بحربٍ باردة نمت وسط  أجواء غاية في السخونة.

هذه الفكرة المرعبة ألهمت العديد من فنانيّ العالم على محاولة إنتاج أنواع فنية لمحاكاة الواقع، توثيقه ومحاكمته، كما دفعت مواطنين من جنسيات مختلفة وفنانين للذهاب إلى مدينة برلين في تلك الفترة ودفعتهم أيضًا للتعبير عن تلك الصدمة من خلال الرسم والتأليف الموسيقي وتصوير الأفلام والكتابة الإبداعية.

من ليون إلى برلين

غادر الرسام الفرنسي تيري نوار Thierry Noir حين كان شابًا مدينة ليون الفرنسية قاصدًا مدينة برلين في عام 1982، وجهته بشكلٍ خاص كانت الجزء الغربي من المدينة، والذي كان ذائع الصيت في تلك الفترة. أراد نوار البحث عن فرصة عمل في المدينة المنقسمة بعد أن يأس من إيجادها في مدينته. في البدء، وجد شقةً له على مقربة من الحدود الإسمنتية، عاش في تلك الشقة التي تطل على الجدار ولا حظ مع مرور الوقت بأن لذلك اللوح الإسمنتي ثقلًا معنويًا ونفسيًا يسبب الحزن والكآبة لمن يعيش بالقرب منه ويُجبر على رؤية تلك الفواصل، فلا يمكن أن تتعايش وتعتاد على مثل تلك القوائم الكونكريتية.

قرّر نوار أن يحاول إخفاء ثقل ذلك الجدار، فما كان منه إلّا أن قام برسم تلك الرؤوس الملونة التي تحمل رموزًا على مساحة لا بأس بها من الجدار، محاولًا التغلب عليه بتلوينه وإضافة الرسومات التي تخلق صورة بصرية أخرى للون الإسمنت الحيادي والذي يثير القلق في النفس.

كان فعل الرسم على جدار برلين من المحرمات، كما يذكر تيري نوار، حيث تعرض للكثير من الإهانات من قبل سكان المنطقة

في ذلك الوقت، كان تيري نوار أول فنان يقوم بالرسم على الجدار، والذي قد يبدو طارئًا ودائمًا في نفس الوقت، بكل ما فيه من رمزية للحرب غير المعلنة، والقتل غير المعلن عنه وغير المُشرع وقتها. وقد كان قد أطلق عليه اسم آلة القتل الصامتة، فالعديد من سكان تلك المنطقة المفصولة كما ذكرنا، لقوا حتفهم خلال محاولاتهم الهروب والتسلل بين المنطقتين، بعضهم من علق في الأسلاك الشائكة قبل بناء الجدار، وآخرون تم إلقاء القبض عليهم متسللين، وبالتالي تعرضوا للسجن، وعليه إنّ وجود الجدار في أحد جوانبه كان يُشرع الموت على الرغم من الاعتقاد بأنه كان يمنع قيام الحرب ويصد الموت.

رؤوس تيري نوار الملونة

قد يبدو الأمر في غاية البساطة، رؤوس شاقولية كبيرة، لها ألوان مختلفة على خلفيات ملونة أيضًا، بعيونٍ جاحظة دائرية، لها بروز مكان الفم. هذه الرؤوس التي تبدو سهلة القراءة، تحمل تلك المشاعر التي كانت سائدة قبل ثلاثين عامًا في مكانٍ منقسم مثل مدينة برلين، المفاجأة والدهشة، القلق الوجودي، والخوف مما يتركه وجود ذلك الحاجز أمام من يعيش على مقربةً منه ومن يمر بجانبه كل يوم، الشعور بأن العالم مغلق أمام الإنسان دفع نوار الشاب إلى ابتكار تلك الرؤوس التي لم تكن مفهومة ومقبولة بالنسبة لمن رآها لأول مرة.

اقرأ/ي أيضًا: بانكسي في ميونيخ.. درس الشارع وفنونه

كان فعل الرسم على ذلك الجدار من المحرمات، كما يذكر تيري نوار في مقابلةً له في راديو فرانس كلتور، حيث تعرض للكثير من الإهانات من قبل سكان المنطقة المجاورة والمارة الذين استغربوا فعله أشد الاستغراب. كما أنه قد تعرض للإزعاج من بعض الناس، لكنه يبرر ذلك بقوله: "ربما لكوني فرنسيًا (يقصد كونه غريبًا عن المكان) لم أكن مهتمًا بهذه القضية، ولم أعتبر ذلك الفعل محرمًا، لقد شعر الجيران والمارة بالصدمة عندما رأوا أنني رسمت لوحات جدارية كبيرة ملونة على الحائط، كان بعضهم قد رسم بالفعل رسومات صغيرة، لكن ما فعلته هناك كان جديد تمامًا". ثم يتابع: "كثيرًا ما اضطررت إلى التوقف عن الرسم، وتقديم نفسي وشرح ما أقوم به للآخرين".

في شهادة نوار هذه إطلالة على نمط من القيود الاجتماعية الناتجة عن حالة الصدمة التي خلفها وجود الجدار، حيث يمكن التنبؤ بالمخاوف والمشاعر المهيمنة على نفوس البشر بعد قيام هكذا حاجز في حياتهم.

في تلك الفترة، كان هدف تيري نوار إخفاء وجود الجدار والتغلب عليه من خلال فكرة واحدة وعدّة ألوان، واليوم رؤوس تيري نوار التي مازالت موجودة على الجزء المتبقي من الجدار، بعد أن صار معرضًا في الهواء الطلق،East Side Gallery، يحتوي على العديد من اللوحات الجدارية والرسومات القديمة والجديدة، والتي تعبر عن ما يطلق عليه بفن الحدود، كما أن جدار برلين هو أول رمز من رموز ذلك النوع الفني، الذي يتعامل مع تلك الفواصل الإسمنتية التي تقسم المجال الحيوي في جغرافيا واحدة.

يعتبر معرض الجهة الشرقية واحدًا من جدران كثيرة حول العالم حملت رسائل وصور فنية تواجه رسائل وخطابات سياسية، وفي الوقت نفسه ما زالت محتفظة بمعاني تلك السقطة وذلك التهديم الذي جاء بعد وقت طويل من الفصل والعزل لفضاء واحد.

في برلين، يعتبر معرض الجهة الشرقية واحدًا من جدران كثيرة حول العالم حملت رسائل وصور فنية تواجه رسائل وخطابات سياسية

تعرف مدينة برلين وزوّارها رؤوس تيري نوار تلك، وتحفظها كعلامة محددة تشير إلى أجواء الخوف والقلق التي كانت مسيطرة على الحياة ونمط العيش في كلا الجهتين، إلاّ أن أمرًا آخرًا جعل الفنان وغيره من رسامي الغرافيتي الذي تركوا بصماتهم على طول هذا الجدار، جعلهم يشعرون ببعض السأم واليأس، وهذا ما قد نلاحظه في زيارةٍ إلى هناك والوقوف عند أثر التطور الحضري والمدني الذي تشهده العاصمة الألمانية اليوم، والذي قد يأتي على ما بقي من ذلك الجدار وبالتالي معرض الجهة الشرقية التي تحوي على أعمال هؤلاء الفنانين ممن حولوا واحد من رموز الحرب والعنف والانغلاق إلى معرض فني.

اقرأ/ي أيضًا: هل ترّوض باريس الـ"ستريت آرت"؟

مازالت إلى اليوم رؤوس تيري نوار علامة تعريفية يمكن لمن يراها أن يعرفها على الفور، تميز أعمال الفنان الذي يعبر من خلالها عن رؤيته للعالم عبر فن الغرافيتي الذي صار أداته. ولكن لم تعد رؤوس نوار موجودة فقط في معرض الجهة الشرقية، بل أخذت لنفسها أمكنة أخرى، في مدنٍ أخرى وجدرانٍ أخرى. كذلك شكلها الاحتجاجي الأول قد تبدل، وبالتالي تغيرت معه تلك الأحاسيس التي حملتها الوجوه عام 1982 وصارت تعبر عن أفعال أخرى ومشاعر إنسانية أخرى، بالضرورة أكثر معاصرة، كما صار لها دورٌ تزينيّ وهندسيّ في أماكن حيادية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فن الشارع... صوت اليمن على جدرانه

غرافيتي الجزائر.. لم يتبق إلا الجدران