أربعينية مجزرة القيادة العامة.. الشارع السوداني يقود نفسه

أربعينية مجزرة القيادة العامة.. الشارع السوداني يقود نفسه

رفض الشارع السوداني أجواء التفاوض الباردة (فيسبوك)

انطلقت صباح السبت مواكب أربعينية مجزرة القيادة العامة، في كل مدن السودان، وبالرغم من أن تجمع المهنيين حدد مواقيت ومسارات التظاهر عصرًا إلى بيوت الشهداء، إلا أن التدافع نحو الشوارع بدأ منذ الصباح الباكر، بطلائع طلابية في الجامعات والأسواق والأرياف، ودوت الهتافات المطالبة بالسلطة المدنية والقصاص للشهداء تحت شعار "شهدانا ما ماتوا عايشين مع الثوار".

في وقت كانت فيه قوى الحرية والتغيير تتأهب للتوقيع على الاتفاق النهائي بينها وبين المجلس العسكري، واقتسام صلاحيات إدارة الدولة، كان الشارع يدافع عن حراكه السلمي، غير منشغل بأجواء التفاوض الباردة

وفي وقت كانت فيه قوى الحرية والتغيير تتأهب للتوقيع على الاتفاق النهائي بينها وبين المجلس العسكري، واقتسام صلاحيات إدارة الدولة، كان الشارع يدافع عن حراكه السلمي، غير منشغل بأجواء التفاوض الباردة، رافضًا بقوة أي اتفاق ينتقص من مطالب الثورة، أو المساومة على الحريات والحقوق الكاملة، ودماء الشهداء، الذين وصلت أعدادهم في يوم فض الاعتصام إلى أكثر من مئة شهيد، جميعهم قضوا بالرصاص الحي، وفقًا للجنة الأطباء المركزية.

اقرأ/ي أيضًا: اتفاق أطراف الأزمة في السودان بين التأييد والرفض الشعبي

أربعينية الشهداء

واستبق طلاب جامعة العلوم والتقانة وطالبات جامعة الأحفاد، بأم درمان التظاهر في  شوارع المدينة، لتخليد ذكرى الشهداء، وهم يرددون الأناشيد الوطنية  وشعارات الثورة، كما وقف طلاب جامعة الرازي دقيقة حداد على روح  أحد زملائهم "محجوب التاج" وانطلقت أيضًا المواكب في مدينة بورتسودان على الساحل الشرقي، ومدينة القضارف، وود مدني، وأضيئت الشموع في مدن الخرطوم الثلاثة ليلًا، وردد المتظاهرون هتاف "الدم قصاد الدم ما بنقبل الدية"، فضلًا عن الهتاف الأكثر تداولًا وتمسكًا بالحكومة المدنية كبديل لـ"المجلس العسكري" الذي سيطر على مقاليد السلطة بعد الإطاحة بنظام عمر البشير في 11 أبريل/نيسان الماضي.

أسلاك شائكة

وشهدت شوارع الخرطوم حالة انتشار أمني كثيف، تركزت بصورة لافتة في مداخل القصر الرئاسي والقيادة العامة للجيش، وقامت السلطات الأمنية بإغلاق الجسور المطلة على شارع النيل، ووضعت الأسلاك الشائكة في مداخل القصر وكبري الجيش، لمنع المتظاهرين من الوصول إليهم، كما أغلقت بعض المحال التجارية وسط الخرطوم أبوابها عند السادسة مساءً، دون أن تتأثر حركة السير والمركبات كثيرًا، أو تبدر حالات عنف بين الشرطة والمحتجين، كما كان يحدث في السابق.

الشارع يقود نفسه

وجدت قوى الحرية والتغيير نفسها في حيرة من أمرها، إما أن تنسحب من الاتفاق وتدعم مظاهرات أربعينية المجزرة، أو تنشغل بحصتها في الحكومة الانتقالية وتترك الشارع يحدد خياراته، غير عابئة به، وهو ما حدث بالفعل، إلى درجة وضع الشارع قوى التغيير في مكانة واحدة مع المجلس العسكري، متجاوزًا كل الخطوط السياسية المتماهية مع السلطة، وربما لهذا السبب تولى تجمع المهنيين، المعبر عن الحراك منذ نهاية العام الماضي زمام المعركة السلمية، حتى لا يخسر أنصاره، وشدد بيان صادر عن "تجمع المهنيين السودانيين" على ضرورة التحقيق الشفاف العادل في جريمة فضّ الاعتصام، وتقديم الجناة الذين أمروا وخططوا ودبروا ونفذوا المجازر والانتهاكات فجر الثالث من الشهر الماضي أثناء فض الاعتصام، كما شدد البيان على محاسبة ومحاكمة المفسدين من أجل استرداد الأموال المنهوبة.

خلافات التفاوض

الوسيط الأفريقي محمد الحسن لبات، الذي ظل منذ أيام في حالة توسط وسعي بين الأطراف، انتهى به الأمر في منطقة النزاع الكبرى، حيث أعلن تأجيل التوقيع على الوثيقة الدستورية إلى أجل غير مسمى، وذلك بسبب نشوب العديد من الخلافات فيما يتعلق بصلاحيات المجلس السيادي، الذي سوف يترأسه الفريق عبد الفتاح البرهان خلال النصف الأول من الفترة الانتقالية، بجانب تسريبات تحدثت عن منح الإعلان الدستوري ضمانات لكافة قيادات المجلس العسكري بعدم الملاحقة القانونية، أو التعرض لهم حتى بعد انتهاء خدمتهم، عطفًا على الخلاف حول تعيين رئيس القضاء ودور وتبعية جهاز الأمن، فبينما طالبت قوى التغيير بتجريد جهاز الأمن من قوته العسكرية وصلاحياته المطلقة وتبعيته مباشرة لرئيس الوزراء، وكذلك تعيين رئيس القضاء والنائب العام. غير أن المجلس العسكري رفض ذلك وتمسك بهذه الصلاحيات كاملة للمجلس السيادي الذي يحظى فيه بالكلمة الأخيرة.

الشيوعي الرافض

وكان الحزب الشيوعي السوداني قد استبق مفاوضات الجولة الرابعة بين المجلس العسكري وحلفائه في قوى "الحرية والتغيير" بإعلان ضرورة تنفيذ ستة مطلوبات وضعها التحالف في وقت سابق كشروط لتوقيع أي تفاهم مع العسكر،  من بينها المحاسبة على الجرائم وعدم مشاركة المفاوضين في الحكومة الانتقالية، بما فيهم قادة المجلس العسكري، وأعلن الحزب في بيان تلقى "ألترا صوت" نسخة منه رفضه لمسودة الاتفاق الحالي، باعتبار أن ما ورد فيها "لا يلبي تطلعات الجماهير في تحقيق أهداف الثورة والتحول الديمقراطي، وتحسين أوضاع الجماهير المعيشية والاقتصادية، ووقف الحرب والسلام، بل كرَّست للثورة المضادة"، وفقًا للبيان الذي تحفظ على مجمل بنود الاتفاق، بما فيها  اتفاقيات النظام السابق، الدولية والإقليمية، التي تمس السيادة الوطنية مثل (البقاء في الحلف العربي لحرب اليمن، والاتفاقات العسكرية الأخرى، الأفرويكوم) علاوة على السير في طريق نموذج الحكم الرئاسي بدلًا عن النظام البرلماني. إلى ذلك قرر الشيوعي السوداني عدم المشاركة في أيٍّ من مستويات الحكم في ظل الواقع الذي تكرّسه الاتفاقية، داعيًا الجماهير للتمسك بمواثيق ثورة ديسمبر، ومواصلة المعركة حتى انتزاع الحكم المدني الديمقراطي.

وظل الحزب الشيوعي يعلن رفضه صراحة لوجود العسكر على رأس السلطة بأي صيغة، لكنه مع ذلك لم ينسحب من لجان التفاوض مع المجلس العسكري، واحتفظ برفضه لكل ما تمخضت عنه جولات الحوار السياسي بين الجيش والقوى السياسية.

تلميع المجلس العسكري

وخلال أيام تواصلت جولات أعضاء المجلس العسكري داخل وخارج السودان، واستمرت محاولات كسب الشارع وخلق زخم شعبي داعم للمجلس، الذي يعتبر نفسه مفجرًا للثورة، وصاحب السهم الأوفر فيها، دون أن تتكشف الوجهة التي يمضون إليها نهاية الفترة الانتقالية بعد ثلاث سنوات، وكانت صحيفة "ذا غلوب آند ميل" الكندية نشرت تقريرًا، كشفت فيه عن أن النظام العسكري السوداني دفع 6 ملايين دولار أمريكي لشركة علاقات عامة كندية لتلميع صورته. كما أوضحت الصحيفة أن الشركة المذكورة اقترحت تحالفًا بين الخرطوم و"أمير الحرب الليبي" خليفة حفتر، وأشار التقرير إلى أن الشركة وقعت عقدًا مع النظام العسكري السوداني لمساعدته للحصول على التمويل الخارجي والاعتراف الدبلوماسي به، وقالت الصحيفة إن المجلس العسكري دفع التمويل للشركة أيضًا لتوفير معدات لقواته الأمنية، والبحث عن مستثمرين في مجال النفط، وترتيب لقاء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتحسين العلاقات مع روسيا والسعودية. علمًا بأن الشركة يديرها آري بن- ميناشي، وهو ضابط استخبارات إسرائيلي سابق، دون أن يصدر نفي أو تأكيد من المجلس العسكري على هذا التقرير.

مرافعة حميدتي

 فيما تواصلت أيضًا محاولات قائد قوات الدعم السريع ونائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان حميدتي لتبرئة ساحة قواته من أي جرائم نسبت لها مؤخرًا، وذلك بعد تدفق فيديوهات ما عرف بمجزرة الاعتصام التي نشرت بعد عودة خدمة الإنترنت، وادعى حميدتي وجود مندسين وأجهزة مخابرات داخل قوات الدعم السريع تعمل على تشويه صورتها، مشيرًا الى أن تسريب الفيديوهات كان أكبر دليل.

اقرأ/ي أيضًا: 30 يونيو.. اندفاع موجة ثانية للثورة السودانية

وقال حميدتي خلال مخاطبته حشدًا جماهيريًا بمنطقة "حجر العسل" بولاية نهر النيل وسط السودان، إن انحياز الجيش السوداني للثورة حقيقي ولم يكن من فراغ، داعيًا الى التكاتف ونبذ الفرقة للوصول بالسودان إلى بر الأمان، وجزم بأن من صوروا هذه الفيديوهات هم المتورطون في حادثة فض الاعتصام، قائلًا "جنودنا ليسوا ملائكة ولكن نحن نحاكم كل من أساء بحق الشعب السوداني"، وأضاف: "لولا الدعم السريع لكان حال الخرطوم مختلفًا"، معبرًا أن المجلس العسكري ليس عدوًا لقوى الحرية والتغيير، وإنما شريك لها.

على صعيد التطورات الأمنية، كان المجلس العسكري قد أعلن قبل يومين إحباط محاولة انقلابية داخل الجيش، وكشف المجلس في بيان أذاعه تلفزيون السودان القومي، إفشال الأجهزة الأمنية محاولة انقلابية قادها 12 ضابطًا في الجيش والأمن جرى توقيف بعضهم بينما لا يزال مدبرها الرئيسي طليقًا، وفقًا لمزاعم المجلس العسكري.

نشرت صحيفة "ذا غلوب آند ميل" الكندية تقريرًا كشفت فيه عن أن النظام العسكري السوداني دفع 6 ملايين دولار أمريكي لشركة علاقات عامة كندية يترأسها رجل أعمل إسرائيلي لتلميع صورته

وقال رئيس اللجنة الأمنية الفريق جمال عمر إن المخطط الانقلابي أدير بواسطة مجموعة من الضباط وضباط صف بالقوات المسلحة وجهاز الأمن بهدف تنفيذ انقلاب عسكري "لعرقلة الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير"، ويعتبر هذا الانقلاب الرابع الذي أعلن عنه منذ سقوط البشير في نيسان/أبريل الماضي، ما يعني وجود تململ داخل صفوف الجيش، الذي ربما كان رافضًا الطريقة التي يدير بها المجلس العسكري البلاد، أو أن أخبار الانقلابات محض حيلة سياسية، الهدف منها تكريس قبضة العسكري واحتواء الموجة الثورية، كما يبدو. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

 محاكمة البشير.. ملهاة فض الاعتصام وإخفاء وجه السلطة العسكرية