بيكاسو مظلّلًا بنسائه

بيكاسو مظلّلًا بنسائه

بابلو بيكاسو مظللًا فرانسواز جيلو، صاحبة أطول علاقة عاطفية معه وكتاب "حياتي مع بيكاسو"

معروف عن بيكاسو نزوعه نحو ما هو ماديّ، بمعنى ما يتعلق بالمال وما يتعلق أيضًا بالمحسوس. وهذا مبدأ واضح كل الوضوح في أعماله على مدار حياته الفنية، في تفضيل تعبير المادة خامة العمل على أي مبدأ آخر، سواء المادة كلون أو ككتلة في الأعمال النحتية.

يفسّر تعلّق بيكاسو بالمونيتور كتعبير عن تمسّكه بهويته الإسبانية العاشقة لمصارعة الثيران

ليست شهرته المبكرة بفضل عظمة فنّه فقط، بل أيضًا لأن الحظ قد حالفه، منذ كان في العشرينيات من العمر، أثناء إقامته في حي المونمارتر، بلقائه بجيرترود شتاين، الكاتبة الأمريكية، واحدة من أهم وأبرز المقتنين والداعمين للفن في حينها.

اقرأ/ي أيضًا: مكتبة نور عسلية

رسم لها بيكاسو بورتريه عام 1906. بدأت حياة بيكاسو العاطفية مع فرناندا أوليفية المولودة عام 1881 تبع ذلك ارتباطه بإيفا غويل المولودة عام 1885 والتي توفيت باكرًا إثر مرض أصابها وقد أثّرت وفاتها عميقًا في أعمال بيكاسو في عدة أعمال تحت عنوان: الجحيم.

ثم بدأت علاقته بأولغا كوكلوفا المولودة عام 1891، وكان زواجًا طويلًا وتعيسًا لأولغا التي أنجبت منه عام 1921 ابنه الأول باولو، الذي بقي منبوذاً من قبل والده حتى وفاته عام 1975، حتى إنه قد عمل سائقًا في خدمة أبيه وكان يتقاضى أجرًا زهيدًا، وهذا وارد في عدة شهادات من المحيطين ببيكاسو في حينها، يدعمها شهادة براساي المصور الشهير، عندما قام بتصوير مجموعة كبيرة من أعمال الفنان تحت طلبه من أجل كاتلوغ شامل، كان ذلك عام 1936، وإذ يطلب براساي لقاء عمله يجاوبه بيكاسو أن عليه أن يتوجه بطلبه إلى دار النشر وأنه ليس معنيًا أبدًا بالدفع، علمًا أنه كان غنيًا جدًا والآخر كان في حال متواضع، يرد ذلك في كتاب "حوارات مع بيكاسو"(conversations avec Picasso) لبراساي.

لبيكاسو علاقة شهيرة بالفنانة دورا مار المولودة عام 1907، لكنها كانت علاقة هشة متوترة لأن الفنانة بطبيعتها الحرّة لم تحتمل تسلط الفنان رغم حبّه وتقديره لها.

ارتبط بيكاسو أيضًا بماري تيريز والتر المولودة عام 1909 وأنجبا دون عقد زواج مايا ويدمير عام 1935، وستكون هي المفضلة عند أبيها وستشرف حتى اليوم على إرثه الفني. ثم بدأت علاقته مع فرانسواز جيلو وأنجبا كلود عام 1947 ثم بالوما عام 1949 دون زواج أيضًا. هكذا حتى انتهت علاقته بها وأمضى حياته حتى آخرها مع جاكلين روك المولودة عام 1929، ويقال إنها كانت أسعد علاقة في حياته حتى وفاته عام 1973 عن عمر 91 عامًا.

خلال سنوات حياته كان لتجاربه تلك أثرًا على مساراته الفنية، فهي تمثّل نظرته الكلاسيكية لثنائية المؤنث والمذكر. تجلت هذه النظرة في أعماله عبر مفارقة قوة الرجل الجسدية وسطوة الأنوثة المرهفة. نرى في رسومه الإيروتيكية المبكرة بين عامي 1902 و1905، المعروفة ببساطة باسمDessins érotiques ، كانت خطوطه ما زالت تنتمي إلى الحالة التعبيرية.

يمعن فيها بيكاسو بتطريز معظم المساحات برسوم الأعضاء المذكرة والمؤنثة، ويُظهر فيها وقوع الجسدين في نشوة غارقة بالبقع المائية بألوانها الدلالية، في أحدها تراقبهما قطة، الكائن الرمزي لكن اليومي، بشغف بدورها.

خلال سنوات حياته، كان لتجارب بيكاسو العاطفية أثرًا على مساراته الفنية، فهي تمثّل نظرته الكلاسيكية لثنائية المؤنث والمذكر

ولاحقًا اتّخذ هذا الموضوع "الأثير لدى الفنانين أبدًا" صياغات مختلفة لدى بيكاسو. ابتداء من أوائل العشرينات ظهر المونيتور في أعمال بيكاسو سواء في اللوحات أو الرسوم أو المنحوتات. وتفسير تعلّق بيكاسو بالمونيتور (كائن نصفه بشر ونصفه الأعلى ثور) أمر بسيط فهو ينتمي حكمًا إلى تمسّكه بهويته الإسبانية العاشقة والمتابعة بلهفة لمصارعة الثيران، وحتى اشتراكه في العديد من رهاناتها. يسطو هذا الكائن إذا على الرؤية الإيروتيكية عند بيكاسو، فتغدو المَشاهد أسطورية بالدرجة الأولى بعيدًا عن الحالة الحسية أو العاطفية.

اقرأ/ي أيضًا: سمعان خوّام.. فن ضد مجتمع الهيمنة

كان لهذا التمثيل أثرًا كبيرًا على تاريخ الفن المعاصر، بشقيه الفني العملي والجمالي الفلسفي. ففي عام 1933 تم إصدار مجلة Minotaure بإشراف الناشرين الشهيرين Albert Skira و Tériade، والتي حملت في عددها الأول صورة كولاج لبيكاسو يحمل رسم المينوتور. تُعتبر مجلة Minotaure التي توقفت عام 1939 من أهم المراجع في تاريخ الفن في النصف الأول من القرن العشرين، هي التي شملت وثائق نوعيّة أصيلة: فنية مثل مجموعات فوتوغرافية لبراساي نشرت فيها للمرة الأولى، أو أدبية نقدية مثل نصوص والتر بنيامين، أو حتى وثائق تأريخية قدّم فيها الفنانون رؤاهم الفنية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تشكيليون عراقيون: هكذا نواجه العزلة والوباء!

إسماعيل شموط.. يده هي التي ترى وقلبه هو الذي يرسم