حصار الاستهلاك.. كيف حوّلت الشركات أطفالنا إلى زبائن مفضلين؟!

حصار الاستهلاك.. كيف حوّلت الشركات أطفالنا إلى زبائن مفضلين؟!

كل القطاعات التجارية تستهدف الأطفال (Lidl)

في عصر أصبحت فيه سياسات الاستهلاك وأدواتها الإعلانية تحيط بالإنسان من كل جانب، بل تتعدى على أكثر لحظاته خصوصية، يطرح هذا تساؤلًا بأهمية الواقع الحالي: أليس من الضروري الآن أن تكون هناك سياسات موازية لتحفظ الخصوصية؟ 

بالنسبة للشركات التجارية، تعد شريحة الأطفال، سوقًا غضًا ومثمرًا، وقابلًا جدًا للاستثمار، إذ من السهل الوصول إليها والتأثير فيها

وربما يزيد من أهمية التساؤل، أن إستراتيجية سياسات الاستهلاك هذه، تتطور بسرعة فائقة، مستثمرة كل جوانب التقدم التكنولوجي كوسيلة، وتعتمد على دراسات نفسية واجتماعية كأساس. 

اقرأ/ي أيضًا: فخ الاستهلاك.. كيف تُغويك الشركات لشراء أكثر مما تحتاج؟

وباتت السياسات الاستهلاكية اليوم تستهدف الأطفال بشكل صارخ، وتلعب دورًا كبيرًا في إمكانية التأثير على البنى الأساسية في مراحل حساسة من التطور والنمو وبناء الشخصية.

المقال التالي، المترجم بتصرف عن صحيفة "La Croix" الفرنسية، يتناول أسباب وطرق ونتائج استهداف الشركات التجارية، بسياساتها الاستهلاكية، للأطفال، مقدمًا عدة أمثلة تكشف وسائلها.


يعتبر الأطفال أهدافًا مميزة تثير اهتمام جهات التسويق. ولا يقتصر هذا الاهتمام على رأي الأطفال بالمنتجات الخاصة بهم، بل يتعدى الأمر ذلك ليشمل المنتجات الأخرى، فالعادات الاستهلاكية تُكتسب منذ نعومة الأظافر.

في باحات المدارس الإعدادية، باتت تعليقات مثل: "تعجبني ملابسك، من أين اشتريتها؟ ما هي ماركتها؟"، تعليقاتٍ رائجة، وتُشعر من توجه له، بالفخر نتيجة الأثر الذي أحدثته مشترياته الأخيرة لدى أصدقائه.

بالنسبة للشركات التجارية، تعد هذه الشريحة العمرية سوقًا غضًا ومثمرًا، وقابلًا جدًا للاستثمار. كما تعتبر هذه الشركات أنه من السهل الوصول إلى هذه الشريحة والتأثير فيها.

الأطفال والاستهلاك
بات الأطفال محاصرين بالقيم الاستهلاكية

 في هذا السياق، يقول إينيس دي لافيل، منسق برنامج المركز الأوروبي لمنتجات الأطفال، في جامعة بواتييه: "حتى لو اعتبرنا أن الطفل لا يذهب أبدًا إلى المراكز التجارية، فإن عالم التجارة يأتي إليه بسهولة تامة، فهو في كل الأحوال يلاحظ عبوات وشعارات المنتجات التي يجلبها والداه إلى المنزل. وعندما نشغل التلفاز أو الراديو يحفظ الأطفال بسرعة كبيرة الأغاني والإعلانات".

مستهلِك المستقبل

يعتبر أخصائيو التسويق أن الطفل يقوم بثلاثة أدوار في مجال التسوق:

1. هو مستهلك حقيقي عندما يشتري الأشياء الصغيرة من حلوى وغير ذلك، بالمال الذي يملكه.

2. ويستطيع أن يصف ويتدخل ويعطي رأيه في مشتريات البالغين، ويظهر هذا الدور خصوصًا في قطاع التكنولوجيا. وفي هذا الصدد، تُذكّرنا جويل بري، اختصاصية التسويق في كلية إدارة الأعمال "ESSCA"، وصاحبة كتاب "Kids Marketing"، أنه ""في ثمانينات القرن الماضي كانت الأسر التي لديها أطفال، أول من اشترك في قناة Canal+ وأول من اشترى حاسب آلي في التسعينات، وأول من اشترك في الإنترنت المنزلي في بدايات 2000".

إضافة إلى ذلك، يُؤخذ رأي الأطفال في السلع الخدمية، مثل الأماكن السياحية التي ستزورها الأسرة، وأماكن تمضية العطلات الأسبوعية، وما إلى ذلك.

3. والطفل أيضًا هو المستهلك المستقبلي، حيث أظهرت الأبحاث أن ثلثي العلامات التجارية التي يتعامل معها البالغ، هي نفسها العلامات التجارية التي كان قد احتك بها وهو طفل.

الكثير من العاطفة والإثارة

يقول باسكال إزان، الأستاذ بجامعة هافر: "باستثناء مجال الأسلحة، فإن كل القطاعات التجارية تستهدف الأطفال"، مع الأخذ في الاعتبار شروطًا معينة لنجاح هذا الاستهداف.

الاستهلاك
كل القطاعات التجارية تستهدف الأطفال

على سبيل المثال، يجب على الإعلان التلفزيوني الذي يستهدف الأطفال، أن ياخذ بعين الاعتبار مراحل النمو الإدراكي والمعرفي التي يمرون بها، لذلك يجب أن يتماشى مع مدى قدراتهم على التركيز، بأن يتضمن القليل من الشروحات والكثير من الإثارة، وأن يقتصر على رسائل قصيرة وافية للمنتج، مع جرعة من الفكاهة تساعد على تكوين روابط عاطفية مع الطفل.

ولتحقيق هذه النتيجة، فلا شيء يؤتي ثماره أكثر من استخدام شخصيات أيقونية تم تطويرها على مر السنين، وخاصة في مجال الأغذية، فمثلًا إعلان للبسكويت سيستخدم شخصية الفارس الشجاع، وإعلان للعلكة سيستخدم شخصية الصبي القوي، وإعلان لحبوب الإفطار سيستخدم حيوانات كرتونية لجذب الأطفال مثل النمر أو الدب أو الأرنب.

التحدي المستمر لخبراء التسويق، يتمثل في إرضاء الأطفال وأولياء الأمور على حد سواء، لذلك يُعتمد على وصفة ثابتة، مجربة منذ بدايات القرن الـ20، حين قام صانع أحذية بإعادة إحياء شخصية القصص المصورة الشهيرة والمحبوبة "باستر براون"، مطلقا علامته التجارية "أحذية باستر براون" التي لاقت نجاحًا باهرًا. 

الشاشات.. سلاح التسويق الأساسي

لعبة الليغو التي تتمتع بشهرة كبيرة جدًا، وما زالت تتناقل بين الأجيال؛ لم تخرج هي الأخرى عن سياق القاعدة الرئيسي، فابتداءً من عام 1999، أطلقت ألعابًا تركيبية مستوحاة من سلسلة أفلام "حرب النجوم - War Stars".

ورغم أن مديرة تسويق شركة الألعاب التركيبية، تؤكد على ضرورة الحفاظ على أصالة اللعبة وارتباطها بمفهومها الأساسي، إلا أن الليغو اليوم اضطرت إلى مجاراة العصر الإلكتروني لجذب شرائح أكبر من الأطفال، باستخدام نسخ إلكترونية للعبة، نظرًا للوقت الطويل الذي أصبح هؤلاء الأطفال يمضونه أمام الشاشات، باستخدام إغراء إمكانية مقارنة نتائج كل لاعب مع اللاعبين الآخرين.

وهكذا أصبحت العلامات التجارية سباقة لوضع منتجاتها الموجهة للصغار والمراهقين، في برامج وتطبيقات العالم الافتراضي، وأصبح التسويق يعتمد على التعرض العرضي للمنتج، أي أن يخضع المستهدف للتحفيز دون أن يدرك ذلك.

لكن ذلك، أي استخدام الشاشات للتسويق للأطفال، لا يحدث دائمًا دون الوقوع في فخ التجاوزات الخطيرة، فعلى سبيل المثال، رصد إعلان مضمن لشركات تبغ، في مسلسل رسوم متحركة ياباني.

المؤثرون

انتشار مواقع التواصل الاجتماعي منذ أكثر من 10 أعوام، ضاعف هذه الظاهرة، حيث استثمرت العلامات التجارية ذلك بأكبر قدر ممكن، معتمدة على التأثير المتبادل بين المستهدفين، فالجميع يستطيعون أن يكونوا مؤثرين في الآخرين، لحد إقناع جهات الاتصال لديهم.

على سبيل المثال، حولت شركات الألعاب، الطفل الأمريكي راين، الذي لم يتجاوز الثامنة من عمره، إلى مليونير صغير، مقابل استعراضه للألعاب على قناته بيوتيوب.

أيضًا، الشاشة تجعل الطفل أو الصبي أو المراهق، مطلعًا على العالم وأحدث الإصدارات من كل شيء تقريبًا، ما يحمسه لاقتناء الأحدث من العلامات التجارية الأشهر، لكنه أيضًا يسعى للتفرد والتميز.

لذا، ووفقًا لديفيد دو ماتيس، الذي حلل العادات الاستهلاكية للجيل المولود ما بين 1999 و2016، فإن "المراهقون والشباب الصغير يفضلون شراء الماركات المعروفة عالميًا، لكنهم في نفس الوقت يسعون لكل ما يميزهم عن الآخرين".

من هنا بدأت الشركات بتقليل كمية السلسلة الإنتاجية، فالحصول على ما هو نادر يثير حسد الآخرين. شركة نايك على سبيل المثال، استمرت بإنتاج سلاسل ضخمة من منتجاتها، لكنها بقيت لعدة سنوات تقترح على المستهلكين خياطة حروف أسمائهم على أحذيتهم الرياضية، لضمان تفرد وتميز كل مستهلك على حدة.

تقليل خطر الثقافة الاستهلاكية بين الأطفال

يمضي الأطفال ممن تتراوح أعمارهم ما بين أربع إلى 10 سنوات، أكثر من ساعتين أمام التلفاز، و10% من المشاهدة، مخصص للإعلانات، وذلك بحسب الإحصائيات الفرنسية الرسمية.

ونتيجة لهذا الواقع، وُضعت مجموعة من الضوابط الإعلانية في بعض الدول الأوروبية، فمنذ الأول من كانون الثاني/يناير 2018، تم حظر الإعلانات التجارية في فرنسا على البرامج المخصصة للأطفال دون سن 12 عامًا على القنوات التلفزيونية العامة، باستثناء الرسائل العامة الخاصة بالسلع والخدمات المتعلقة بصحة الأطفال ونموهم.

الاستهلاك
الشاشات هي وسيلة التسويق الأساسية لاستهداف الأطفال

ويستهدف هذا القانون بشكل خاص، الإعلانات السلع المصنعة، مثل المشروبات الغازية التي تعزز السمنة لدى الأطفال. وقد نال استحسان 88% من الشعب الفرنسي.

إذا كان القانون يلزم قنوات الخدمة العامة فقط، فذلك لأن التقديرات تشير إلى أن تطبيق هذا الحظر على القنوات الخاصة، التي تعتبر إعلاناتها المورد الوحيد، سوف يهدد خمسة آلاف وظيفة في قطاع الرسوم المتحركة وحده.

وتعتبر السويد الدولة الرائدة في هذا المجال، فلا يشمل الحظر القنوات العامة فقط، بل أيضا القنوات الخاصة. أما بريطانيا وإسبانيا فيقتصر التشريع على ذلك الموجود في فرنسا.

بالنسبة للشركات، يلعب الطفل 3 أدوار: فهو مستهلك حقيقي للمنتجات الخاصة به، وله رأي في منتجات البالغين، وهو المستهلك المستقبلي

مع ذلك، تبقى هذه الإجرءات متواضعة وغير فعالة في ظل التوسع الرقمي الكبير، وهنا ربما يكون من الضروري استدعاء دور الأهل، والتوعية المدرسية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المينيماليزم.. الزهد على طريقة الرأسماليين!

مكانة الذات في النظم الاستهلاكية