كيف صنعت روسيا طبخة الموت في سوريا اليوم؟

كيف صنعت روسيا طبخة الموت في سوريا اليوم؟

طموح بوتين يأتي على حساب السوريين المدنيين (Getty)

من قدس الأقداس الروسية في سوريا، أو قاعدة حميميم، تنطلق كل التصورات الروسية عن "سوريا المفيدة"، وخاصة النسخة الروسية منها. ولمن لا يعرف حميميم، فهي قاعدة روسية تقع جنوب شرق اللاذقية السورية، أُسست عام 2015، والآن هي محصورة على العمال الروس. وتحتل مساحة ثلاثة آلاف متر مربع. ولا يمكن بأي شكل إخفاء دورها في الطبخة الروسية للحرب في سوريا.

قاعدة حميميم في سوريا، هي بمثابة قدس الأقداس الروسية هناك، ومنها تنطلق التصورات الروسية عن "سوريا المفيدة"

دور قاعدة حميميم

نقلت تقارير إخبارية أن روسيا نشرت بين أربعة آلاف إلى خمسة آلاف جندي روسي في سوريا خلال العامين الماضيين. لكن العنصر البشري ليس وحده ما يميز قاعدة حميميم مركز السيطرة الروسية في سوريا، الذي استخدمته ليوفر غطاءً جويًا مناسبًا لمهامها القتالية ضد فصائل المعارضة، ولكن أيضًا التجديدات التي قامت بها في القاعدة من توسيع مدرجها ليسمح بهبوط الطائرات الضخمة، التي تحمل الأسلحة الثقيلة والمجنزرات والمدرعات، إلى جانب وجود الطائرات المتطورة مثل "سوخوي35"، وتخصيصها مساحات شاسعة لإقلاع وهبوط طائرات النقل المسماة "روسلان"، حتى لا تتقاطع حركتها مع الحركة الاعتيادية للمطار. كما لم ينس الروس بناء ثكنات جديدة ومطاعم للترفيه عن الجنود الروس.

اقرأ/ي أيضًا: الدولة المفيدة تكتمل.. كيف وقع التغيير الديموغرافي "القسري" في سوريا؟ (3-3)

ويوجد بالقاعدة أيضًا مروحيات هجوم وطائرات تجسس إلكترونية وطائرات هجومية ومنظومة صواريخ "إس 400" التي تضمن أن تكون السماء كاملة تحت السيطرة الروسية.

وفي تلك القاعدة، استقبل وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، رئيس النظام السوري بشار الأسد، في حزيران/يونيو، وبدا بشار وقتها موظفًا في الديوان الروسي، جاء دون حتى أن يعرف هوية المسؤول الروسي الذي كان في انتظاره، فقد قال: "أنا سعيد بلقائكم، إنها مفاجأة سارة"!

ومن تلك القاعدة أيضًا تنطلق الحافلات الخضراء، التي باتت عنوانًا للتهجير القسري في المناطق المحاصرة من قبل قوات النظام السوري.

وبكل كرم إجباري لا مروءة فيه، منح نظام الأسد، القاعدة لروسيا مدة 49 عامًا، قابلة للتمديد 25 عامًا أُخرى.

التدخل الروسي

كانت وجهة نظر بوتين لسياسة روسيا الخارجية، هي أن يكون عكس الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن تمامًا، فلبوتين تطلعات توسعية في الشرق الأوسط، ولم يكن يرغب في التدخل كرقم زائد في المعادلة، بل كطرف له ثقل، ولكنه حين وصل إلى الحكم منذ 17 عامًا، ورث جيشًا غير مناسب لأغراضه، ففي خلال فترة حكمه الثانية، قام بإدخال إصلاحات عدة على الجيش القديم، الذي كان قائمًا على المجندين، وهي عملية لم يقم بها إلا بعد انتصاره في الحرب الجورجية.

كان بوتين أكثر جرأة في الإنفاق على جيشه، حيث تنفق روسيا أعلى مما تنفقه الولايات المتحدة على الدفاع. وقد خصص بوتين لذلك رقمًا غير عادي، بلغ 81 مليار دولار في 2015.

وفي ذلك الوقت، خرج الأسد بتصريح مهم، تحديدًا في تموز/يوليو 2015، قائل فيه، إن جيشه اضطر للتخلي عن مواقع في البلاد بهدف الاحتفاظ بمواقع أخرى، كما تحدث عن وجود "نقص في العنصر البشري" بسبب اتساع نطاق الحرب. قبيل ذلك كانت المعركة تتجه للحسم لصالح المعارضة، خاصة في إدلب ومنطقة الساحل، كما بدأ النظام يفقد شمال شرق البلاد لصالح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والأكراد.

وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، مقتل أكثر من 5 آلاف مدني سوري منذ تدخل روسيا في 2015

هنا بدأت أحلام التوسع الإمبريالي تداعب خيال بوتين، الذي تدخل في الحرب بثقله العسكري والإستراتيجي، وليس كلاعب على هامش الحرب يُحرك أذرعه على الأرض كإيران. كان الهدف المُعلن وقتها للروس، القضاء على داعش. لكن الحقيقة هي أن روسيا استطاعت حسم الحرب لصالح نسختها من "سوريا المفيدة"، فبعد التدخل الروسي، استعاد النظام كامل اللاذقية، وتم ربطها بحلب، واستعاد أجزاءً من حمص وحماة، واستعاد السيطرة على قاعدة كويرس العسكرية، وكذا مدينة تدمر. وخسرت المعارضة في المقابل، داريا، أكبر مدن الغوطة الغربية. وجميعها مناطق لم يكن تواجد داعش فيها إستراتيجيًا.

سياسة الأرض المحروقة

عاقب سلاح الجو الروسي آلاف المدنيين بلا رحمة، وخاصة في المدن والبلدات المقاومة. دافعو الثمن من دمائهم، كانوا دومًا من المدنيين السوريين. وقد وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، مقتل خمسة آلاف و783 مدنيًا في سوريا منذ التدخل الروسي في 2015، وحتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2017. كما وثقت الشبكة أيضًا مهاجمة القوات الروسية الكوادر الطبية، والمستشفيات من بين 817 حالة اعتداء على مركز حيوي مدني.

اقرأ/ي أيضًا: روسيا تقتل القتيل وتمشي في جنازته

وكما تبدأ الحرب الديمغرافية على هذه المجتمعات بالقتل، فهي أيضًا ترتبط بالتهجير القسري، وخاصة في حلب، التي كانت أكبر الحواضن المدنية لمقاتلي المعارضة، بالإضافة إلى داريا.

على جانب آخر، كانت لروسيا جهود حثيثية في تحويل  ما يسمى معارضة الداخل إلى أحجار شطرنج لا تملك من أمرها شيئًا، كانت تتعمد تصوريهم في قاعدة حميميم، لتوحي للعالم بأن القاعدة أصبحت حاضنة لتسوية ما بين السوريين، أما بالنسبة للفصائل التي كانت تدعمها الولايات المتحدة، فقد حاولت روسيا شراء ولاءاتها من خلال توسيع تحالفاتها، وجعلها تضم بين صفوفها المزيد من المقاتلين من فصائل إسلامية أخرى، الأمر الذي جعل المشهد العسكري على الأرض معقدًا وفوضويًا.

كما استطاعت روسيا تغيير العلاقة الشرطية التي كانت بين الميليشات والنظام، فبعد أن كان النظام يدعم الميليشيات لتحفظ وجوده وتثبته على الأرض، مال النظام الروسي في سياسته العسكرية إلى الشكل النظامي للقوات العسكرية، لتمنحه مزيدًا من الشرعية في تحركاته بالداخل السوري، فأسس الفيلق الخامس اقتحام، بعناصر سورية تمامًا، ومنحه تمويلًا سخيًا، يبدو على حساب الحليفة القريبة في المشهد وهي إيران.

أما سياسة القهر عن بُعد، فتمثلت في دك الأرض أولًا، وسحق المدنيين، ثم جرجرة المتبقين على الأرض إلى اتفاق "توفيق أوضاع"، يسمح بضخ المزيد من المدنيين إلى الفيلق الخامس، إلى جانب السماح للراغبين من المدنيين بالخروج، أو فتح القنوات العالمية والمحلية لمشاهدة المدنيين الجوعى، أو المصابين، وهم في الحافلات الخضراء، كما رأينا في حلب عام 2016.

الاحتلال الروسي صاحب الرأي الأول في سوريا

لعل المشهد الآخر في المفاوضات حول سوريا، هو أيضا جدير بالتأمل، فانتقال المفاوضات من عاصمة "السلام الغربية" (جنيف) الشهيرة بالساعات والمجوهرات الثمينة، والمقر لعشرات المنظمات والهئيات العالمية والتي كُتب فيها العديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية؛ إلى أستانا، التي أُنشئت فيها عام 1810 قاعدة عسكرية للجيش الروسي القيصري، لهو رسالة في حد ذاته من النظام الروسي إلى العالم، مفادها أن القيصر الروسي هو صاحب الرأي الأول في سوريا الآن.

و قد سمحت أستانا بوجود عملية استقطاب كبيرة في صفوف المعارضة، بين من يرى أنه لا يمكن أن تتم مفاوضات الوضع السوري في إحدى العواصم التابعة للنظام الروسي، بينما أيّد آخرون الأستانا من باب البرغماتية.

روسيا كانت دومًا تحاول كسب الوقت والحلفاء لمساراتها، من خلال خلق أبواق إعلامية مروجة لأفكارها في عواصم عربية كانت حليفة تقليدية للولايات المتحدة، مثل مصر على سبيل المثال، وهو أمر لم تدبره الصدفة، فكما تحكي صحيفة نيوزويك الأمريكية، استقبل فلاديمير بوتين في العامين الماضيين قادة الشرق الأوسط أكثر بـ25 مرة مما استقبل الرئيس السابق باراك أوباما.

ستعمل روسيا كل ما بوسعها لبسط نفوذها الكامل في سوريا، وذلك على حساب السوريين الذين سينتظرون في كل مرة تجرع طبخة موت روسية أخرى

في النهاية وفي سياق دعم رؤيتها لـ"سوريا المفيدة الروسية" ستضطر روسيا للرقص على الحبال، لمزيد من "توفيق الأوضاع" في الداخل، وربما ستبحث عن بديل لموظفها السوري بشار الأسد، وستضرب بيد من حديد للسيطرة الأمنية بالداخل، وفي سبيل ذلك سيكون هناك المزيد من مشاهد التجويع والحرق والقتل وقصف المدنيين، حتى تبسط روسيا وجودها الكامل في الداخل الروسي، ويبقى السوريون في الداخل ينتظرون تجرع طبخة الموت الروسية التالية، والعالم بالطبع يتفرج!

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأسد.. مصيرٌ تصنعه تحالفات روسيا

البوصلة نحو موسكو.. هكذا أصبح بوتين الزعيم الجديد للشرق الأوسط