حياة مرشاد: أرفض مقارنة الحركة النسوية اللبنانية بنظيرتها الغربية

حياة مرشاد: أرفض مقارنة الحركة النسوية اللبنانية بنظيرتها الغربية

الناشطة النسوية اللبنانية حياة مرشاد (قنطرة)

تتباين النظرة للحركات النسوية بشكل كبير في المجتمعات العربية، وتختلف الآراء كثيرًا حول أهمية هذه الحركات ومدى تعبيرها عن اهتمامات المرأة العربية، ومدى توافقها مع الثقافة السائدة في المجتمع.

غيرت الحركة النسوية النظرة السائدة في مجموعة واسعة من المجالات داخل المجتمع الغربي، وخاصة في ميادين الثقافة والقانون

تحولات الحركة النسوية

غيرت الحركة النسوية النظرة السائدة في مجموعة واسعة من المجالات داخل المجتمع الغربي، وخاصة في ميادين الثقافة والقانون. وشمل عمل الفلسفة النسوية مجموعات متنوعة من التخصصات، كالأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والاقتصاد، والثقافة، ودراسات المرأة، والنقد الأدبي، وتاريخ الفن، والتحليل النفسي والفلسفة والبيئة واللاهوت.

اقرأ/ي أيضًا: النسوية.. عندما تضل المعركة وجهتها 

ومن المعتاد تقسيم تاريخ الحركة النسوية إلى ثلاث موجات أساسية:

1. خلال الموجة الأولى كانت هناك علاقة ملحوظة بين حركة إلغاء العبودية وحركة حقوق المرأة. وكان من الضروري العمل بين الحركتين سويًا من أجل تحقيق المساواة الحقيقية فيما يتعلق بالعرق والجنس.

وكانت الموجة موجهة نحو حق الملكية وحق الاقتراع والمساواة السياسية، والمكاسب القانونية، ومعارضة الزواج التجاري أو التملكي للمرأة وأطفالها من قبل الزوج. وكان ذلك في القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20.

2. أما الموجة الثانية فانتقلت إلى العمل على الحقوق الإنجابية للمرأة، واهتمت بقضايا المساواة الأخرى، مثل إنهاء التمييز العنصري في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. 

وتوسعت رؤية الحركات النسوية وربطت بين عدم المساواة الثقافية والسياسية للمرأة بشكل جوهري، فتم تشجيع النساء على فهم جوانب حياتهن الشخصية باعتبارها مسيسة بشكل كبير وتعكس هياكل السلطة السياسية.

3. والموجة الثالثة بدأت من الحركة النسوية في أوائل التسعينات. ونشأت كرد فعل نقدي لتطوير الموجة الثانية، وأيضًا كرد فعل على العنف الذي تعرضت له المبادرات والحركات النسوية في الموجة الثانية.

وسعت النسوية من الموجة الثالثة إلى تجنب ما تعتبره التعريفات الأساسية لمصطلح الأنوثة. ودارت مناقشات داخل الحركات النسوية في هذه المرحلة بين فريق يعتقد أن طبيعة ومدى الاختلافات بين الجنسين كبيرة، وفريق يعتقد أنه لا توجد اختلافات متأصلة بين الجنسين، وأن أدوار الجنسين ترجع إلى تكييف اجتماعي.

واستمرت النسوية من الموجة الثالثة في معالجة التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وشملت حملات متجددة لزيادة تواجد المرأة في السياسة والإعلام.

واقع النسوية في لبنان

أجرى "ألترا صوت" مقابلة مع الصحفية والناشطة النسوية اللبنانية حياة مرشاد، للحديث حول النضال التراكمي للحركة النسوية في لبنان، فقالت مرشاد، إن "النضال النسائي في لبنان مستمر، ولم يكن نضالًا نسويًا فقط"، مشيرةً إلى أن "هذا النضال نجح تراكميًا في إحداث حراكٍ نسوي حقيقي".

وأوضحت مرشاد: "الحراك النسوي يتميز بالتغيير الجذري على صعيد السياسات، ومواجهة مباشرة مع النظام البطريركي الأبوي، الذي يقمع النساء ويميز ضدهم".

تؤرخ حياة مرشاد لبدء تبلور الحراك النسوي في لبنان، إلى خمس سنوات مضت، متمثلًا في الحراك الذي قادته منظمات تحمل أجندات نسوية. "فيما قبل ذلك، لم تكن التحركات النسائية ذات أجندة نسوية واضحة ومتبلورة مقارنة بما هو الحال عليه اليوم"، تقول حياة مرشاد.

أما أبرز القضايا التي تتحرك النسوية في لبنان حولها، هي مناهضة العنف ضد المرأة بكافة أشكاله، وإقرار قانون لتشديد العقوبة على المغتصب. كما أن هناك تحركات لتفعيل دور المرأة سياسيًا، غير أنها ليست ذات زخم كبير، فالحراك النسوي في لبنان، أكثر اشتباكًا مع الحقوق الإنسانية والاجتماعية، مثل مناهضة العنف والتحرش والاغتصاب، وكذلك مناهضة الزواج المبكر.

وتشير حياة مرشاد إلى أن هناك بعض القضايا الإشكالية بين الحركة النسوية في لبنان، من حيث عدم وجود اتفاق حولها، مثل موضوع العاملات الأجنبيات، وقضايا المثلية والحقوق الجنسية إجمالًا.

اختلافات بين الحركات النسوية

لكنها مع ذلك، لا ترى ضرورةً لتوحيد الرؤى النسوية؛ لأنه "ليس المطلوب أن تكون المجموعات النسوية تشبه بعضها"، مستدركة: "باستثناء ما يتعلق بالموقف من النظام الحاكم الذي يقمع كل مظاهر الحقوق والحريات، ومن بينها حقوق النساء وحريتهن". بخلاف ذلك فهي ترى أن الاختلافات حتى الأيديولوجية داخل الحركة النسوية، أمر صحي.

"هناك موجة نسوية شابة في لبنان، تُأسس لخطاب جديد وأكثر ثورية فيما يخص التعامل مع كل المنظومة القامعة لحرية المرأة"، تقول مرشاد، مضيفةً: "وهناك مجموعات من التيار القديم التي تحمل خطاب يهادن إلى حد ما السلطة. ولكن هناك دائمًا حوارات ومساحات للتلاقي على أمل إنتاج خطاب أوضح للنسوية ككل".

كل المنظمات النسوية لها إستراتيجيات وخطط انطلاقًا من أجنداتها، ورؤيتها لواقع المجتمع، أما فيما خص المراعاة بين التقاليد الاجتماعية وبين مطالبات الحراك النسوي، فتعلق مرشاد: "هناك اختلاف حول هذا الموضوع، فثمة منظمات لا يهمها مراعاة الواقع الاجتماعي بقدر ما يهمها أن يكون الخطاب النسوي واضحًا، وتفرض قضايا المرأة. في المقابل هناك منظمات تهادن وتفتح نقاشات مع رجال الدين، وتكون حذرة كثيرًا في خطاباتها، وتقوم بقولبتها حسب حاجة المجتمع". 

وترى حياة مرشاد أن الخطابين مطلوبان، مستطردةً: "نحن نريد خطابًا ثوريًا يفرض التغيير. ونريد كذلك خطابًا دبلوماسيًا للعمل على الصعيد السياسي، للتغيير من داخل بنية النظام".

وفي السنة الماضية تشكل تجمع نسوي تحت اسم "البلوك النسوي"، بادر لإطلاق حوار ونقاش وتبادل آراء بين المنظمات النسائية. من هنا، وكما تقول مرشاد، فثمة "تنسيق مستمر ودائم بين العديد من الحركات النسوية، فعلى سبيل المثال هناك تحالف وطني معارض يناهض التزويج المبكر".

توضح حياة مرشاد أنه لا توجد برمجة مسبقة لهذه التحركات، وإنما هو "التنسيق حسب الحاجة"، على حد تعبيرها، مشيرة إلى مسيرة يوم المرأة العالمي، التي تقام في لبنان بتنسيق بين المنظمات النسوية اللبنانية، وأنه مع ذلك "لا يمكن القول إن المنظمات النسوية استطاعت تشكيل لوبي نسوي ضاغط في لبنان. وإنما لكل فرد دور من موقعه"، على حد قولها.

ماذا حققت النسوية اللبنانية؟

استطاعت النسوية اللبنانية أن تحقق إنجازات في العديد من الملفات القانونية على وجه التحديد، فصدر بضغوطها قانون يحمي من العنف الأسري، فيما ألغيت المادة 522 من قانون العقوبات التي كانت تجيز للمغتصب الزواج من الفتاة التي اغتصبها، لتسقط عنه بذلك تهمة الاغتصاب. 

مع ذلك، لا زالت هناك مشاكل تتعلق تحديدًا بقوانين الأحوال الشخصية. وهي مشاكل ذات بنية طائفية تقوم عليها هذه القوانين، ما ينعكس أثره سلبًا على المطالب النسوية.

الرجال والنسوية اللبنانية

لا توافق الناشطة النسوية حياة مرشاد على أن هناك اضطهادًا للرجل من قبل النسويات في لبنان: "هناك اختلاف في طرق التعبير والخطاب فقط"، تقول، مضيفةً: "فهناك نسويات لديهن خطاب سقفه مرتفع، لكن لا يصل إلى درجة الاضطهاد، فهذه وصمة مرافقة من المجتمع الذكوري للنسويات في كل مرة نتحدث فيها عن قضايانا. ويتم إلصاق صفات بنا ككارهات الرجال والغاضبات".

في المقابل فهي تؤكد على أن الرجل من الممكن أن يكون داعمًا للقضايا النسوية، وأن الأمر لا يعني أن ينتظر الرجل إدماجه في الحركة النسوية مؤسسيًا، "لأن الرجال لديهم السلطة والموارد اللازمة لاتخاذ مواقف مساندة لقضايا المرأة".

وبالحديث عن اليوم العالمي للرجال، وما رافقه من سخرية واسعة النطاق على مواقع التواصل الاجتماعي، بين النسويات تحديدًا، تبرر مرشاد بأنها، أي السخرية، "إنما جاءت من منطق استفهامي عن الهدف أو المغزى من وراء هذا اليوم، خاصة وأن للرجال المساحة الأكبر للتصدر في المشهد اليومي، فما الداعي لأن يكون هناك يوم عالمي للرجال؟!"، موضحة بأن الأيام الرمزية عادة ما تُقرّ للاحتفاء بفئات مهمشة بالفعل في المجتمعات، كرمزية تذكير بضرورة الالتزام بالنضال لحقوقها.

النسوية اللبنانية والنسوية الغربية

في النهاية تطرق الحديث إلى المقارنات المعقودة بين النسوية العربية عمومًا، اللبنانية خصوصًا، وبين الحركات النسوية الغربية، لتشدد حياة مرشاد على رفضها المقارنة بين النسوية في الغرب وبين النسوية في لبنان، وترى أن لكل منها سياق خاص ضمن ظروف خاصة؛ "فالمكان والزمان مختلف عما هو الحال عليه في الغرب"، على حد قولها.

 تتساءل حياة مرشاد عن المغزى من وراء اليوم العالمي للرجال، وهم "لا يعانون التهميش"، بل "يحتلون المساحة الأكبر من المشهد اليومي"

وأوضحت حياة مرشاد: "ما يجب قوله دائمًا هو السعي لعمل كل ما هو متاح لدعم المرأة من داخل السياق الذي نعيش فيه، خاصة وأن هناك تهم موجهة إلينا دائمًا بأننا نستورد الأفكار من الغرب. وهذه تهمة غير صحيحة. طبعًا هناك تبادل تجارب وخبرات في حال وجدنا أن هناك ما هو مفيد لنا ولمجتمعنا اللبناني".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

رجال يضعون أحمر الشفاه رفضّا للعنف ضد المرأة

ماذا تعرف عن سوء المعاملة العاطفية؟.. وحش العنف الخفيّ ضد المرأة