خالد حافظ/ مصر

أجلس خلف مكتبي في قسم الطوارئ الصامت، مرتديًا الماسك الواقي من الفيروسات، أحاول تمضية نوباتجية الليل، الطويلة عمومًا، وفي ليالي حظر التجوال خصوصًا، أفتح الدرج أمامي لأخرج رواية "المجوس" في محاولة لإكمال قراءتها، أقلب صفحاتها، يصيبني الملل، أترك الرواية وأفتح التابلت محاولًا قراءة كتاب بصيغة الـ"بي دي إف" فيه نص الحوار بين أينشتاين وطاغور. مزيد من الملل، أفتح كتاب المعادلة البريطانية التي أحاول الانتهاء منها، أشعر بضيق أكبر، أهرب من كل هذا بفتح أحد ألعاب كرة القدم أونلاين وأستغرق فيها.

 

-انت عارف ايه مشكلتك يا حبيبي؟ إنك مش عارف انت عايز إيه؟

قالتها وأسندت خدها الأيسر على فخذي العاري، بينما أشعل سيجارة بعد الانتهاء من ممارسة الجنس معها.

 

- ما شاء الله يا دكتور الدنيا النهاردة هادية وحظر التجول مقعد الناس في البيوت.

-فاكر يا عم احمد أيام الهاون اللي كان بيترمى علينا؟!

-ما شاء الله يا دكتور انت حظك غريب!!

يضحك حتى تظهر أسنانه الصفراء ثم يكمل:

-انت جيت من هنا وقامت الحرب من هنا، ولسه ماخلصت حتى الحين، واليومين دول حظر تجول علشان كورونا.

يضحك مرة ثانية ويخفى فمه بيده.

لم يتكلم بالطبع عن التغييرات التي حدثت داخل الأسرة الحاكمة في نفس التوقيت، فعم أحمد الكهل الخمسيني أسمر البشرة، كان من المجنسين الفقراء بهذا البلد الخليجي الغني، وعمومًا الكلام في هذه النقطة من المحرمات هنا. أومئ برأسي علامة الموافقة على كلامه مع ابتسامة محايدة وأعود إلى اللعبة.

 

- حتى تستطيع الكتابة الجيدة يجب عليك تمزيق كل أعمالك القديمة والبدء من جديد.

قالها صديقي الروائي معلقًا على مجموعة من القصص والنصوص القصيرة التي كتبتها ودرت بها على العديد من المحافل الأدبية باحثًا عن متلقى دون جدوى، ثم ينفث دخان البايب الخاص به في استمتاع.

 

يرتفع صوت التكبير في القاعة بعد إعلان خسارتي في الانتخابات النقابية، يقترب مني بلحيته التي يختلط فيها البني بالأبيض، يربت على كتفي في طيبة غريبة لا تليق بما فعله جمهوره الانتخابي، يهمس في أذني

-لازم تهتم بحياتك ودراستك.. سيبك من السياسة والنقابة والتنطيط ده كله وركز في مستقبلك.

 

أرفع وجهي عن اللعبة، أقلب في التابلت، ثم افتح صفحتي على الفيسبوك، أبحث بين صوري القديمة، صور للعديد من الأصدقاء بمدن مصرية مختلفة. أتذكر المعارك الصغيرة التي خضناها سويًّا أيام الثورة وما تلاها من أحداث.

هل كنت اخوض هذه المعارك كلها بنصف قلب أم بنصف عقل؟!!

 

-أنا باخد حبة ترامادول يوميًّا علشان أعرف أكمل على المكنة الـ12 ساعة دوام، مش عارف لما هيصفوا الشركة واخرج معاش هعمل ايه؟!!

قالها عم يسري الكهل الخمسيني العامل بشركة الزيوت، والمسؤول عن أسرته الكبيرة وأسرة ابنه المتوفي في حادث طريق أثناء ذهابه للعمل باحد الشركات بالعاشر من رمضان.

 

أخرج من الطوارئ ثم من البوابة الخارجية للمستشفى، لهذا الصمت رهبة ذكرتني بحظر التجول وقت الثورة، يقطع هذا الصمت أحيانًا أصوات أبواق سيارات الشرطة التي تتابع تنفيذ الحظر، أنزل الماسك عن فمي وأخرج علبة السجائر من جيبى الجانبي، أشعل واحدة وأنفث دخانها في الفراغ.

 

-أنا مش عارفه أن كنت مش بحبك بس عايزة أكمل معاك، ولا انا بحبك بس مش عايزة أكمل معاك!! أوعدني تفضل معايا لغاية ما أعرف أنا عايزة إيه

كنت أبتلع قرص مهدئ قبل كل لقاء بها حتى أستطيع الصبر على تخبطها وإهانتها، لا أدري ما الذي كان يحملني على الاستمرار في هذه العلاقة السامة؟! ربما عدم قدرتي على التحلل من هذا الوعد؟! من الصعب على الإنسان أن يحكي في حضرة من لديه قصة وأن يتألم في حضرة موجوع.

 

يضغط إطار نظارته البني حتى تكاد عدساتها تلمس عينيه الجاحظتين ويقول:

-أظن أن ظروفك مش هتسمح إنك تكمل في مصر، لازم تسافر الخليج كام سنة تكون نفسك وتبعد شوية وبعدين ترجع، وياريت في الفترة دي لو تعرف تذاكر أي معادلة.

اشعر بمرارة في حلقي واصرف نظري عنه.

 

-لماذا فشلت الثورة المصرية؟!

يسألني صديقى دائم الضحك على نكاتي رغم سذاجتها، بينما تلعب نسائم ليل يناير الباردة بدخان الشيشة الصاعد من رئتيه وفمه وأنفه:

-ربما لأننا لم ندرك أنها كانت ثورة.

أقولها وأضحك في مرارة، أسحب نفس عميق من الشيشة أمامي، وأستمع في استمتاع لصوت قرقرة المياه.

 

لا يزال ليل الحظر ثقيل وطويل، ولا يوجد حالات طارئة، أفتح مجموعتي القصصية القديمة التي أحتفظ بها دائمًا بجيب خفي داخل حقيبتي الصغيرة، لم أستطع تمزيقها والتخلص منها كما نصحت، أبدأ في مطالعتها بشغف.

 

اقرأ/ي أيضًا:

وحيدة في غرفة أتأمل الغبار

موقف قلق من الصفح