09-نوفمبر-2023
عنف المستوطنين

يحظى المستوطنون بحصانة كاملة من دولة الاحتلال (Getty)

يتفاقم عنف المستوطنين وإرهابهم ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية على نحو مرعبٍ حادّ وغير مسبوق كمًّا ونوعًا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي. فعدد الشهداء يقترب من 200، بعد تصاعد مرعب في عدد الاعتداءات التي قام بها المستوطنون بمساندة وحماية من الجيش الإسرائيلي في الآونة الأخيرة، بالتزامن مع حرب شاملة يشنّها الاحتلال على قطاع غزّة، قضى فيها زهاء 12 ألف فلسطيني بين شهيد ومفقود تحت الركام. 

يتوهم البعض وجود فرق بين "المستوطنين المعتدين" وبين الدولة الإسرائيلية، فيتساءلون بذلك عن نجاعة الدولة في التعامل مع أولئك المستوطنين المعتدين؟ بيد أنّ التفكير على هذه الشاكلة يجافي الصواب! فاجتثات التجمعات الفلسطينية وتهجيرها من الضفة الغربية كافة ليس مشروعًا للمستوطنين، بأخيارهم أو أشرارهم، وإنما مشروع دولة بأكملها

في هذا الحوار المترجم الذي أجرته مجلة "ذا نيويوركر" مع الناشط الحقوقي اليهودي حجاي إلعاد، المدير التنفيذي السابق لمنظمة بيتسيلم الحقوقية، توصيف ضروري لواقع النشاط الاستيطاني المتزايد في الضفّة الغربية، ولاسيما في الشق المتعلق باستمرار الدفع نحو التفريغ الكامل لمناطق "ج" من سكانها الفلسطينيين، مع التنويه إلى كون ذلك يقع وفق سياسة رسمية غير طارئة ولا استثنائية لدولة الاحتلال، والتي تسعى منذ عقود إلى استحداث كل صنف متخيّل من الظروف القسريّة القاهرة التي من شأنها حرمان الفلسطينيين الدائم من أي أمل في حياة طبيعية كريمة وآمنة. 


 

سؤال: ما الذي يجري في الضّفة الغربية منذ السابع من أكتوبر؟

إلعاد: إنّ الهدف الإسرائيلي الرامي لتطهير أكبر مساحة من المنطقة (ج) وتهجير التجمعات الفلسطينية منها ليس وليد اللحظة؛ فمساحة المنطقة تعادل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، فهي بذلك تتضمن جميع مناطق الضفة الغربية خارج نطاق البلدات والمراكز السكنية الفلسطينية الكبرى، وفيها أيضًا جميع المستوطنات اليهودية المقامة في الضفة الغربية. وهنا يتأتى تشبيه المعاقل السكنية الفلسطينية الكبرى بالثقوب بقطعةِ جبنٍ سويسري؛ فالجبن نفسه يرمز للمنطقة (ج) التي تكتنف كل شيء، بدءًا من الأغوار وتلال الخليل الجنوبية، وانتهاء بقسم من الأراضي الواقعة شمالي الضفة الغربية.

وطوال السنين الماضية تعرضت هذه التجمعات الفلسطينية المحلية للاضطهاد، وحاقت بها تهديدات وممارسات عنيفة من قبل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين على حدّ سواء. ويشار إلى هذه الممارسات بمصطلح قانوني يعرف بـاستحداث "ظروف قسرية" تُكرِه الفلسطينيين على الرحيل طوعًا؛ أيّ أنّ عزيمتهم ستخور في نهاية المطاف جرّاء هذه الضغوط المتواصلة. وهذا الأمر كذلك ليس وليد اللحظة.

الضفة الغربية

فما يجري منذ السابع من أكتوبر ليس إلّا تعاظمًا لهذه العملية؛ فدولة إسرائيل تستغل انصراف الانتباه إلى غزة وتضرب بأيدي مستوطنيها وتشدد الخناق والضغوط على التجمعات الفلسطينية. ولو نظرنا إلى مجريات الأمور بعين إسرائيلية، إذًا لرأينا أنّهم أصابوا هدفهم؛ إذ فرّ سكان 13 تجمعًا فلسطينيًا بفعلِ الرعب طوال الأسابيع الثلاثة التالية للسابع من أكتوبر.

 

سؤال: حينما تورد في كلامك مصطلح "التجمعات الفلسطينية"، فهذا يشير إلى مجموعات متباينة الأحجام، فما المقصود بالتجمعات؟

إلعاد: يشير التجمع أحيانًا إلى مُستقرِّ عائلات قليلة، ربما خمسين فردًا يقنطون مكانًا معينًا، وهناك كذلك تجمعات أكبر. ولو ضربنا مثلًا على ذلك قريةً صغيرةً فيها 100-200 شخصٍ يعيشون فيها منذ عقود طويلة، ويحاولون كسب قوت يومهم. فالأعمال التي تمارسها بعض التجمعات في جنوب تلال الخليل جبّارة؛ إذ يكد الناس في عملهم ويكسبون قوت يومهم من الزراعة في ظروف بيئية قاسية، ولا يلاقون من إسرائيل إلّا الحرمان المنتظم من شبكة المياه والاتصال بالشبكة والاتصال بالكهرباء والخدمات الأساسية.

وأصارحك القول إنّ المحاكم الإسرائيلية والنظام القانوني الإسرائيلي يساندون جميع الممارسات التي ذكرتها، والآليات المختلفة التي تنتهجها الدولة؛ فهي بذلك ليست ظاهرة عشوائية تصيب مجتمعًا منفردًا منحوسًا بغفلة من أعين السلطة، وإنما جزء من مشروع دولة إسرائيلية قائمٍ على التطهير وإكراه الفلسطينيين على هجر المنطقة (ج)، باتباع جميع الآليات الحكومية المتاحة لبلوغ هذه الغاية، فهم مثلًا يمتنعون عن إصدار تراخيص البناء للفلسطينيين. وحريّ بنا التفكير هنا بعنف المستوطنين الذي يتصدر عناوين الأخبار في الآونة الأخيرة، فهو ولا ريب أداةٌ توظفها الدولة الإسرائيلية حينما ترى الأدوات الأخرى قاصرة عن تحقيق ذلك.

 

سؤال: انتشرت تقارير صحفية مفادها أنّ الجيش الإسرائيلي عاون المستوطنين ولم يحرك ساكنًا حينما طردوا سكان التجمعات الفلسطينية وهجّروهم. عندما نقرأ أخبارًا عن تهجير المستوطنين للفلسطينيين من أرض معينة، فكيف يبدو ذلك؟ وكيف يحدث؟ وما دور الدولة بدقة؟

إلعاد: تخيّل في بادئ الأمر أنّك تعيش واقعًا مفروضًا منذ سنين عديدة، ويتعذر حصولك على تصاريح البناء في أرضك لأنّ إسرائيل لا تصدر إلّا تصاريح معدودة للتجمعات الفلسطينية، وهكذا إذًا يحيق بك تهديد دائم بهدم منزلك. ولا يقتصر الأمر على التهديد لأن الجرافات تأتي أحيانًا وتمارس عملها. والأنكى أنّك محروم من موارد المياه الجارية أو الكهرباء؛ وربما تولّد بعض الكهرباء من الألواح الشمسية الممنوحة من إحدى الوكالات الإنسانية الأوروبية، لكن الجيش الإسرائيلي يأتي ويصادر تلك الألواح أحيانًا بحجة أنّها مخالفة للقانون. وفي بعض الحالات يباغتك الجيش الإسرائيلي ويتدرب على أرضك، أو يأتيك المستوطنون فيضربون الناس ويعنفونهم ويهددونهم، أو يأتيك الجنود أنفسهم ويفعلون فعلتهم.

كذلك توجد حولك نقاط التفتيش، والتهديدات بحقك حاضرة دومًا، وهذه الحال مستمرة منذ سنين عديدة، على أنّك اجتزت هذه العراقيل كلها وبقيت في أرضك محاولًا كسب قوتك وتربية أفراد أسرتك في ظل هذه الظروف كلها، فهذا الأمر بحدّ ذاته مروع وإجرامي، وهو يحدث علنًا على مرأى من الجميع. وجلّ ما ذكرته وتحدثت عنه موثق منذ أعوام لدى منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والإسرائيلية والدولية، بيد أنّ إسرائيل لم تفتر ممارساتُها ولم تتوقف قطّ؛ فهي تشكل جزءًا جوهريًا من هدف الدولة لبلوغ غايتها في تهجير الفلسطينيين. أما الأحداث التي تصاعدت في الأسابيع الأخيرة فتتجلى في تقارير متكررة عن ظهور رجال ملثمين ومسلحين ليلًا لترويع الفلسطينيين. 

أولئك الرجال مستوطنون أو جنود أو مزيج مختلط من هذا وذاك، وهم إلى ذلك يهددون السكان جهارًا ويمهلونهم 24 ساعة للمغادرة، فإن عارض أحدهم أو احتجّ كان مصيره القضاء عليه في أرضه. لقد سألتني قبل قليل عن تورط الجنود الإسرائيليين، وعن صدمة البعض من انخراطهم في ممارسات كهذه، لكن كان أحرى بهم لو انصدموا قبل خمس سنين أو 20 سنة؛ فتورط الجنود الإسرائيليين وجرائمهم أمر موثق منذ أعوام عديدة ليس بالشهادات فحسب، وإنما كذلك بالفيديوهات.

s

وعلى هذه الشاكلة تأتي جماعة من المستوطنين المسلحين إلى تخوم التجمع الفلسطيني ويهاجمونه، ويحضر معهم أيضًا جنود لحماية أولئك المعتدين أو الانضمام إليهم أحيانًا ومهاجمة الفلسطينيين. ولو حاول الفلسطينيون الدفاع عن أنفسهم بأية وسيلة، عندئذ يتخذون هذه التصرفات ذريعةً لتصويرهم على أنهم إرهابيون، ويستخدمون القوة الفتاكة بحقهم، فليس من قبيل المبالغة تقدير حجم الخطر المحدق بحياة الفلسطينيين في ظلّ ظروف كهذه، فهذا واقع التجمعات الفلسطينية في جميع أرجاء الضفة الغربية تقريبًا.

 

سؤال: ماذا تستخلص من أفعال الحكومة الإسرائيلية؟ ولا أقصد الإتيان بتمييز أخلاقي بالضرورة، لكنني أحاول استيعاب ما يجري، فهل الحكومة الإسرائيلية- ممثلة هنا بالجيش الإسرائيلي- تتبع سياسة نشطة لإعانة المستوطنين في تهجير التجمعات الفلسطينية؟ أم أنّك تستشعر حالة سائدة بين الجنود الإسرائيليين للقصاص من المدنيين الفلسطينيين دون إقرار الحكومة لهذه الممارسات؟

إلعاد: يتوهم بعض القرّاء وجود فرق بين "المستوطنين المعتدين" وبين الدولة الإسرائيلية، فيتساءلون بذلك عن نجاعة الدولة في التعامل مع أولئك المستوطنين المعتدين؟ بيد أنّ التفكير على هذه الشاكلة يجافي الصواب! فاجتثات التجمعات الفلسطينية وتهجيرها من الضفة الغربية كافة ليس مشروعًا للمستوطنين، بأخيارهم أو أشرارهم، وإنما مشروع دولة بأكملها. ولا ريب أنّ هذه السياسات قد طُبِّقت بوسائل متنوعة؛ إذ توجد، مثلًا، آليات قانونية تعتمدها الدولة للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وإحلال التجمعات اليهودية فيها. إنّه أمر لا يعقل حقًا، لكن هذه الطريقة التي تتوالى فيها مجريات الأمور في الضفة الغربية منذ أكثر من نصف قرن؛ فنحن نسمع إعلانات عن أراضي الدولة الجديدة، لكن من الدولة في الضفة الغربية؟ إنها الدولة الإسرائيلية، ومن هذا المنطق فإنّ الأراضي المعلن عنها باسم أراضي الدولة تصبح أراضي عامة، فيتعذر بذلك تكريسها لصالح السكان الفلسطينيين، وإنما تستغلها الدولة للغاية التي تسعى لبلوغها وهو الاستيطان اليهودي؛ فالنظام الإسرائيلي يصدر بيمينه تصاريح بناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، ويصدر بيساره أوامرَ هدم منازل التجمعات الفلسطينية.

وجلّ الأمور التي تطرقت إليها ما هي إلّا آليات بيروقراطية رسمية مدعومة من الوزارات الحكومية والجيش والمحاكم الإسرائيلية، فهذه الجهات والكيانات تعمل معًا لبلوغ الغاية نفسها؛ تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم. لكن لمّا تخفق هذه الآليات الرسمية في هدفها المرسوم، وتُبدِي التجمعات الفلسطينية عزيمة راسخة للبقاء في أراضيها، عندئذ تلجأ الدولة إلى آلية أخرى تنطوي على حوادث تتصدر عناوين الأخبار الرئيسة باطراد؛ كأن يعمد مستوطن إلى إشعال النار في حقل أحد الفلسطينيين، أو يستعمل الأسلحة المقدمة من الجيش إلى المستوطنين.

ويلزم الإشارة إلى أن استحداث "ظروف قسرية" أجدى للدولة الإسرائيلية من الترحيل القسري، لا سيما في ظل تلك الآليات البيروقراطية المعقدة والبليدة التي ذكرتها سابقًا، فضلًا عن ضرورة اعتمادها سياسة النفس الطويل في أثناء سعيها لتحويل حياة الفلسطينيين إلى رعب لا يطاق. 

سؤال: ما أستخلصه من نهج حكومة نتنياهو بحق الفلسطينيين قبل 7 أكتوبر أنّ غزة همّشت إلى حد بعيد في الخطابات الرسمية؛ إذ تركّز الحديث بين مسؤولين متطرفين كثر عن ضرورة توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، فهل تغيّر هذا الأمر؟ وما مدى المجاهرة بالخطاب المنادي باستيلاء الإسرائيليين على أراضٍ أخرى في الضفة الغربية؟ وإلى أي مدى يجري استغلال الوضع الراهن الذي تتوجه فيه أنظار الجميع صوب غزة؟

إلعاد: تتواصل عمليات تهجير الفلسطينيين ونمو المستوطنات بالتوازي مع بعضها، فالأمر ليس وقفًا على هذه الحكومة، وليس مرهونًا بوجود نتنياهو أو وزرائه، وإنما مشروعٌ إسرائيلي تتوالى فصوله بصرف النظر عن التوجه السياسي للحكومة، أيساريًا كان أم يمينيًا أم وسطيًا؛ فكلّ الحكومات المتعاقبة خدمت هذا المشروع منذ عام 1967، وحري بنا ألا ننسى التاريخ لأنّه جزء جوهري لاستيعاب مجريات الأمور الآن، فإذا استشعرنا أنّ المسألة محصورة بمجموعة من "المستوطنين الأشرار" أو مرتبطة بشخص معين استمر في منصب رئيس الوزراء مدة طويلةً، عندئذ نكون غافلين عن الصورة الأكبر والأعم. 

سؤال: سألتك عن الحكومة الحالية لاهتمامي بمعرفة طبيعة خطابهم بخصوص الأحداث في الضفة الغربية طوال الأسابيع الثلاثة الماضية.

إلعاد: لا تغطية إعلامية باللغة العبرية لهذا الموضوع، ولا وسيلة إخبارية تتعامل مع هذه القضية باستثناء ما يظهر في صحيفة هآرتس، فما من أحدٍ تقريبًا يتعاطى مع هذا الشأن أو يعارضه. وعندما يرد هذا الموضوع في وسائل إعلامية أخرى، فإنّه يُناقَش ضمن سياق محدد جدًا، دون ذكر الممارسات الوحشية والمساعي المقززة الرامية لاستغلال الوضع الراهن في غزة للقضاء على التجمعات الفلسطينية. وبهذا يُناقَش الموضوع في سياق ما يُرَى مصلحةً إسرائيليةً في حصر الصراع العسكري في قطاع غزة وحده، لئلا تنفجر جبهة أخرى في الضفة الغربية، ومن هذا المنطلق يخرج معلقون على شاشات القنوات ويقولون: "هذه ممارسات ضارّة لأنّ استمرارها يهدد بانتفاضة الفلسطينيين في الضفة الغربية". إنّ الترحيل القسري ولا ريب جريمة حرب بأوضح صورها، وهو إلى ذلك فعل وحشي بحق مدنيين أبرياء يحاولون العيش على أرضهم، لكنه لا يُناقَش من هذا المنظور بتاتًا. 

سؤال: إنني مدركٌ تمامًا لما ذكرته، لكننا ما نفتأ نسمع أنّ الحكومة الحالية الأشدُّ يمينيةً في تاريخ إسرائيل، فهل كان الوضع في الضفة الغربية مغايرًا خلال الشهور التسعة الأولى لهذه الحكومة (قبل الحرب الحالية)؟

إلعاد: لا سبيل لإنكار تصاعد الوضع، بيد أنّه لم يكن وليد اليوم؛ فالعمليات التي وصفتها وذكرتها سابقًا بدأت تتكشف خباياها منذ أعوام، أما الاختلافات التي ظهرت بين عقد وآخر وحكومة وأخرى فانحصرت في وتيرة تلك العمليات، وليس في مسارها العام؛ فحتى الحكومات اليمينية تتراجع قليلًا في مخططاتها حينما تستشعر معارضة دولية لها، وتتريث شهرًا أو شهرين حتى ينصرف الاهتمام الدولي إلى مكان آخر، ثم تُسرِّع وتيرة عملياتها مرة ثانية.

ويسعنا القول إنّ جميع الحكومات تسير على الدرب نفسه، فهذه هي الطريقة التي مكّنت إسرائيل من غرزِ مائتين وخمسين مستوطنة وأكثر من 750 ألف مستوطن في الضفة الغربية والقدس الشرقية، فهي دومًا تُنفِّذ كل خطوةٍ على حدة ساعية بذلك لئلا تثير الغضب الدولي المفضي إلى أفعال حقيقية. ولو رجعنا بالزمن قليلًا إلى لحظة لا تمحى من الأذهان لهذه الحكومة، وأعني بكلامي مجزرة حوارة التي شارك بارتكابها عشرات المستوطنين الإسرائيليين، لرأيناها أثارت غضبًا عارمًا بسبب تصريح وزير المالية بتسلإيل سموتريش عن محو حوارة، فهذه مجزرة كبرى! ولا أقول هنا إنّ مجزرة كهذه لم تحصل سابقًا، لكن لم يتكرر حدوثها، فهذه ولا شك لحظة تصعيد وقعت في ظل الحكومة الحالية.

وحري بنا التساؤل: لماذا ظنّ مستوطنون كثرُ أنهم قادرون على ارتكاب حدث كهذه والنجاة من العقاب؟ كيف خطر لهم ألا عواقب وتبعات لأفعالهم؟ لأنهم ما برحوا يحظون بهذه الحصانة من العقاب طوال العقود الماضية، فالأمر لا يقتصر على الشهور الماضية والحكومة الحالية، وإنما وجدت تلك الحصانة في ظل الحكومات السابقة الأكثر قبولًا على الصعيد الدولي.

 

سؤال: ماذا يقع للمجتمعات الفلسطينية التي طردت من أراضيها؟ وهل من بنية تحتية مجهزة لمساعدتهم؟ وما المسار الاعتيادي لعائلة فلسطينية أُرغِمت على هجر أرضها؟

إلعاد: توجد وكالات دولية تبذل جهدًا لمساعدتهم، ولكنْ في الغالب لا يُعاد تشييد تلك التجمعات على أراضيها، وإنما يُجبَر الناس على الانتقال إلى قرى ثانية ومجتمعات فلسطينية أخرى، وهذا عين ما يريده الإسرائيليون الذين يرددون على مسامع الفلسطينيين بألسنة المسؤولين والمستوطنين أنّ مستقبلهم في المنطقة (أ) لا المنطقة (ج)؛ فمن المعلوم أنّ المنطقة "أ" لا تعادل إلا 20% من مساحة الضفة الغربية، وهي تتضمن المراكز الحضرية الفلسطينية الكبرى. 

سؤال: إذًا فهدف هذا المشروع ترحيل أعداد مطردة من الفلسطينيين من المنطقة (ج) إلى المنطقة (أ)، وبذلك تتركز التجمعات الفلسطينية ضمن الضفة الغربية في مناطق كبيرة غزيرة الكثافة السكانية، أليس كذلك؟

إلعاد: أجل هذا صحيح، ولك أن ترى هذه العملية بأنها بمثابة "غزونة" للضفة الغربية، فإسرائيل بسياستها التدريجية تدفع الفلسطينيين إلى هذا المصير. وقد تتمخض عن ذلك بعض البانتوستانات الفلسطينية في جميع أرجاء الضفة الغربية. بيد أنّ هذه الجيوب الفلسطينية محاصرة أصلًا، وستحيق بها الإجراءات الإسرائيلية من كلّ جانب، مثل البنى التحتية الإسرائيلية والطرق والقواعد العسكرية والجدران العازلة والمستوطنات وغيرها. ولو زار المرء إحدى المدن الفلسطينية الكبرى، مثل الخليل أو جنين أو رام الله، إذًا لرأى هذه العملية تترسخ على قدم وساق.