حرق

حرق "خيار" الشعب في العراق.. أمل حراس المحاصصة بالأمس

ما زال المتسبب بحرق صناديق الأصوات غير معروفًا (رويترز)

تصاعدت سحب الدخان ظهرًا في سماء بغداد، يوم الأحد الماضي، حيث اندلع في جانب الرصافة من العاصمة، حريق داخل مخازن كانت المفوضية العليا للانتخابات استأجرتها لوضع صناديق الاقتراع في داخلها. وكانت المخازن بحسب التصريحات الرسمية في بداية الحادث، تحتوي على صناديق وأوراق اقتراع كاملة وسيرفرات تابعة لمفوضية الانتخابات.

أراد البرلمان العراقي الذي يضم ما يقارب 230 نائبًا خاسرًا أن يعدّل على قانون الانتخابات بأثر رجعي

تحالف الخاسرين

لم يحسم بعد موضوع الانتخابات العراقية، بالرغم من إظهار النتائج، فهناك اعتراضات كثيرة وادعاءات بوجود تزوير واضح، وقد طغت حالة شاملة من الإرباك على المشهد السياسي العراقي منذ إجراء الانتخابات في 12 أيار/ مايو 2018.

أراد البرلمان العراقي الذي لا يزال يقيم جلساته، والذي يضم ما يقارب 230 نائبًا خاسرًا بحسب نتائج الانتخابات، أن يعدّل على قانون الانتخابات بأثر رجعي، ثمّ عاد وأقر قوانين تخص العملية الانتخابية التي لم يفز فيها. كانت الجلسات تضم الخاسرين والكتل الخاسرة، برئاسة رئيس مجلس نوّاب خاسر أيضًا. 

وفي 6 حزيران/ يونيو الجاري، أقر مجلس النواب إجراء عملية عد وفرز يدوي، عقب أن ظهرت النتائج بعد ثلاثة أيام من الانتخابات، من خلال أجهزة العد والفرز الإلكتروني، التي استبشر العراقيون بها خيرًا، بعدما أعلنت المفوضية عن نيتها احتساب الأصوات من خلالها ولأول مرّة، بدلًا من الاحتساب اليدوي الذي كانت تطول نتائجه لأشهر، ويُعتقد أنه كان يسمح بالتزوير. وأقدم البرلمان على هذه الخطوة، رغم أن المعلومات تقول إن قيمة عقد أجهزة العد والفرز الإلكتروني تبلغ أكثر من 125 مليون دولار.

اقرأ/ي أيضًا: منطق السخرية.. رد فعل الشباب العراقي على حريق صناديق الاقتراع

يذكر أن مجلس النواب الذي صوّت لصالح استخدام هذه الأجهزة الإلكترونية، هو نفسه الذي رفضها أيضًا، وهذا ما أشار إليه، القيادي في تحالف النصر، ووزير الدفاع السابق، خالد العبيدي، حيث قال بعد الحريق الذي حدث لأوراق الاقتراع، إن "نوابًا فاسدين تحاصصوا على اختيار مفوضية للانتخابات وفرضوا ما يريدون من أعضاء على الشعب العراقي، ولما كانت النتائج بغير صالح (المتحاصصين)، أعلنوا رفضهم للنتائج وهاجموا الأجهزة التي أقرها البرلمان وطالبوا بالعد والفرز اليدوي، لتنتهي أوراق اقتراع أكثر من نصف بغداد حطبًا لنار المتحاصصين، الذين صاروا يتسابقون للتبرؤ من فسادهم المفضوح" بحسب قوله.

ولم يصوت البرلمان فقط على إقرار العد والفرز اليدوي، وإنما صوّت أيضًا على إلغاء نتائج تصويت الخارج بالمطلق التي يشك أنها مزوّرة، كما ألغى التصويت المشروط في مخيمات النازحين والحركة السكانية لمحافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى وديالى، وهي المحافظات التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش. كما تعطى بحسب البرلمان الصلاحية للهيئة القضائية المشرفة، على إلغاء نتائج بعض المراكز الانتخابية التي يثبت فيها التزوير.

لم يكتف مجلس النواب بهذه القوانين فقط، حيث إنه مسند ومدعوم من قبل مجلس الوزراء الذي أقر قبل هذه الجلسة بيوم واحد، بأن "خروقات ومخالفات حصلت في انتخابات 12 أيار 2018". وقد وصلت الجلسة إلى إلزام مفوضية الانتخابات بانتداب تسعة قضاة لإدارة مجلس المفوضية، لتولي صلاحيات مجلس المفوضين بدلًا من أعضاء المفوضية الموجودين، والذين أشرفوا على الانتخابات ونتائجها، وهو التعديل الثالث لقانون الانتخابات، وبأثر رجعي، أي بعد الانتخابات.

لم يصوت البرلمان فقط على إقرار العد والفرز اليدوي، وإنما صوّت أيضًا على إلغاء نتائج الخارج بالمطلق 

لم تقبل مفوضية الانتخابات بهذه الإجراءات، بل رفع رئيسها معن الهيتاوي، دعوى قضائية إلى المحكمة الاتحادية، ضد مجلس النواب العراقي للطعن بما سمي بـ"التعديل الثالث" لقانون الانتخابات. وجاء في الدعوى، أن "القانون الذي صوت عليه مجلس النواب مخالف للدستور حيث تم إصدار هذا القانون في جلسة استثنائية عقدها المجلس وبقيت مفتوحة في مخالفة صريحة لأحكام المادة 8 أولًا من الدستور". معتبرًا أن "إقحام القضاء في عمل المفوضية مخالف للقانون، حيث إنه لا يجوز الجمع بين وظيفة القاضي مع أي وظيفة تشريعية أو تنفيذية".

لكن المتحدث الرسمي باسم القضاء، عبد الستار بيرقدار، قال في بيان يوم أمس، إن "جلسة مجلس القضاء الأعلى شهدت تسمية القضاة المرشحين للانتداب للقيام بصلاحيات مجلس المفوضين في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، حسب أحكام المادة (4) من قانون التعديل الثالث لقانون الانتخابات، والقضاة المرشحين لإشغال مهمة مديري مكاتب المفوضية في المحافظات".  كما صرّح عضو مجلس المفوضين سعيد كاكائي، أن "العد والفرز اليدوي لأصوات الناخبين سيبدأ يوم الأربعاء أو الخميس المقبلين وبإشراف قضاة"، بحسب التعديل الثالث الذي أقره مجلس النواب.

رحب الخاسرون بقانون "التعديل الثالث" بل ساهموا بإقراره والتصويت عليه، لكن أمر الفائزين لم يكن موحدًا. أشار تحالف سائرون، المدعوم من زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، والذي حصل على المركز الأول في الانتخابات، إلى أن نتائجه لا تتأثر بالعد والفرز اليدوي وأنه سيبقى الأعلى، من خلال تصريح لحسين النجار، عضو التحالف. لكن تحالف الفتح، الحاصل على المركز الثاني، وهو الجناح السياسي لفصائل الحشد الشعبي، صرّح من خلال الناطق الرسمي باسمه، أحمد الأسدي، بأن "تحالف الفتح ضد إجراء عملية العد والفرز اليدوي بنسبة 75%". لكن النائبة نهلة الهبابي توقعت قبل هذا في تصريح صحفي، أن تسفر عمليات العد والفرز اليدوي عن تغيير بنتائج الانتخابات بنسبة 40% وفي أربع محافظات.

تخوف من صراع أهلي

بدا أن هناك كيانات سياسية واثقة من نتائجها إذن، بينما بدت كتل سياسية  أخرى متوجسة، فعارضت العد والفرز اليدوي، وهناك كتل قاتلت لأجل تحقيقه، وهو خلاف تجسد على ما يبدو في اندلاع حريق كبير ومفتعل في صناديق الاقتراع.

بدأت بعد حادثة الحريق تصريحات الكتل السياسية المختلفة، وأشارت بحسب مراقبين، إلى حجم الصدع الذي أحدثته نتائج الانتخابات غير التقليدية نوعًا ما.

اقرأ/ي أيضًا: آخر مسرحيات خاسري الانتخابات العراقية.. "الشعب الأحمق لم يخترنا"!

ودعا رئيس الوزراء الأسبق، وزعيم ائتلاف الوطنية، إياد علاوي، بعد الحريق الذي التهم صناديق المفوضية، إلى تهيئة حكومة تصريف أعمال وإجراء انتخابات جديدة خلال 6 أشهر، بعد انتخابات رافقتها خروقات خطيرة. وشاركه في الرأي، سليم الجبوري، رئيس مجلس النواب العراقي، حيث دعا أيضًا إلى إعادة إجراء الانتخابات البرلمانية، بعد ساعات من نشوب الحريق، مشيرًا إلى أن "الحريق متعمد ويهدف إلى إخفاء حالات التلاعب وتزوير الأصوات".

أما الأمين العام لعصائب أهل الحق، الفصيل المسلح، والذي يمتلك جناحًا سياسيًا في قائمة الفتح باسم "كتلة صادقون"، والذي زادت أصواته من مقعد واحد إلى 15 مقعدًا، فقد رد على من يدعو إلى إعادة الانتخابات، بالقول، إن "المطالبين بإعادة الانتخابات ليس لهم هم سوى مصالحهم الخاصة على حساب استقرار البلد وإدخاله في المجهول"، ما يشير إلى رفض تحالف الفتح إجراء أي تغيير بخصوص الانتخابات.

وبقيت الاحتمالات مفتوحة على من قام بالحريق، فهل هو الفائز الذي يخشى من ظهور مخالفات تزوير على قائمته؟ أم هو الخاسر الذي يريد ألا يفارق منصبه؟ ويتخوف مراقبون الآن من نشوب صراع أهلي بسبب هذه الخلافات الانتخابية، وبسبب وجود نوايا سياسية تهدف إلى إلغاء نتائج الانتخابات، التي غيّرت الخارطة السياسية، وقللت من حظوظ الكتل التقليدية فيها.

من قام بالحريق؟ هل هو الفائز الذي يخشى من ظهور مخالفات تزوير على قائمته؟ أم هو الخاسر الذي يريد ألا يفارق منصبه؟

وقد أصدر صاحب المركز الأول، تحالف سائرون، بيانًا بعد حريق صناديق الاقتراع قال فيه، إن "ردود أفعال الجماهير لا يمكن التنبؤ بها لأن ما حصل استهدف إرادتهم وسيدافعون عنها بكل السبل". وكتب مقتدى الصدر الداعم لهذا التحالف، بدوره مقالة على صفحة رسمية للتيار الصدري، قال فيها: "لن أكون طرفًا بحرب أهلية، كما أرادها بائعو ثلثي العراق"، في إشارة إلى رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي لكن الحوادث مستمرة، وحبلى بمفاجآت كثيرة، وهناك من يمتلك السلاح الخارج عن إطار الدولة وسيطرتها كذلك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل العراق دولة؟

"يسار السوشال ميديا" العراقي.. حدود اليأس على ضفاف السخرية