توقيع وثيقة هياكل الحكم في السودان.. ضرورات غياب رفاهية الخيار

توقيع وثيقة هياكل الحكم في السودان.. ضرورات غياب رفاهية الخيار

نائب رئيس المجلس العسكري بالسودان يوقع على وثيقة الاتفاق السياسي (الأناضول)

في كتابه "جنوب السودان: التمادي في نقض العهود والمواثيق"، أشار أبيل ألير (Abel Alier) الذي يُعرف بأنَّه "صاحب المهمات الصعبة"، أو "حكيم الجنوب"، إلى تفنن العسكر في نقض العهود والمواثيق والاتفاقات، فقد عمل ألير نائبًا لرئيس السودان جعفر النميري في الفترة من 1971 - 1982، حيث أدان ألير نظام النميري "الرئيس الرابع لجمهورية السودان خلال الفترة من 25 أيار/مايو 1969 إلى السادس من نيسان/أبريل 1985" وسياساته تجاه جنوب السودان وقتئذ، ونقضه للاتفاقات المبرمة سلفًا. وهذا هو ديدن الحكومات العسكرية المتعاقبة في السودان، فكانت أغلب اتفاقات العسكر محض غرس لا يجدي ولا يرجى له ثمر.

ديدن الحكومات العسكرية المتعاقبة في السودان هو نقض الاتفاقات، فأغلبها محض غرس لا يجدي ولا يرجى له ثمر

لعل الحقيقة التي يستشفها المتابع للشأن السوداني في الأسبوع الماضي وجود حالة من انسداد الأفق فيما يخص المحادثات بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي الذي يتولى الحكم منذ سقوط نظام الدكتاتور البشير في الحادي عشر من نيسان/أبريل من العام الجاري، بالرغم من المساعي الحثيثة لتقريب وجهات النظر بين الطرفين من قبل الوسيط الإثيوبي محمد حسن ولد لباد والمبعوث الأمريكي دونالد بوث، إلا أنَّه وكالمتوقع من قبل الشارع السوداني، كان هنالك جو من عدم اليقين يلوح في الأفق، بالإضافة إلى وجود عدم ثقة بين الطرفين عكرت اجواء التفاوض، ومثلت حجر عُثرة في المباحثات، وأحالت بين طرفي التفاوض دون الوصول إلى توقيع اتفاق نهائي مرضي لهما، وبناء توافق وطني في الآراء بشان مستقبل البلاد الذي أصبح رهين بيد المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير القائد للحراك السوداني.

اقرأ/ي أيضًا: السودان.. ضغوط متزايدة على المجلس العسكري والشارع صامد على مطالبه

ونتيجة للعقبات التي حالت دون التوقيع على الاتفاق النهائي، برزت إلى السطح مرًة أخرى عدة ضغوطات من واشنطن والاتحاد الأوروبي على أطراف الازمّة في السودان لعودة المفاوضات والتوصل إلى توقيع نهائي مفاده نقل السلطة إلى حكومة مدنية، فقد جاء على لسان المبعوث الأمريكي للسودان بوث بأنَّه يأمل أن تكون هنالك حكومة مدنية في السودان يقودها المدنيين عن طريق رئيس وزراء مدني مستقل، كما عبر بوث عن دعم الولايات المتحدة للسودان، وأن الولايات المتحدة تأمل ان يتجاوز السودان هذا المنعطف حتى تتحقق مطالب الثورة التي بدأت في كانون الأول/ديسمبر بواسطة الشعب السوداني، وأن دعم المجتمع الدولي للسودان رهين بتحول السلطة للمدنيين. إضافة إلى ما سبق، جدّد الاتحاد الأوروبي دعوته لطرفاء التفاوض في الخرطوم لتجاوز الخلافات والبدء في توقيع بنود الاتفاق.

نتيجة للضغوطات الأخيرة من واشنطن والاتحاد الأوروبي، واستنادًا لشرعية هذه الثورة المباركة، واستجابة لتطلعات الشعب السوداني في الحرية والسلام والعدالة وتحقيق الديمقراطية وبناء الدولة الوطنية ذات السيادة، وفق مشروع نهضوي متكامل، وإرساء مبادئ التعددية السياسية، وتأسيسًا لدولة القانون التي تعترف بالتنوع وترتكز على المواطنة أساسًا للحقوق والواجبات، وإعلاء قيم العدالة الاجتماعية والعدل والمساوة، وحفظ كرامة الإنسان حسب ما جاء في مقدمة الاتفاقية السياسية، انخرط الطرفان في مفاوضات ماراثونية منذ أمس الثلاثاء 16 تموز/يوليو 2019، وجلسا إلى طاولة التفاوض، وعادا إلى المباحثات للوصول إلى حلول مرضية للقضايا العالقة، والعبور من هذه المنطقة، والتي مثلت تحديًا دون الوصول لتوقيع نهائي للاتفاق.

في صباح يوم الأربعاء، 17 تموز/يوليو، وقّع طرفا الأزمّة في الخرطوم على الوثيقة السياسية المتعلقة بهياكل الحكم، على حين إرجاء التوقيع على الوثيقة الدستورية إلى يوم الجمعة القادمة، فقد وقّع الطرفان على بنود الوثيقة الأولى والتي من أهمها اختيار رئيس مجلس الوزراء، فقد تم الاتفاق بين الطرفين على أن قوى الحرية والتغيير لها حق اختيار رئيس مجلس الوزراء وفق الشروط الواردة بمرسوم الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية، كما يجب أن يتشكل هذا المجلس من رئيس وعدد من الوزراء لا يتجاوز عددهم العشرين من كفاءات وطنية مستقلة بالتشاور، يختارهم رئيس مجلس الوزراء من قائمة مرشحي قوى إعلان الحرية والتغيير، ويتم اعتمادهم من قبل مجلس السيادة عدا وزيري الدفاع والداخلية الذين يعينهما رئيس الوزراء بعد اختيارهم من قبل الأعضاء العسكريين في مجلس السيادة.

إضافة إلى ما سبق وقع الطرفان على تشكل لجنة تحقيق وطنية مستقلة لإجراء تحقيق شفاف ودقيق في الأحداث الدامية والمؤسفة والجرائم التي ارتكبت في الثالث من حزيران/يونيو2019 وغيرها من الأحداث والوقائع التي تمت فيها انتهاكات لحقوق وكرامة المواطنين مدنيين كانوا أو عسكريين، ويجوز للجنة الوطنية أن تطلب أي دعم أفريقي إذا اقتضت الحاجة لذلك، هذا إضافة إلى بنود الاتفاق السياسي الأخرى.

يدرك المتابع للشأن السوداني وجود حالة من انسداد الأفق فيما يخص المحادثات بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي

بعد ذلك دعا طرفا الأزمّة الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (الايقاد)، والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وكافة الدول الشقيقة والصديقة لحشد الدعم القوي الاقتصادي والمالي والإنساني لإنفاذ هذا الاتفاق، ومساندة السلطات الانتقالية لأجل تحقيق النجاح التام لمهامها ووظائفها المختلفة، كما يناشد الطرفان المنظمات والدول الشقيقة والصديقة المذكورة السعي لدى الدول الراعية للإرهاب ورفع العقوبات وإعفاء الديون.

اقرأ/ي أيضًا: أربعينية مجزرة القيادة العامة.. الشارع السوداني يقود نفسه

إجمالًا، يعتبر هذا التوقيع خطوة مباركة ريثما يتم التوقيع على الوثيقة الدستورية في الجمعة القادمة، وإشاعة نوع من المصالحة الوطنية الشاملة توحد الجميع، بعيدًا عن المزايدات والصراعات والاستقطابات الإقليمية، حتى يتفرق الطرفان لتنمية الوطن، والعبور به إلى مرحلة التغيير والبناء والتعاون المشترك، ووقف حمام الدماء في الوسط والأطراف، الذي أدخل الدولة نفقًا مظلمًا وظلامًا دامسًا، الأمر الذي كاد أن يطيح بالبلاد والسيادة الوطنية للهاوية، فالتصالح مع الواقع السياسي الحالي يساوي بناء وطن معافى، كما يجب أن يعي الشارع السوداني بأن خراب وأضرار ثلاثين عامًا لا تُحل بين ليلًة وضحاها، فالأمر يحتاج إلى تضافر مزيد من الجهود، وتكاتف للأيادي، ومزيدٍ من الثقة المتبادلة بين الأطراف لتجنب البلاد من أخطار التفتت والانزلاق في أتون حروبات أهلية قد لا تحمد عُقباها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عودة الإنترنت في السودان.. فيديوهات تعمق مجزرة الاعتصام

العبور إلى القصر الرئاسي.. ثورة السودان تتوخى شمس الحرية من جديد