16-سبتمبر-2023
gettyimages

تعاني مدينة درنة، بشكلٍ خاص، من إهمال في البنية التحتية (Getty)

اعتبرت مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية، أن ارتفاع حصيلة كارثة الزلزال في المغرب، والفيضانات في ليبيا، مرتبط بسياسة الإهمال السياسي، وانعدام البنية التحتية.

ووصفت المجلة البريطانية الحدث في تقريرٍ لها، قائلةً: "اهتزت الأرض أولًا، ثم انفتحت السماء"، وقبل منتصف ليلة 8 أيلول/سبتمبر، ضربت هزة أرضية المغرب بدرجة 6.8 على مقياس ريختر، وهي الأقوى التي تضرب البلد منذ أكثر من قرن". 

وكان مركز الهزة جنوب غرب مراكش تحت جبال الأطلس، وقد سويت قرى جبلية بكاملها، وتحولت إلى أكوام من الأنقاض، وقتل على الأقل 2900 شخصًا. وبعد يومين ضرب إعصار شرق ليبيا، وأسقط أمطارًا بمستوى متر في يوم واحد، وأكثر بمرتين أو ثلاث مرات مما تشهده المنطقة في الموسم الجيد أثناء عام.

اعتبرت مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية، أن ارتفاع حصيلة كارثة الزلزال في المغرب، والفيضانات في ليبيا، مرتبط بسياسة الإهمال السياسي، وانعدام البنية التحتية

ففي مدينة درنة الواقعة على وادٍ، انهار سدّان، وأدى تدفق المياه الكبير إلى محو أحياء سكنية كاملة، ليخلف في حصيلة غير نهائية وصلت إلى 5300 قتيل، بالإضافة لآلاف المفقودين، وغرق أكثر من 10% من سكان المدينة في المياه.

وتقول المجلة، إن الكارثة التي تبعتها أخرى تحمل "حسًا قياميًا"، فقد تم عرض مشاهد لا نهاية لها من الحسرة والحزن على القنوات الإخبارية العربية، حيث كان الناس يبحثون في يأس عن أحبائهم في المنازل التي سويت بالأرض أو غمرتها المياه. ولكن مع مرور الأيام تحول الحزن إلى غضب.

التقصير.. قاسم مشترك

تشير "ذي إيكونوميست"، إلى أن هناك القليل من القواسم المشتركة بين المغرب وليبيا، المغرب نظام ملكي مستقر تقوده نفس العائلة منذ القرن السابع عشر، أما في ليبيا هناك حكومتان تحكمان البلد، حكومة معترف بها دوليًا في الغرب، وأخرى يقودها أمراء الحرب في الشرق، ولا تستطيع أي منهما أداء الوظائف الأساسية للدولة. 

إحدى الدول تعتبر وجهة سياحية شهيرة، ومركزًا للتصنيع للشركات الأوروبية، والأخرى دولة مزقتها الحرب، وهي مع ذلك منتج رئيسي للنفط. وما يشتركون فيه هو "الاستجابة البطيئة للكوارث" التي كانت شرسة بشكل غير عادي، ومن الصعب تصورها.

getty

وتضيف المجلة: "الزلزال الذي ضرب المغرب جاء دون سابق إنذار. ولكن إذا كان من المستحيل التنبؤ بالزلازل، فمن الممكن رصد الاتجاهات. أحصت دراسة أجراها مجموعة من علماء الزلازل عام 2007، أكثر من 1700 هزة في المغرب وما حوله خلال الألفية الماضية، بما في ذلك عشرات الهزات في جبال الأطلس. ومع ذلك، لم يكن هناك سوى القليل من الاستعداد".

وأشارت المجلة إلى تعزيز قوانين  البناء في السنوات الأخيرة، مستدركةً ذلك بالقول: "لكن العديد من المنازل مبنية من حجارة بسيطة، والتي تنكسر بسهولة أثناء الزلزال. وفي القرى الأكثر تضررًا من الزلزال، لا يستطيع السكان تحمل تكاليف تدعيم منازلهم. ويعتقد البنك الدولي أن واحدًا من كل خمسة من سكان الريف المغاربة يكسب أقل من 3.65 دولار في اليوم، مقارنة بـ 4% فقط من سكان المدن".

رفض المساعدات

في الساعات التي تلت الزلزال، عرضت عشرات الدول الأجنبية المساعدة. لكن المغرب قبل المساعدة من أربع دول فقط، هي : بريطانيا وقطر وإسبانيا والإمارات، فيما مُنعت مجموعة من منظمة "Secouristes sans Frontières"، وهي جمعية خيرية فرنسية، من دخول البلاد.  وجهزت ألمانيا فريق إنقاذ مكون من 50 رجلًا، لكن الأمر توقف بعد ساعات،

ولم توضح الحكومة المغربية سبب رفضها أو تجاهلها لعروض المساعدة. 

ولتقديم إجابة على هذا الرفض، يقول بعض عمال الإغاثة أن المساعدة الزائدة عن الحد يمكن أن تكون أمرًا سيئًا، حيث أن الفرق المختلفة تقف في طريق بعضها البعض. تقديرات أخرى تربط بين المساعدات والسياسة، بالقول: "قبول المساعدات من إسبانيا، وليس فرنسا، على سبيل المثال، يبدو مرتبطًا بدور فرنسا باعتبارها الدولة الاستعمارية للمغرب من عام 1912 إلى عام 1956".

قاد الجيش جهود الإغاثة، لكن التضاريس جعلت هذه الجهود صعبة، ففتح الطرق للوصول إلى القرى الجبلية المعزولة يسير ببطء، ويحتاج الناجون إلى إمدادات  منتظمة من الغذاء والدواء. لكن يبدو أن عامل البيروقراطية فاقم الوضع. 

فقد أفاد بعض الأشخاص أنهم غير قادرين على دفن موتاهم بسبب عدم توفر الأوراق الرسمية، مما يترك الجثث تتعفن في الشمس.

وتشير المجلة البريطانية، إلى أن المغاربة ليسوا متأكدين مما إذا كان ملكهم الذي يقضي معظم وقته في باريس، كان موجودًا في البلاد عندما وقع الزلزال، وقد استغرق الأمر ما يقرب من خمسة أيام لقيامه بزيارة سريعة إلى مراكش. وقبل وصوله، كان من الممكن رؤية العمال وهم يعيدون طلاء الأرصفة والطرق، وهو "أمر غريب في تحديد الأولويات".

نكبة درنة

تقول المجلة البريطانية: "إذا كان رد المغرب بطيئًا، فإن رد فعل ليبيا كان مخزيًا"، إذ كان لدى السلطات الليبية تحذيرات كافية بشأن إعصار "دانيال"، فقد هطلت أمطار غزيرة على اليونان قبل أسبوع تقريبًا من ضرب ليبيا. ومع اقتراب الإعصار من درنة، طلب رئيس البلدية من أمير الحرب خليفة حفتر، الذي يفرض  سلطة الأمر الواقع في الشرق، المساعدة في إخلاء المدينة. وحتى مع ارتفاع منسوب المياه في السدين، لم يُطلب من أحد الفرار.

getty

وتضيف "ذي إيكونوميست": "لفهم أفضل لما حدث من دمار الذي أعقب الفيضانات، تظهر صور الأقمار الصناعية قبل وبعد اختفاء المباني القريبة من الوادي. وكيف جرفت الجسور أيضًا، وأصبح المسار المائي الذي كان منظمًا في السابق، عبارة عن امتداد فوضوي. وتحولت الحدائق الخضراء والأسفلت الأسود إلى ظل موحد من اللون البني، والمدينة بأكملها مغطاة بالطين".

وعرض الأجانب المساعدة على ليبيا أيضًا، لكن ذلك سيواجه بعقبات لوجستية. على سبيل المثال، قد لا تكون التأشيرات الصادرة في أحد أجزاء البلاد صالحة في الجزء الآخر. وبعد سنوات من الحرب الأهلية، لا أحد يعرف حتى الآن عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة، فالتقديرات الرسمية للقتلى والمفقودين ليست أكثر من مجرد تخمينات، ويشعر الناس في أجزاء أخرى من شرق ليبيا بالتوتر، ولم تفعل القوة المسيطرة هناك الكثير لطمأنتهم.

 وفي 12 أيلول/سبتمبر ، حذر المتحدث باسم حفتر من أن سدًا آخر، بالقرب من مدينة بنغازي، كان على وشك الانهيار. وحث السكان على الإخلاء، وبعد ساعات أخبرهم أن كل شيء تحت السيطرة.

ويعكس حجم الكارثة، تاريخًا خاصًا من الإهمال في درنة، المدينة التي طالما اعتبرتها السلطات الليبية معقلًا للإسلاميين. إذ كان معمر القذافي، الدكتاتور المخلوع في عام 2011، سعيدًا بخروج أبناءها للقتال في العراق أو أفغانستان. واستولى تنظيم الدولة الإسلامية على أجزاء من المدينة عام 2014، لكن تم طرده لاحقًا على يد مجلس شورى مجاهدي درنة، ثم قام حفتر، الذي ناصب العداء للإسلاميين، بفرض حصار على المدينة "لاستئصال تلك الجماعات"، بحسب تعبير "ذي إيكونوميست".

يعاني جزء كبير من ليبيا من حالة من الفوضى، لكن الاستثمار في البنية التحتية لمدينة درنة كان ضئيلًا للغاية

ويعاني جزء كبير من ليبيا من حالة من الفوضى، لكن الاستثمار في البنية التحتية لمدينة درنة كان ضئيلًا للغاية، وربما يكون هذا أحد الأسباب وراء انهيار السدين، التي بنتهما شركة يوغوسلافية في السبعينيات. ويشك العديد من الليبيين في أن حفتر لم يكن سعيدًا برؤية المكان مغمورًا بالمياه.

تغير المناخ

سيقضي المغاربة الأشهر القليلة المقبلة على قلق بشأن الهزات الارتدادية. وعلى المدى الطويل، سوف تصبح العواصف على غرار إعصار "دانيال" أكثر شيوعًا، وتتنبأ النماذج المناخية بأن ارتفاع درجة حرارة العالم قد يجلب عددًا أقل من الأعاصير في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ولكن أكثر شراسة، مع توليد رياح بقوة الأعاصير.

كما تعد حرائق الغابات بالفعل مشكلة متنامية حول حوض البحر الأبيض المتوسط، وسيتعين على الحكومات أن تكون مستعدة بشكل أفضل.