وحيدة في غرفة أتأمل الغبار

وحيدة في غرفة أتأمل الغبار

تادووتش كانتور/ بولندا

تغمرني سحابة الضوء الخارج من مصباح صغير في طرف الغرفة، موجهٍ نحو الأريكة التي أجلس عليها الآن، كل أنوع هذا السحر اللامرئي، مثل الغبار الذي يطير في الهواء كلما حدقتُ مليًّا في الغرفة، كيف تبدو أفكارك بعدما تدخن الحشيش؟ هل تنسى كل شيء، فما يعود الماضي مستحقًا؟ أم تنظرُ للمستقبل كأنه لحظتك التي تعيشها الآن، وعندما أكون مثل الرائحة داخل الرأس، كيف أبدو، عاريةً أم أرتدي فستاناً؟ أفتحُ ذراعيّ لك أو أدير ظهري وأمشي بعيدًا بلا عودة. لا أحب الآخرين، ويمكنني أن أتملى كثيرًا في كل حبة تطيرُ الآن داخل الضوء، أسميها عثة الضوء، وأكتبُ عنها كما أفعلُ الآن، وفي بعض الأحيان أفكرُ كيف تبدو كل هذه الحبيبات من الرمل صغيرةً جدًّا، تدخلُ من أطراف النوافذ المغلقة بإحكام، أو تعلقُ بملابسي كلما خرجتُ أو أنها في أصل هذه الغرفة، جزءٌ أزليٌ منها. أنت الآن تحت تأثير المخدر، هل تكون حياتك كل الشؤون الصغيرة؟

أتخيل مشاهد عديدة، كأن تجري على الشاطئ، أو نلقي نكتة معًا عن كورونا، أو نتمغط كثيرًا كلما صحونا دون أن نتأخر عن هلع العالم في الخارج، لكنني أتباطأ لا بسبب تأخرك، لكنني أحسُ في لحظة واحدة أنني لا أملكُ الوقت الكافي لأن أفعل شيئًا من هذا، ذلك أنني أبكي في الحجرة وحدي، لدي عشرات الكتب المغبرة، والتي أتوارى خلفها، كنتُ أبكي إذًا، مثلما يفعلُ شخص يظن أن طريقه في الحب مقطوع السبل، أن كل الآخرين سيخوضون ذلك العنف الأبدي دونه، أنه وحده سيظل يراقب الكرة الأرضية وهي تدور، أنه لن يصاب بكورونا، ليس الآن، بينما الناس يعيشون ويتعبون ويتمرغون في الوحل، ويتعافون، هو المعفي دونهم من دورة حياته. كنتُ أبكي إذًا، تلفني حبات طلعٍ من غبار، كلما تقدم الوقت تكاثرت، والأريكة صغيرة جيدًا وضيقة، ولا تكفي لأي موعد، فالقاعدة تقول توقف عن الانتظار لكي تحصل على ما تريده في الحال، وأنا تطرفتُ، إذ لم أتوقف عن الانتظار فحسب، بل أعدمتُ كل إيحاء له، كأن لا شيء بعد.

تركضُ على الشاطئ، تضعُ سماعة صغيرة في أذنيك، تسمع موسيقى أندرجرواند، وتفكر في الليلة عندما تدور السيجارة لكي تصل بين أصابعك، فيغدو العالم ممحوًا أو ممنوحًا لا أحد يعرف سواك. وأنا إن كنتُ رائحةً، أو غبارًا، أو فكرة ذهنية تروح وتموت أو ضوءًا كاشفًا، أو إيحاءً، أو سكونًا، فهل أبدو موحشة في ذلك الجوار النشوان أيضًا؟

 

  • العنوان تنويعة على قصيدة الشاعرة الأمريكية الشهيرة دوريان لوكس: وحيدة في غرفة وأمسح الغبار.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في غضون خمس عشرة دقيقة

أدخل جميع المصحات بلا سبب