غرافيتي الجزائر.. لم يتبق إلا الجدران

غرافيتي الجزائر.. لم يتبق إلا الجدران

للجزائر حصة من غرافيتي غزة (Getty)

لم يبق الفن حبيس المتاحف والمسارح وصالات العرض، بل توسعت رقعته واجتاح الساحات العامة والشوارع، مما مهد لظهور "فن الشارع". نحن في عصر "الغرافيتي". ويعد الغرافيتي أو الرسم على الجدران أحد أهم أشكال هذا الفن حديثًا، لا سجال في هذا. تعود أصوله إلى رسومات الكهوف في الحضارات القديمة كالفرعونية، اليونانية، والرومانية. تطور كغيره من الفنون على مر الأزمنة، هو صنف جديد قائم بذاته وطريقة تعبيرية مميزة، تتخذ من الحائط منصة للتعبير عن الأفكار والإعلان عن الرسائل السياسية والاجتماعية. إنه شكلٌ من أشكال الدعاية أيضًا.

في الجزائر، الغرافيتي وافد جديد. بدأ بالانتشار أخيرًا بين صفوف الشباب، فجولة سريعة في أزقة العاصمة، تكشف لنا رسومات على جدران مختلف أحياء المدينة. قرب تمثال الأمير عبد القادر في قلب العاصمة تقابلك جدارية عملاقة، قام مجموعة من الرسامين بإنجازها، مما أضفى جمالية خاصة على الحي. إنها رسالة أكثر من لوحة.

يرى الباحث كريم أوراس أن بداية ظهور فن الغرافيتي يعود إلى ما بعد أحداث 5 أكتوبر 1988، والتي كرست الانفتاح السياسي والتعددية الحزبية في الجزائر، حينها استعمل الكثيرون الكتابة على الجدران لتسجيل انفعالاتهم وأحاسيسهم تجاه تلك الأحداث. كانت جل الكتابات والرسومات سياسية محضة، وكانت طريقة خاصة في الاحتجاج، والتعبير عن عدم الرضا. لقد دأب رسامو الغرافيتي منذ ذلك الحين على قول علانية ما يفكر فيه المجتمع سرًا.

اقرأ/ي أيضًا: لبنان.. دولة بوليسية تحت الطبع

 نسيم، طالب ثانوي، وأحد هواة الغرافيتي، بدأ اهتمامه بهذا الفن قبل ثلاث سنوات، حين رأى مجموعة من الشباب يقومون برسم جدارية، فأعجبه ذلك التناسق بين الألوان والأشكال. يقول نسيم "أعلم أن غالبية الناس، لا يفهمون فحوى ما نقوم به، وينظرون إليه على أنه فعل فوضوي وضرب من ضروب التخريب". يصادف مشاكل أحيانًا..  "وقد لا نتمكن من إكمال عملنا، فتطاردنا قوات الأمن، وحتى قاطنوا الأحياء يرفضون فكرة أن نقوم بالرسم على جدران عماراتهم ما يضطرنا دائمًا أن نقوم بذلك في جنح الظلام".

 وفي السياق ذاته، يرى محمد وهو طالب في المدرسة العليا للفنون الجميلة، أن الغرافيتي ينتشر في الجزائر، و لكن ببطء، و ذلك كون هذا النوع غير معروف كثيرًا، كما أن النظرة النمطية للمجتمع حوله من الصعب أن تزول بسرعة.. "لكننا نحاول دائمًا أن نثبت أن الرسم على الجدران له قيمته الجمالية الخاصة، ونحاول أن نمارس شغفنا غير آبهين بما نتعرض له من تضييق غير مبرر، فهذا هو المجال الوحيد المتبقي لنا للتعبير بكل حرية عما نفكر فيه".

يجمع رسامو الغرافيتي في الجزائر على أن الرسومات والكتابات التي تغزو الجدران هي صوت القهر

أما توفيق، وهو شاب في العشرينيات، وعضو في إحدى فرق الغرافيتي في العاصمة، يقوم بشيء مختلف نوعًا ما. يتبنون فكر "الألتراس"، المشجعون المهووسون بفرق كرة القدم. يقول توفيق "نستمد أفكارنا وكل ما نرسمه سواء على الجدران أو قطع القماش، من عشقنا لفريق القلب "شباب بلوزداد"، فنحن نحضر رسومات عملاقة، يرفعها المشجعون أيام المباريات، نحن نرسم باستمرار ونملك مقرًا نقوم فيه بذلك".

يجمع كل ممارسو فن الغرافيتي في الجزائر، على أن الرسومات والكتابات التي تغزو الجدران، هي صوت القهر الذي يعانونه و صدى لكبت اجتماعي عميق، فأثناء الرسم يعم جو من الحماس، وتدفق كبير للأدرينالين. ذلك رغم أن لوحة فنية يتطلب إنجازها ساعات طويلة، قد لا تلبث يومًا واحدًا وقد تطالها ضربة طلاء، كما يشتكي هؤلاء من غياب محلات متخصصة لبيع مستلزمات الغرافيتي، وانعدام توجه واضح من طرف الجمعيات، ودور الثقافة لطرح مبادرات من شأنها التعريف بهذا الشكل المميز للفن.

حتى الآن لا فعاليات فنية للغرافيتي في الجزائر، كما يحدث في عديد الدول المجاورة كتونس والمغرب. وفي غياب ذلك، طرحت مواقع التواصل الاجتماعي نفسها كبديل وجامع لكل هؤلاء حيث تنتشر صفحات ومجموعات أنشأها هواة الغرافيتي من أجل التعرف فيما بينهم، وتقاسم التجارب والخبرات، ومحاولة نقل كل ذلك من العالم الافتراضي إلى أرض الواقع. لم يتبق لهؤلاء، سوى الجدران.

اقرأ/ي أيضًا: الجزائر.. إقامات إبداعية في المحبة