حياة السياسيين الخاصة في المغرب.. مادة للتشهير والمساءلة

حياة السياسيين الخاصة في المغرب.. مادة للتشهير والمساءلة

أصبحت حياة السياسيين الخاصة في المغرب مادة للتريض والتشهير (فيسبوك)

في المغرب كما في باقي دول العالم، غدت أسماء سياسية نجومًا تتعقبها عدسات الكاميرات، وتُفتش أياد خفية في حياتها الخاصة، فتحولت من شخصيات تُمارس عملها داخل مؤسسات الدولة، إلى مادة دسمة يتداولها العامة في طبق إعلامي مثير.

قسم التشهير بالحياة الخاصة للسياسيين الرأي العام المغربي، فجهة ترى أن الصور هي جزء من الحياة الخاصة ويمنع قانونيًا اقتحامها، فيما ترى جهة أخرى أن السياسي لا حياة خاصة له

أسماء كثيرة بإيديولوجيات مختلفة، قاسمها المشترك "لعنة السياسة".  فحياة السياسيين في المغرب غير محصنة. صورة واحدة، أو رسالة "ضعف" على واتساب، يمكنها أن تهدم مسيرة علمية ونضالية طويلة. وعلى الرغم من أن المغرب يتغنى بهامش حرية على مستوى الأفراد، إلا أن السياسيين، بمسؤوليتهم العمومية أمام الشعب، يقعون تحت ضغط التشهير الدائم، بما في ذلك حول حياتهم الخاصة.

اقرأ/ي أيضًا: المغرب.. الحوار الاجتماعي لم يحسم بعد!

زلات الإسلاميين

في شهر كانون الثاني/يناير الماضي، سُربت صورة لأمينة ماء العينين، القيادية في حزب العدالة والتنمية الإسلامي قائد الائتلاف الحكومي، على مواقع التواصل الاجتماعي. أُخذت الصورة أمام الطاحونة الهوائية في فرنسا، تظهر فيها أمينة بدون غطاء رأس، الأمر الذي جر عليها وابلًا من الانتقادات والعشرات من التدوينات والتغريدات الساخرة في مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يُعد حديث في المغرب حينها، سوى عن صورة السياسية المغربية بدون حجاب.

فور تسرب الصورة، خرجت القيادية الإسلامية بتوضيح على حسابها الشخصي في فيسبوك تكشف من خلاله أن الصورة مفبركة، لكنها سرعان ما تراجعت، نسبيًا، عن كلامها، واسترسلت مجموعة تدوينات لمحت من خلالها، أن الصورة حقيقية وتدخل في إطار الحرية الشخصية، ما دامت أخذت في عطلتها وفي سفر دفعت تكاليفه من مالها الخاص.

قصة أمينة ماء العينين ليست الأولى في حزب العدالة والتنمية، فقبلها بأشهر قليلة، سُربت صور أخرى لمحمد يتيم، وزير التشغيل في المغرب، في العاصمة الفرنسية باريس، ماسكًا بيد فتاة تصغره بسنوات كثيرة، تبين بعدها أنها مدلكته الخاصة، وخطيبته التي تقدم لها بشكل رسمي، رغم أنها تصغره بسنوات كثيرة.

استهداف الحياة الشخصية للحزب الإسلامي في المغرب لا تتوقف، ففي الولاية الحكومية السابقة، أعلن لحبيب الشوباني، الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، قصة حبه لسمية بنخلدون، زميلته في الحزب وفي الحكومة أيضًا، فهي الوزيرة المنتدبة لدى وزير التعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر، القصة التي لا زالت تتثير الجدل رغم مرور أكثر من 3 سنوات على تفجرها.

"زلات" الإسلاميين يواجهها حزب العدالة والتنمية بتماسك تام، ففي أغلب الأحيان يعود "المتورطون" إلى قادة الحزب وحكمائه، يستشيرونهم ثم يأخذون موقفًا. وفي أحيان كثيرة يختار أصحاب الشأن التزام الصمت وهو وما حصل في قضية الوزير محمد يتيم، الذي لم يدل بأي تصريحات أو توضيحات في الموضوع.

تربص بالمعارضين

ليس السياسيون المسؤولون وحدهم المستهدفين بالتشهير في المغرب، فللأصوات المعارضة أيضًا نصيب كبير من تلصص يتربص بحياتهم الشخصية وينتظر هفواتها لتوضع بالخط العريض على صدر الصفحات الأولى بالجرائد، تعتليها كلمة "فضيحة" خطت بالأحمر عاليًا.

ومن الأصوات المعارضة التي لسعتها نار "الفضيحة"، ندية ياسين، نجلة الشيخ عبد السلام ياسين، مرشد جماعة العدل والإحسان المعارضة، والتي تم تصويرها في اليونان تمسك بيد رجل غير زوجها، الأمر الذي نفته واعتبرته عملًا مخابراتيًا مفبركًا، فضلًا عن قضية القياديين بحركة "التوحيد والإصلاح"، عمر بنحماد وفاطمة النجار، اللذين اعتقلهما رجال الأمن داخل سيارة، ذات صباح باكر، في أحد الشواطئ القريبة من مدينة المحمدية، غرب المغرب.

في هذا السياق، فإن بوبكر ناموس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاضية عياض، يبين لـ"ألترا صوت"، أن "استهداف الحياة الخاصة للسياسيين هي وسيلة عالمية للجم كل الأصوات المعارضة والمزعجة، وأيضًا هي سلاح للتصفية السياسية بين الفرقاء، لهذا وجب على الشخصيات العمومية أن تحتاط من سلوكيات مرتبطة بحياتها الخاصة، لأنها، في الدول الغربية، تؤدي إلى الإقالة".

وفسر الأستاذ الجامعي سبب ارتباط أغلب قصص التشهير بالإسلاميين قائلا: "نعم للإسلاميين نصيب كبير من استهداف الحياة الشخصية، كونهم يتبنون خطابًا محافظًا ويدافعون عنه، الأمر الذي يضعهم فريسة سهلة أمام مخالب التشهير، فترسم عنهم صورة السكيزوفرينيا، وهو ما حصل في قضية محمد يتيم وخطيبته المدلكة، وقضية باحماد وفاطمة النجار، الذين أبرزوا من خلال سلوكاتهم تناقض الفعل والقول.

اعتبر الأستاذ الجامعي أيضًا أن التشهير الذي يدخل في إطار الصراع السياسي مسموح به، فكل جهة تحاول ضرب مصداقية غريمها وإقباره سياسيًا، والإسلاميين يقدمون نفسهم على طبق من كريسطال لمنافسيهم، على حد وصفه، فيحاكمون أمام الجماهير على سلوكات تصالح معها المجتمع المغربي وتقبلها منذ عشرات السنين.

تشهير مسموح به؟

التشهير بالحياة الخاصة للسياسيين قسم الرأي المغربي إلى نصفين، فجهة ترى أن الصور هي جزء من الحياة الخاصة ويمنع قانونيًا اقتحامها، فيما ترى جهة أخرى أن السياسي لا حياة خاصة له، فهو مطالب بأن يكون منسجمًا مع المرجعية التي ينطلق منها بدل العيش بوجهين أمام الرأي العام.

اقرأ/ي أيضًا: هل سلطان ملك المغرب فوق كل السلطات؟

عبدالعزيز النويضي، المحامي والحقوقي، المغربي قال في تصريح إعلامي سابقُا، بشأن قضية البرلمانية ماء العينين، إن "النقاش حول الحياة الخاصة ينقسم إلى حالتين، الأولى للشخص العادي، الذي لا مسؤولية عمومية لديه،  وهذا الشخص المحمي بالقانون الوطني والدولي وبشكل كامل، ولا يمكن نشر أي صورة تخصه لا في الصحافة ولا وسائل التواصل الاجتماعي إلا بإذنه وإرادته، وكل نشر بغير إرادته يعتبر انتهاكًا لحياته الخاصة".

حياة السياسيين في المغرب غير محصنة. صورة واحدة، أو رسالة "ضعف" على واتساب، يمكنها أن تهدم مسيرة علمية ونضالية طويلة

أما الحالة الثانية، التي تحدث عنها الحقوقي المغربي فهي تعود "للشخص العمومي الذي يتولى مسؤولية عمومية، مثل البرلماني أو الوزير أو السياسي وغيره، ويجب التمييز في حالته بين مستويين: عام وخاص؛ فالمستوى الأول يكون حين يمارس الشأن العام في البرلمان أو الحكومة أو في المجتمع، فهذا يعد من حياته العامة التي يجوز نقلها للرأي العام بواسطة الصور أو البث أو غيرها، أما المستوى الثاني، فهو حين يكون في بيته أو في مكان خاص (مقهى، مسبح..) مع عائلته أو أصدقائه، ويعد من الحياة الخاصة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

في المغرب.. قصص عن بطش بعض رجال السلطة

كيف تُؤثر الأزمة الكتالونية على موقف المغرب من قضية الصحراء؟