حوار | جون خايرو فيلاسكيز: أنا قاتل احترافي أكره الاستبداد وترامب العنصري

حوار | جون خايرو فيلاسكيز: أنا قاتل احترافي أكره الاستبداد وترامب العنصري

القاتل الاحترافي جون خايرو فيلاسكيز (el tempo)

الرجل الذي قتل بيديه 300 ضحية، وأصدر وأشرف على 3000 عملية اغتيال، بين صحافيين وإعلاميين ورجال شرطة وقضاة وسياسيين ومرشحين للكونغرس وحتى الرئاسة الكولومبية، ودبر تفجير 250 سيارة مفخخة خلال حرب المخدرات الأشهر التي عرفها الكوكب، بين كارتل ميدليين والحكومة الكولومبية وجهاز مكافحة المخدرات الأمريكي، بل وحكومة رونالد ريغان برمتها.

بوباي:  إن ولد بابلو إسكوبار من جديد فسألتحق به دون التفكير لثانيتين أو أدنى تردد

جون خايرو فيلاسكيز، الشهير بـ"بوباي"، رئيس أركان حرب لورد الكوكائين الأكبر في التاريخ بابلو إميليو إسكوبار غافيريا، وذراعه الأيمن لأكثر من 12 عامًا من العمل في ظلال الجريمة المنظمة. يعيش الآن، بعد فترة سجن امتدت لـ22 عام في حكم بالتورط في اغتيال المرشح الرئاسي اليساري البارز لويس كارلوس غالان، طقوس أمنه وفنون الحفاظ على الحياة بسرية أتقنها لعقود، في ظل قناعته أن هناك فرصة 4-1 لصالح أعداء سابقين أن يغتالوه، في مدينته المحببة ميدليين وسط مقاطعة أنتيوكيا التي شهدت على حربه الكبرى، وما زالت تتذكرها بألم و"حنين" سحري ينطلق من قاعدة متوافق عليها هناك، "الجاهلون بالتاريخ يكررون أخطائه". لتكون الصورة الأكثر حقيقية عن الواقعية العجائبية/السحرية لذات الأرض والسردية التي طرق عتباتها الراحل غابرييل غارسيا ماركيز في إحدى أبرز أعماله "خبر اختطاف".

  • أهلًا سيد فيلاسيكز، أو تفضل مناداتك بـ"بوباي"؟

كل شئ مقبول، فأنا موافق على هذا الحديث وأتأمل أن نستمتع ويستفيد كلانا منه. لا مشكلة لدي في لقب بوباي فقد لازمني طوال حياتي إلى الآن.

  • كيف كانت بداية تعرفك ووعيك بالحياة، كيف بدأت العيش؟

لم نكن نتحصل على ألعاب أطفال أو دراجات هوائية أو خلافه، كانت حياتنا بسيطة وفقيرة وألعابنا تتمحور حول افتعال شجارات أطفال والركض هنا وهناك.  بسبب عمل والدي انتقلنا إلى ميدليين في سن مبكرة، وهناك بدأ حلم أن أصبح ضابط شرطة يراودني، لكن كلية ضباط النخبة كانت حكرًا على أبناء النخبة الأرستقراطية والأوليغارشية الحاكمة. لأصبح في بدايات شبابي قاتلًا محترفًا مشهود له.

  • يمكن القول أن أبرز حقبة عايشتها كانت عملك لصالح بابلو إسكوبار، أليس كذلك؟

هذا حديث دقيق، عندما قابلت بابلو إسكوبار أول مرة، كانت كأنني التقيت بالرب، أو إله من نوع ما، حضور طاغ وشخصية جذابة وعقل فريد من نوعه، شعرت وقتها كأن هناك هالة مقدسة تحيط بالرجل الذي أمامي. لدى إسكوبار جاذبية لا يمكن تصديقها، وأيضًا قدرة على التخطيط مبالغ فيها لدرجة تفوق حدود المبالغة.

أذكر أول نظرة مباشرة رأيت فيها عينيه، عندها عرفت أنني سأكون مستعدًا للموت في سبيل هذا الرجل عندما تقتضي الحاجة.

دع جانبًا كل ما يظهر في السينما والمسلسلات التلفزيونية عن غضبه وفانتازيا الجنون، هو لم يكن كذلك، مجرد رجل متزن وهادئ وعقلاني وأب محب لعائلته وصديق وفيّ ومعشره طيب.

بوباي: عندما قابلت بابلو إسكوبار أول مرة، كانت كأنني التقيت بالرب، أو إله من نوع ما

  • ما هي الصورة التي لدى "الجنرال" عن عقلية صاحبه/قائده؟

بالرغم من أن السيد إسكوبار لم يكن قد حصل على شهادات أكاديمية أو متعلم، لكنه كان حاد الذكاء، وعقلية مثقفة، كذلك عقلية إجرامية من المستوى الرفيع. كان يستطيع خطف قلوب وتعاطف من يلتقيه لأنه يعرف كيفية التعامل كصديق وكإنسان يشعر بآلام من حوله، خاصة الفقراء والأبرياء البعيدين عن عالم الجريمة.

  • إذًا كان تعاملكما هادئًا واستمتعت بطيبة معشره؟

خلال كل السنوات التي قضيتها إلى جانبه، وفي خدمته وحمايته، لم يهددني أو يسئ لي أو يقلل من احترامي مرة واحدة.  لم يصرخ لمرة واحدة في وجهي أو يوجه إساءة لي أو لأحد في حضوري. هو رجل واضح وصريح يتكلم بروية وهدوء بتهذيب شديد، لم يتكلم مع أحد يومًا دون النظر في عينيه.

  • وأنت، كيف كنت تعامله؟

أنا من طرفي كنت أقوم بعملي بكل انتماء ودقة كما يجب علي ويتوقع مني أن أفعل.

  • بماذا بدأت العمل مع إسكوبار،  ما هي أولى مهماتك؟

أول عملية قتل لصالح بابلو إسكوبار نفذتها بحق عامل في حافلة مواصلات يجبي الأجرة ويقطع التذاكر، كان هذا الشاب قد قلل من احترام سيدة عجوز، وهي أم لأحد أصدقاء إسكوبار، وأساء لها بشدة ورفض مساعدتها. فقط لأن حركتها بطيئة واحتاجت لوقت للصعود إلى الحافلة وهي تحمل أكياس بقالتها المنزلية. يومها اشتكت هذه السيدة للسيد إسكوبار، وتباحثنا في الأمر، قال لي أعتقد أن هذا الشاب لا يستحق الحياة، لو قام بهذا التصرف مع أي كان وليس مع هذه السيدة خصيصًا، من ناحيتي كنت متفقًا مع هذا التقييم، لذلك رتبت الأمر سريعًا وخلصت جسد ذلك الشاب من الحياة عقابًا على عجرفته.

  • لماذا كنت تقتل الصحافيين؟

كان اغتيال الصحافيين الأسهل على الإطلاق، لم أفكر كثيرًا في مثل هذه العمليات، ولا حتى لمرتين. لكن الأمر لم يكن عشوائيًا، كنا نغتال الصحفيين الذين ينحازون مع الحكومة ضدنا ولا يقومون بأخذ مسافة متساوية من جميع الأطراف.

  • أنت تعلم أن قتل الصحافيين من الجرائم الموصوفة في القانون الدولي؟

أعلم أن القتل جريمة أيضًا، لكنها الحرب، كل من يتورط يدفع الثمن.

بوباي: كان اغتيال الصحافيين الأسهل على الإطلاق، لم أفكر كثيرًا في مثل هذه العمليات، ولا حتى لمرتين. لكن الأمر لم يكن عشوائيًا، كنا نغتال الصحفيين الذين ينحازون مع الحكومة ضدنا 

  • كيف تتعاطى مع الاغتيالات، هل كان يرهقك التفكير فيها والتخطيط لها؟

الأمر في الاغتيالات إجمالًا لا يتعدى صوت الطلقة الثانية، طلقة في كل جانب من قفصك الصدري وستعيش مفارقة الحياة لجسدك بلحظة عين. وأنا كنت قاتلًا احترافيًا، القتل هو مهنتي. ولم يصدف أن أنهيت حياة أحدهم وراودني أي شعور، لا شعور بالخجل ولا العار، كذلك لا شعور بالحزن أو الأسى، وأيضًا لم يختمرني أي شعور بالسعادة في مثل تلك الأوقات، الأمر ببساطة كان كأي يوم عمل روتيني في المكتب خلال التعامل مع أوامر السيد بابلو إسكوبار.

كان القتل شديد السهولة. كنا نخوض غمار حرب، بالمعنى الحرفي لكلمة حرب، وكان القتل من الأطراف المقابلة يصل لحدود عائلتي وأصدقائي وزملائي، الذين شهدت قتل كثير منهم، أو عثرت عليهم بعد أن كانوا قد قتلوا، بل وتم التمثيل بجثث كثير منهم.

  • وأنتم اعتمدتم مبدأ العين بالعين في حرب لا يعترف أحد لليوم بمن بدأها؟

بما أنها كانت حرب فقد كان علينا الرد وفق مبدأ العين بالعين والنار بالنار. ولتعلم يا سيدي أن وحدة البحث التي تم إنشاؤها خصيصًا، برعاية أمريكية، لاغتيال بابلو إسكوبار، كان ضباطها يرمون زملاء عمل وأصدقاء لي من الطائرات المروحية بعد أن يرفضوا خيانة أصدقائهم وزملائهم. حصل معي كثيرًا أن وجدت جثث أصدقاء وقد شوهت بالكامل وحطمت وجوههم وعظاهم وانتزعت أسنانهم وأظافرهم تحت التعذيب، أليست هذه جرائم حرب أيضًا! لذلك بدأنا التصرف على قاعدة المعاملة بالمثل، بل وأكثر، لأنه ببساطة كان علينا التعامل بهذه العقلية للحفاظ على وجودنا. وأذكرك أنه كان من السهل القتل، ليس علي فقط، إنما على كل الأطراف، لذلك لم يشكل الأمر مشكلة بالنسبة لي. ولم تراودني فكرة عدم النوم أو الانزعاج نتيجة قتل أحدهم أبدًا، هذه فكرة لا أتفق معها لأنني قتلت كثيرين ولم يرد أني لم أستطع النوم نتيجة التفكير في من قتلت.


فيلاسكيز رفقة إسكوبار

  • يعلم العالم أن ضحايا بابلو إسكوبار، أو للدقة ضحايا الحرب معه، كثر وبالآلاف، لكن هل أنت من بينهم؟

يمكن القول أنني أيضًا من بين ضحايا بابلو إسكوبار بشكل ما، لم أكن المسؤول الأول عن الاغتيالات، فقرار اغتيال أحدهم لم يكن صلاحيتي، كنت قاتلًا محترفًا، بينما اليوم أعدت التفكير في الأمر وتخليت عنه. أصبحت رجلًا قويمًا أفضّل السلم على العنف.

  • ماذا تفعل للحفاظ على سلميتك والبقاء بعيدًا عن حروب الماضي؟

أبحث عن كل إمكانيات إعادة الاندماج في المجتمع. ما زلت قادرًا وباحترافية على القتل، لكن ما لم أجبر على ذلك دفاعًا عن نفسي لن أرتكب فعل القتل مجددًا مرة وللأبد. تعرضت لمحاولات كثيرة لقتلي في السجن، لكن أخطر ما تعرضت له وكان حقيقًا ومقصودًا محاولتين وفي المرتين كان حجم الرجال ضخمًا وأنا جسمي صغير لكني تمكنت من الدفاع عن نفسي والنجاة، لذلك أؤكد أنني لن أقتل إلا دفاعًا عن النفس.

  •  ماذا يريد بوباي اليوم؟

أنا لا أسعى للشهرة، فقد عرفتها طويلًا على مدار أربعة عقود، ملايين سمعوا باسمي وحكايات عني، ما أوده اليوم أكثر من أي شيء هو إيصال ما أعرفه من حكايات وتجارب للأجيال الشابة ليستفيدوا منه ويبتعدوا عن كل ما قد يضرهم أو يؤلم مجتمعاتهم. لذلك أصدرت كتابين، وأنشأت مدونة في موقع يوتيوب أتحدث عبرها. أنا ناشط سياسي ومجتمعي أقوم بكثير من الأنشطة التطوعية وللصالح العام وأنشطة التوعية، أعبر عن آرائي وأرغب في الاستمرار بذلك بكل استقلالية وحرية، لم أكن أوافق حكومة كولومبيا وما زلت معارضًا، وكذلك لكثير من الحكومات والسياسيين، أنا ضد دونالد ترامب نتيجة عنصريته، وكرهه لللاتينيين خاصة، أنا ضد كل أشكال الحكم الاستبدادي والظلم.

بوباي: ما أوده اليوم أكثر من أي شيء هو إيصال ما أعرفه من حكايات وتجارب للأجيال الشابة ليستفيدوا منه ويبتعدوا عن كل ما قد يضرهم أو يؤلم مجتمعاتهم

  •  بما أنك ضد الاستبداد والظلم، هل ينطبق ذلك على إسرائيل؟

ضد إسرائيل أيضًا، نعم، وهل ما تفعله إسرائيل معقول؟ هو ظلم بيّن باختصار شديد.

  • هل تراودك نوستالجيا لبابلو إسكوبار أو زمنه؟

أنت من فلسطين يا رجل، بالتأكيد تعي معنى أن تنتمي لمليشيا أو منظمة ويختلط الأمر بالسياسة والوجود، وتعرف كيف يكون للانتماء لجماعة وتبادل الوفاء سلطانه على المرء. لذلك إن ولد بابلو إسكوبار من جديد فسألتحق به دون التفكير لثانيتين أو أدنى تردد. كنا نحبه وهو أعطانا الحب وكل ما احتجناه، كما علمنا القتال باحترافية أكبر.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حوار | يانيس فاروفاكيس.. الحياة قصيرة الحرب أطول!

كريم مروة: ثورات الربيع العربي بوصلة نحو المستقبل