حوار | القائد الأدنى ماركوس.. أنا الهندي الأحمر

حوار | القائد الأدنى ماركوس.. أنا الهندي الأحمر

القائد الأدنى ماركوس في اجتماع جماهيري (أرونزا دماسي)

"لست حرًا، إلا عندما تكون كل الكائنات من حولي أحرارًا" – ميخائيل باكونين

نظر طويلًا نحو إقليم تشيباس الجنوبي في المكسيك،  ذي الغالبية من السكان الأصليين النابتين في أرض أسلافهم من المايا، من خلال قناع رجل واحد. القائد الأدنى ماركوس، رافائيل سبستيان غولين فيكنتي- 19 حزيران/يونيو 1957، الذي أصبح اسمه القائد الأدنى غولين منذ تقاعده من قيادة وتمثيل جيش التحرير الوطني الزاباتيستي - EZLN، نسبة للثائر المكسيكي إمليانو زاباتيستا.

اختار ماركوس أن يهزأ من فكرة الزعيم والقائد الأعلى وغيرها من إفرازات أنانية السلطة. مستكفيًا بلقب القائد الأدنى

شكل القائد الأدنى ماركوس/غولين هوسًا مقيمًا للحكومات المكسيكية المتعاقبة، والأمريكية أيضًا منذ بيل كلينتون حتى باراك أوباما، ما بين 1994 حتى 2014. وهي حاصل السنوات التي قاد فيها البروفيسور الجامعي الذي لا ينتمي عرقيًا للسكان الأصليين حركة هؤلاء، باسم أصلانيتهم، من أجل الحرية والكرامة، إلى جانب الخبز بالضرورة، سالكًا دروبًا وعرة في وجه السلطوية بكل تصنيفاتها، حتى في اختيار اسمه اختار أن يهزأ من فكرة الزعيم والقائد الأعلى وغيرها من إفرازات أنانية السلطة، مستكفيًا بلقب القائد الأدنى وهو على رأس هرم المنظمة العسكري والسياسي!    

على الرغم من أن السلطات المكسيكية اليوم، بعد عدة تظاهرات لحركة الزاباتيستا اجتاحت المدن الرئيسية والعاصمة، تقول بأنها لا تلاحق القائد الأدنى ماركوس، إلا أن حالة من عدم الثقة تسيطر على العلاقة بينهما، وهو ما دفع القائد الأدنى للاستمرار في التخفي رغم تقاعده. علمًا أنه ظهر جزئيًا بشكل شبه علني معلنًا وصوله إلى مرحلة التقاعد. إذ سبق وللسلطات المكسيكية أن أعلنت مذكرة توقيف وإحضار بحقه في العام 1995 تضمنت مسبحة واسعة من التهم، من بينها الإرهاب، الفتنة، أعمال الشغب، التحريض، الاستخدام غير "المشروع" للأسلحة وغيرها الكثير على ذمة السلطات المكسيكية.

اشتهر عن القائد الأدنى ماركوس، وهو صاحب 20 مؤلفًا فكريًا وفلسفيًا ورواية واحدة وكتاب نثر أيروتيكي، مع عشرات القصائد التعبوية، إلى جانب كونه قارئًا غير قنوع لكلاسيكيات الاقتصاد وعلم السياسة، مع أشعار نيرودا ولوركا، ولعه بـ"ملاعبة" السلطات ومساءلة شرعيتها. حتى بأساليب كوميدية سوداء. إذ سبق مثلًا أن قدم نفسه مرشحًا بديلًا موازيًا في الانتخابات الرئاسية المكسيكية 2006 تحت اسم "المرشح صفر" دون تسجيل رسمي لكن بدعاية انتخابية احتجاجية حققت ما حققته من إزعاج لمؤسسات السلطة والمال.

وهنا حاصل حوار بما أتاحته ظروف القائد الأدنى وروزنامته الزمنية.

  • كيف أصبح في العالم من يعرف من وراء قناعه بالقائد الأدنى ماركوس؟ من هو هذا الشخص؟ ولماذا تمرد؟

إنها عملية بلورة طويلة الأمد وديناميكية، لا تحصل دفعة واحدة، بل عبر التراكم وبناء الذات وتحديد ماهيتها وماهية محيطها. بدأت معي الأمور بأن أصبحت الشؤن العامة تسترعي اهتمامي، ثم أمست تستولي على قسط كبير من تركيزي عندما كنت أفكر في أحوال المكسيك. كيف تعيش مختلف الطبقات والمجموعات العرقية في البلاد، واتساع الفجوات بينها ولؤم الواقع المسلط على أغلبها. إلى أن استخلصت أن هناك ظلمًا، بل مجمل الواقع يعمه الظلم، وعندها ولجت مرحلة فهم تركيبة هذا الظلم. ثم بعد ذلك تأتي لحظة الحقيقة المحرجة، فتسأل نفسك ماذا سأفعل تجاه كل هذا الحيف؟ ثم إن استمعت لروحك تبدأ بالمبادرة ونخز الحائط من هنا ثم من هناك إلى أن تتصاعد الحالة وتمسي هي مشروع حياتك. أي أن تقتنع بأن حياة أفضل للجميع هي حياة أفضل بكثير لك شخصيًا.

اشتهر عن القائد الأدنى، وهو صاحب 20 مؤلفًا فكريًا وفلسفيًا ورواية واحدة وكتاب نثر أيروتيكي، ولعه بـ"ملاعبة" السلطات ومساءلة شرعيتها عسكريًا وكوميديًا!

بعد بلورة هذا الموقف/القناعة تنتقل للتفكير بأنك أصبحت في مسار اللاعودة، ليس لأنهم قد وضعوا رأسك في عداد المهدور دمهم، لكن لأن التراجع سيعني الاستسلام. وبكل صراحة لا بد أن يخطر للإنسان بسط الميزان والتفكير فيما سيخسر على المستوى الشخصي سواء من مسيرة أكاديمية، نجاحات عائلية أو فنية، أو أي شيء آخر يتلهى فيه البشر لكي يقولوا أن الحياة لا بأس بها. وهذه الموازنة ليست سهلة على الإنسان، لكن عليه أن يختار ويلتزم بخياره، إذ يصبح خياره مؤثرًا في غيره، وهذه مسؤولية بحد عينها.

  • كنت سأستمر في الاستماع لكل ما تقول بصدد انخراطك في الشأن العام والتمرد بهدف تخريب النمط المهيمن المجحف بحق البشر، لكن من اللافت أنك أمضيت عقدين على رأس جيش التحرير الوطني الزاباتيستي، وهو منظمة تطالب أساسًا بحقوق السكان الأصليين، أي يمكن للبعض اتهامها بأنها منظمة عرقية على اتساع هذا المفهوم ومخاتلته، لكنك لا تنتمي عرقيًا للسكان الأصليين، ما المسألة إذًا؟

في بداية مسيرة المنظمة، والتي أخذت عشر سنوات من التحضير قبل انطلاقها، التزمنا بضم العناصر العرقية جميعها في الإقليم، قبائل التزوتزايلس، تزيلتليس، خوليس، توخلاباليس، وأخيرًا الزوكوس. كل هؤلاء ممثلون بشكل ديمقراطي في اللجنة المركزية وعلى أسس متساوية، وكل أبناء هذه القبائل كانوا دومًا جزءا أساسيًا في مشاورات المنظمة واجتماعاتها العامة الديمقراطية المباشرة. وللملاحظة فبين هذه القبائل أيضًا فروقات عرقية. لكن انهمام الزاباتيستيين هو في مسألة العدالة للجميع، وإن انطلقت من ضرورة إنصاف السكان الأصليين معنويًا ومعيشيًا. كما أن المنظمة وكل أعضائها ومن يؤيدها ليس لديهم أي شيء غير الاحترام تجاه السكان البيض أو أي عرقية أخرى، لكن مشكلتهم هي مع المؤسسة البيضاء والرأسمال الأبيض والإجحاف التاريخي الذي رسم تاريخ المكسيك الحديث، الذي لم ينصت خلاله أي أحد للهنود/السكان الأصليين، أو يعطهم الاحترام الذي يستحقوه دون أن تكون البنادق في أيديهم، أو تظاهراتهم تقطع الطرقات أو تعطل مشاريع النخب الاقتصادية المهيمنة على السياسة في البلاد.

في المحصلة الأمر لا يتعلق بي تحديدًا، فهناك آخرين غيري في الحركة من غير الهنود، كلنا مكسيكيون وبشر، لكلنا حقوق وأحلام. ثم إن اسم المنظمة الجيش الوطني، وهذا في حد عينه ليس شعارًا للاستهلاك الشعبوي بل إن الاسم جاء من صلب برنامج العمل والأهداف.

  • بالحديث عن الأهداف، ألا تقلق من لو أتيحت الظروف أمام منظمتكم لتقلب الوضع القائم وتسيطر على الإقليم رسميًا، وليس بحكم الأمر الواقع، أو إن سيطرت على المكسيك، فما الذي سيمنع كوارث ثورات وانقلابات وحركات تاريخية أخرى وصلت السلطة فأعادت إنتاجها، وربما بأسوأ مما كانت عليه؟

هنا المفارقة الأساسية، لذلك سأكتفي بالقول أن البنادق أدوات، والإنسان هو الغاية، الوطن هو الهدف. نحن نحلم في اليوم الذي سنلقي فيه البنادق، لكن غير مستسلمين، إنما نرميها لانتفاء الحاجة للقتال بعد أن تصير الأحوال إلى ما يفيد الصالح العام بشكل عادل. وأعتقد أننا محصنون تجاه أمراض السلطة، لأن الهنود هنا اختبروا القمع على مدار القرون الخمسة الأخيرة، وهدفهم هو أن ينتهي لا أن يعكسوا الأدوار.

  • أرى أنك تستخدم اسم الهنود، ولا تشدد على اسم السكان الأصليين، علمًا أن النقاشات حساسة جدًا تجاه هذه التسميات في كثير من أماكن العالم، فهل تلتمس تفسير المؤرخ الباهر هوارد زين حينما قال أن "لا بأس في استخدام مصطلح الهنود لأنهم أصلًا أتوا من آسيا قبل 25 ألف سنة عندما كانت آلاسكا تصل الأمريكيتين بآسيا" طبعًا إن لم تكن نوايا الاستخدام سيئة؟

أنا أصدق هذا التفسير وأعمل به، ولا أجد مشكلة في أن ننادي بعضنا هنودًا، لكن المشكلة فعلًا تكون عندما يأتي أحدهم من موقع سلطة ويستخدم الاصطلاح بفوقية هدفها التحقير أو تكريس الاضطهاد، أو حتى التعبير اللاواعي عن العنصرية الدفينة. فنعم هي مسألة نوايا في المقام الأول.

إن كنت تود الحصول على إجابة حقيقية، فأنصت إليّ بقناعة عندما أقول لك أن كل خبرتي لم تسعفني بأن أتنبأ بفوز الرفيق أملو في الانتخابات الأخيرة. لم يكن لصالحه أي معطيات، سوى يده النظيفة وروحه النزيهة وحياته التي أنفقها مع الناس في نضالاتهم وشوارعهم وأحيائهم البائسة وقراهم المعزولة. سرني وصوله للرئاسة، رغم خيبة تحليلي، وهو رجل يمتلك مقاربات فعالة في كثير من الملفات، المخدرات والفقر والتعليم والاقتصاد الوطني والسيادة الوطنية، وأشدد على الأخيرة لأن ميزته في أنه لا يقبل الهيمنة الخارجية ولا المقاربات التي يمليها الخارج ويرسم الملفات الوطنية وفقها، بل يعتمد مؤشرات منطقية ابنة بيئتها وواقعها الشرعية.

  • لنسترجع الأحداث إلى الوراء، وما قبل تصدر تشيباس لنضال السكان الأصليين وقبل التحضير لذلك، في عام 1982 كانت إسرائيل في غمار غزوتها للبنان وحربها التدميرية هناك، ونتيجة لذلك خرجت منظمة التحرير الفلسطينية ومقاتلوها من بيروت إلى شتات متعدد، آنذاك خرج زعيم إحدى القبائل الهندية في كندا قائلًا:" فلسطينيو كندا يرحبون بهنود الشرق الأوسط الحمر" موجهًا دعوة لمن يرغب باستقباله في أراضي قبيلته، في ضوء هذه الحادثة وضوء الواقع الاستعماري في فلسطين، كيف تنظر أنت من موقعك إلى فلسطين؟

أتعتقد أن المسألة معقدة هنا في أمريكا الشمالية أو في البلدان اللاتينية بحق السكان الأصليين فقط؟، إنما هي بذات التعقيد بل وأعنف في فلسطين. لكن ما أقوله للشعب الفلسطيني أن المستعمرين جاؤوا إلى هنا قبل أكثر من 500 عام وذبحوا الناس في الظلمات، بعيدًا عن أي معرفة وأي مساعدة ممكن أن تقدم لهم من أي طرف، أما في عالم اليوم فعلى كل المسحوقين في فلسطين وهنا وفي كل مكان الإفادة مما قدمته الثورات المتعاقبة من أدوات، سواء الصناعية والتقنية، أو الثورات المعرفية والسياسية. الدم بالدم ولا شيء يعوض الوطن والكرامة والحرية.

اقرأ/ي أيضًا: 

حوار | يانيس فاروفاكيس.. الحياة قصيرة الحرب أطول!

حوار | جون خايرو فيلاسكيز: أنا قاتل احترافي أكره الاستبداد وترامب العنصري